يصم آذاننا يوميًا صياح العامة حول أي شيء، مهما بدا تافهًا أو مهمًا فإن صوتهم لا يختلف عن نهيق الحمير وصياح الديوك؛ لأن طريقة العامة في النقاش دائمًا ما تكون مقرفة ومنفرة، وداعية للنيل من الطرف الآخر في المحاورة لأنه «خصم» يستوجب التنكيل به وسبه وقذفه فقط لأنه مختلف في الرأي عن الناس.

في 14 يونيو (حزيران) 2020 استيقظ الجميع علی خبر انتحار فتاة مصرية تُدعی سارة حجازي تاركة رسالة انتحار غارقة في البؤس والعاطفة في آن واحد:

«حاولت النجاة وفشلت، سامحوني.

إلی أصدقائي..

التجربة قاسية وأنا أضعف مِن أن أقاومها، سامحوني.

إلی العالم..

كنت قاسيًا إلی حد عظيم، ولكني أسامح.

سارة حجازي».

سارة حجازي واحدة ممن تم القبض عليهم بعد حفلة فريق «مشروع ليلی» الغنائي عام 2017 في مصر، حُبست، وتعرضت للتعذيب والتحرش، وبعدما أُفرج عنها بعد حبس دام ثلاثة شهور دخلت مصحًا نفسيًا خرجت منها تعاني من وصمة العار والاختلاف التي يحب مجتمعنا إلصاقها بكل مختلف. حاولت الانتحار وفشلت، وبعدها قدمت علی طلب لجوء لكندا علی خلفية ما حدث معها في مصر، فكان لها ذلك، ولكن لم تكف ألسنة الناس عن أكل سيرتها وسبها، وهناك من قالوا إن دعمها لحقوق المثليين وإعلانها مثليتها الجنسية لم يكن إلا وسيلة لنيل «حق اللجوء».

فتاة كانت مسئولة عن إخوتها الثلاثة بعد وفاة والدها، تعرضت لاضطهاد، وتعذيب، وتحرش جنسي، وحبس، وقهر، ظلم، فتاة عانت من الاكتئاب، وحاولت الانتحار من قبل، ودخلت مصحًا نفسيًا، فخرجت منها موصومة بالعار مثل آلاف غيرها ممن يدخلون هذه المصحات، ويتهمون بالجنون والخبل لعجزهم عن تحمل أكثر من قدرتهم، الأمر الذي يجعل الملايين من المرضى النفسيين من كل الفئات حولنا بالخارج لخوفهم من نفس وصمة العار، فتاة لم تجد راحتها في الغربة والمنفى الذي جعلها تدرك كم هي كبيرة ضريبة خلقها مختلفة بيولوجيًا عنا. فتاة ماتت وحيدة في الغربة منتحرة ومكتئبة، ما الشيء القاسي عليك؟ أو الذي يؤذيك أنت لتسب وتلعن هذه الفتاة؟ ماذا فعلت لك أنت في حياتها أو في موتها لتُصر على قولك إنها ستدخل الجحيم!

انتحرت سارة، ماتت، في رأيي ارتاحت من الغربة، ومن وصمة العار التي تمنح لكل مختلف، ومن التنكيل بالمثليين جنسيًا الذين يعيشون بيننا ولا أحد يدري عنهم شيئًا لخوفهم من إعلان أنهم مختلفون في توجهاتهم الجنسية عن الأغلبية.

بعد انتشار رسالة الانتحار تحدث الناس عنها بكل سفالة وحقارة، لم يتوقفوا عن أكلها حتی وهي ميتة، لم يؤخذ بعين الاعتبار أن سب شخص ميت وسيلة بائسة جدًا للانتصار لوجهة النظر التي يتبناها المتنمرون والقساة، أو من يعتقدون أن رب السماء والأرض يحتاج منهم أن يسبوا ويلعنوا المختلفين عنهم، أو حتی المخالفين له، أو المخالفين لعقيدتهم.

الله، رب السماء والأرض، إله الرحمة والعدل، الذي يسبق عدله برحمته، لم يطلب من أحد أن يؤذي، أو أن يقتل، أو أن يسب أي شخص، سواء متفق معه أم لا، ولكن الناس تحب أن تسمع هذه الكلمات من خطيب مفوه، يحبون أن يسمعوا هذا الكلام من علی منبر عال حتی يقبلوه، وبالرغم من صدور أكثر من فتوى ورأي في عدم جواز تكفير المنتحر، فالناس الموكلون بمنح صكوك الجنة والنار قد أقروا أن سارة حجازي لن تدخل الجنة، والحقيقة أنا لا أعرف لماذا يصر الناس حينما تحدث أية حالة وفاة بمنح الموتی أماكنهم، هذا في الجنة وهذه في النار، يذكروني في كل مرة بالرجل الذي يمسك بكشاف ويرشد الناس لمقاعدهم في السينما، وكأنهم رأوا الجنة من قبل، أو حتی رأوا النار، أو أن الله يخبرهم في كل مرة عن مكان الشخص الميت كي يحسموا أمرهم هكذا، ولكي يسبوا من مات أو يدعوا له بالرحمة.

الله الكبير، الحق، والرحيم، والعادل، لن يقبل بالتأكيد أن يتم سب شخص ميت لإرضائه، ولن يرضی أن نحاسب الناس بدلًا عنه، وبالتأكيد هو يعرف لماذا قد يترك المرء هذه الحياة الواسعة بكل ما فيها من لذات ومتع ويقبل أن يموت لمجرد أنه لا يتحمل. ألا يوجد أي شخص ممن يسبون الناس، ويسبونني أنا شخصيًا لمجرد أنني أقول أن الانتحار شيء محزن للإنسانية، وأن المنتحر شخص لاقی في الحياة أهوالًا لم يقدر علی تحملها للحد الذي جعله يُقبل علی مجهول لا يعرفه لمجرد أن ما يعرفه ويشعر به لا يمكن تحمله. ألا يوجد من أولئك شخص واحد يفكر في أن المنتحر يعانق الموت الذي نخشاه جميعًا، الموت الذي نفر منه جميعًا بلا استثناء، هناك امرأة وحيدة قررت أن تخطو في طريقه حتی وصلت، أي يأس وأي ألم هذا الذي يجعلها تُقدم علی هذه الفعلة، أي معاناة تلك التي تجعل المرء يُفضل الموت علی الحياة، أي جحيم هذا الذي عاشت فيه سارة ويعيش فيه الملايين يوميًا لمجرد أنهم مختلفون مع من حولهم وغير مقبولين، بالتأكيد إنه ألم قاس ليفرغ الحياة من مضمونها هكذا.

لم يكن سب الناس لسارة لمجرد أنها فتاة مثلية فقط، أو لأنها داعمة لحقوق المثليين فقط، أو لأنها منتحرة فقط، في رأيي أنا: إن إجماع الناس علی أكل لحم الفتاة وسبها ولعنها ومنحها مكانًا في جحيم الله الذي يظنونه تحت أمرهم فقط لأنها مختلفة؛ لأن العالم القبيح هذا تقوم فيه الحروب،  التي يموت فيها الملايين، وينتحر فيه الآلاف يوميًا، كل هذا فقط لأنه يكره الاختلاف، ويدجن من يتأقلمون وينخرطون فيه كالدواجن، ويقسو علی أي شخص مختلف أو يحلم بأن يعيش في عالم إنساني، لا يتم تصنيف الناس فيه علی أساس ألوانهم أو أديانهم، ولا عقائدهم، ولا توجهاتهم السياسية أو الجنسية، أو اختلاف الأذواق في الطعام، أو طريقة عبادة الرب الواحد الخاص بهم؛ لأن هذا العالم يقتل الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مختلفون

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد