الاختلاف كلمة يمكن أن توحي لنا بالعديد من الدلائل، كلمة شاسعة المعاني. دائمًا ما يظهر لنا الاختلاف ذلك الجانب غير العادي، ذلك الجانب غير المعتاد. فالاختلاف ضد الاتفاق، هو كل ما يدل على التناقض والتميز، هو صفة تميز الناس بعضهم عن بعض، لكن غالبًا ما يؤدي هذا الأخير إلى الاحتكار أو التصادم بين طرفين اجتماعيين يمكن أن يكونا أفرادًا، مجموعات، أو دولًا.

تروج العديد من الدلالات حول هذا المفهوم الوحيد، فهناك من يعده ميزة تساهم في التنوع البشري، لكن هناك من ينفي هذا ويعده مجرد أسلوب لخلق الخلافات والنزاعات بين الأفراد لا غير.

لنستهل بالرأي الأول، هل حقًّا الاختلاف نمط يزيدنا تنوعًا؟ تعد هذه الفئة الاختلاف سنة كونية، وذلك بتأملها في الكون، فكلما نظرت حولها وجدت الاختلاف حاضرًا، بداية بالاختلافات الإلهية كاختلاف الليل والنهار، اختلاف ألوان البشرة، إختلاف الفصول الأربعة، هل فصل الربيع هو فصل الشتاء؟ كلا فكل منهما يتميز بصفاته الخاصة، كل منهما له موعده المحدد، كل منهما له جماليته وجاذبيته الخاصة، بالإضافة إلى الاختلافات الاجتماعية كاختلاف الأحزاب السياسية واختلاف الشعب المدرسية. وما لا نهاية من الاختلافات التي نواجهها يوميًّا التي لا تحصى ولا تعد. يمكن أن تكون هذه بعضًا من كل الاختلافات الموجودة في هذه الحياة، لكن أنا متأكدة من أنها ستوفي بالغرض وتقنعكم.

لننتقل إذًا إلى الفئة الأخرى، والتي تظن أن الاختلاف يعد سبب لمشكلاتنا وعرقلة لتفاهمنا. إن حاولنا رؤية هذا من جهة أخرى فلولا وجود هذا المبدأ بتاتًا لكان الجميع متساويين، لكان الكل له أفكار واحدة حينها سيسهل علينا التفاهم مع الأخرين، لأننا لن نجد أية صعوبة حين النقاش معهم، لن نضطر إلى الدخول في دوامة من النزاعات والتي نعلم أنها لن تصل بنا إلى أية نتيجة مرضية. ألا يكون الاتفاق أحيانًا جميلًا؟ كم هو رائع أن تجد شخصًا أفكاركما متوافقة، آراؤكما نفسها، قد يجنبك هذا العديد من المشكلات التي كانت يمكن أن تسبب لكما بالتفارق أو التباعد.

أنا أيضًا لي رأي يصارع باقي الآراء لكن مع أي فئة يتطابق بالضبط؟ لنرى إذًا ذلك معًا: في مخيلتي الاختلاف دائمًا هو شيء غريب، شيء خفي، شيء يدفعك إلى البحث أكثر واكتشاف ما يوجد وراء ذلك الخفاء.

الاختلاف هو من صنع العلماء، فلولا تضادهم، أو بمعنى آخر عدم اتفاقهم، لأن عدم الاتفاق لا يعني دائمًا التضاد، لما سارعوا إلى البحث والتفسير، لما حاولوا أن يعرفوا الكثير ويكتشفوا أشياء جديدة، لكنا الآن ما زلنا في نقطة واحدة ولم نتحرك بعد. الاختلاف هو من جعل من الفلاسفة فلاسفة، فلولا اختلاف آرائهم ونقاشهم حولها لما استطعنا أن نجد لمفهوم واحد العديد من المفاهيم والدلالات.

دائمًا ما أستعين بمثل اختلاف الشعب المدرسية وتنوعها لأقتنع أكثر بأهمية الاختلاف في حياتنا، فمثلًا إن اكتفينا بالشعب العلمية فقط لحصلنا على الطبيب، المهندس، العالم… من كان سيدرس أبناءها تاريخ البلاد، جغرافية المناطق، قواعد النحو، القيم الإسلامية، حتى وإن اكتفينا بكل هذا، من كان سيساعد هذا الموظف في اقتناء راتبه الشهري لولا عاملي القطع الاقتصادية، من كان سيصنع له طاولة خشب يلتم مع أسرته حولها لتناول وجبة العشاء مساء، لولا النجار، وتظل العديد من كلمة لولا يمكن أن نقولها، لولا الحداد، لولا الخياط..

هل استطعتم الآن أن تعوا مدى أهمية الاختلاف وقيمته السامية في حياتنا؟ هل استطعتم إدراك معنى الاختلاف ولو في أبسط الأشياء التي تحيط بنا؟

أنا لا أنفي أبدًا أن الاختلاف أحيانًا يشكل لنا عرقلة في التعبير عن آرائنا وتوصيلها للآخر بشكل أفضل، لكن هنا تختلف طريقة كل واحد منا في التعامل مع هذا الوضع، فهناك من سيدلي برأيه الخاص ويحترم رأي الآخر دون أن يحدث أية مشكلة، وهناك من سيصطدم برأي الآخر اصطدامًا بشعًا يخلق به بركانًا من الانفعالات. ما يمكن ملاحظته هنا هو أننا عدنا للاختلاف مجددًا؛ فكل له طريقته الخاصة في التصرف. ألا نرى أننا لا نستطيع التخلي عن مبدأ الاختلاف أبدًا؟

كم نحن محظوظون في هذه الحياة لكوننا نخضع لهذا المبدأ، ولكي نؤكد أننا لا يمكن أن نستغني عنه لنستعين بآيات آلله، عز وجل، لقوله: {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم} سورة البقرة الآية 211، ولقوله أيضًا {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} سورة يونس الآية 19. هذا ما يدل على أنه سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين وسنظل مختلفين، لا يمكننا تغيير هذا، فلولت أهمية الاختلاف وحاجتنا الماسة إليه لما دعانا إليه الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد