الاختلاف هو سنة كونية أوجدها الله في الكون كي يستمر، وجعل منه وسيلة للتعايش بين الناس، والاختلاف يختلف عن الخلاف.

فالاختلاف: تباين وتنوع في حياة الناس. أما الخلاف: فهو تفرق السبل بين الناس؛ إذ يعتقد كل شخص أنه على صواب والآخر على خطأ.

ولأن الاختلاف سنة ربانية؛ فبالتالي هي ميزة وليست عيبًا داخل المجتمعات كما يراها البعض، فالاختلاف لا يكون ضعفًا إذا وجد المختلفين نقاط التقاء، وإذا اتحدوا لتحقيق أهداف مشتركة، حينها يكون الاختلاف قوة.

فحينما سن الله الاختلاف في أرض جعله متنوعًا:

1- قال تعالى: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ».

2- وقد جعلنا الله مختلفين في العقيدة «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً».

3- وهناك اختلاف بالكون « أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ».

4- وبعيدًا عن الاختلاف الكوني والأممي، فهناك اختلافات عديدة بين البشر بعضهم وبعض «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ».

5- وقد خلقنا الله مختلفين في الوسع والجهد والتحمل «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ».

6- وخلقنا مختلفين في العقائد والقرب والبعد من الله تعالى «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».

فاختلاف البشر في الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد ليس أمرًا غريبًا؛ بل هو الشكل الطبيعي للحياة، ولكن الغريب حقًّا محاولة البعض جعل الناس كلهم يؤمنون بفكر واحد، وثقافة واحدة، ومعتقد واحد، وقيادة واحدة، ومن هنا استطاع أعداؤنا أن يشرذمونا حينما أقنعونا أن نخالف الناموس الكوني ونرفض اختلافنا، ونرى أنه سبب تخلفنا وتأخرنا رغم أن الاختلاف أمر طبيعي يقرره القرآن والعقل، ويقصه علينا التاريخ.

وتجربة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- في تعامله مع الخوارج، وهم كانوا بمثابة المعارضة السياسية في هذا الوقت، خير مثال أن الاختلاف عنصر طبيعي داخل المجتمع يجب احتواؤه إلى أقصى حد.

وكلما أدركنا أن اختلافنا قوة تحتاج فقط إلى فن الإدارة ليس إلا لاستطعنا صناعة حالة من القوى يمكن من خلالها تغيير الكثير في مجتمعنا، وهنا تظهر الضرورة القصوى لوجود قيادة سياسية واعية تملك من الوسائل والاستراتيجيات ما تمزج به بين كل ما هو مختلف أيديولوجيًّا، ولكن يجمعه هدف واحد ليخرجوا بمزيج حضاري قادر على المواجهة، لا بد لهذه القيادات أن تتكلم بلغة جامعة ذات مفردات إيجابية تجمع به كل مخالف داخل معسكر الشرعية، حتى لا نتركه لذئاب العسكر فريسة يقاتلنا من خلاله.

يجب أن نحترم اختلافنا حتى لا يصل بنا للخلاف ونصبح منقسمين داخليًّا، كل منا يرى أنه فقط على حق، يجب أن نلتزم بأدبيات الاختلاف، وأهمها ألا نقصي رأي الآخر، وألا نسعى ونجتهد لإسقاطه معتقدين أن هذا يعني أننا من كنا على حق.

يا سادة لقد نجح العسكر في تفتيت جبهتنا من الداخل؛ فانشغلنا بإسقاط بعضنا البعض متناسين خصمنا الأساسي، لقد أنهكنا أنفسنا بحروب داخلية لا تخدم إلا معسكر الانقلاب.

رغم كل الأحداث وما وصلنا له من ضعف موقفنا كمعسكر للشرعية، إلا أننا الأقوى/ لكننا لا نجد من يجيد توظيف تلك القوة، فنحن المعسكر الذي يضم أشخاصًا من مختلف التوجهات والأيديولوجيات المكملة لبعضها البعض؛ إذ إن لكل أيديولوجية أو فكر نقاط قوته التي تغطي نقاط ضعف تتواجد بفكر واتجاه آخر، فما ينقص عند الليبرالي يكمله الإسلامي، وما ينقص عند الإسلامي يكمله الإخوان والعكس، هذا مقارنةً بمعسكر الانقلاب صاحب الرؤية الواحدة والنظرة الواحدة والفكرة الواحدة التي ترفض النقاش، أو الخلاف، أو الاختلاف مع ما يريده العسكري بنظرته المحدودة.

يجب أن نعلم أن اختلافنا قوة يسعى عدونا لتعطيلها بحجة أن الاصطفاف والتوحد هي القوة الأكبر، الاتحاد قوة نعم، إنما الاختلاف قوة أكبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

داخلي, مصر

المصادر

تعالوا نتعلم اداب الاختلاف
عرض التعليقات
تحميل المزيد