أنا وأنت كُلنا كائنات متعالية ومغرورة، ولا نستثني أحدًا في هذا المقام باعتبار أن كلًا منا قد تكبر في موقفٍ ما أو تعالى بمعارفه المحدودة في علمٍ من العلوم. فنظرنا لأنفسنا على أننا مركز الكون وتمادي بنا الغرور الى إعتقاد أن الأرض لم تُخلق إلا لنا، ثم تباعد بنا التعالي فزعمنا أن السماء لم تخلق سوى إرضاءً لأعيننا، حتى أن الشمس بعظمتها قد خُلقت فقط لإنارة الكون، ولكن ليس حبًا في الكون وإنما طمعًا في عفونا. ثم لم نعط أي اهتمامٍ لكل تلك المخلوقات الأخرى مهما عَظُم حجمها أو تَضاءل. فهي كلها قد خُلقت لنستخدمها ليس إلا، وكأنها ليست لها حياةً تحياها ككل فردٍ منا. ثم إنه إن دنى طيرٌ أو طرحت نبتةٌ في مُلك يزعمه أحدنا ولا دخل لنا أو إرادةٍ في تحريكها يُهيء لنا أن النبتة قد فعلت ذلك مع سبق الإصرار والترصد حبًا فينا، أما الأسماك فهي قابعةٌ في المياه بانتظار أيادينا الكريمة لالتقاطها وتناولها وتداولها هنا وهناك. فاعتقدنا أن فصول السنة والليل والنهار والجبال والأنهار والشمس والقمر والنجوم وكل كائن حي سوانا قد خلق فقط لإضفاء السرور والبهجة على حيواتنا. فاغتر كل منا معتقدًا ذلك الاعتقاد الأزلي أنه هو سيد الخلائق. خُلق على صورته ليكون السيد الذي يقدم له الجميع فروض الطاعة والتحية على الأرض. فكان هذا الكبر والغرور سببًا في إختلاف الرأي والمبادئ التي أدت أحيانا لإندلاع حروب وإزهاق أرواح لا حصر لها، دون سبب يذكر سوى أننا إختلفنا.. لكن ليس هذا هو الجانب الوحيد الذي نختلف فيه، فاختلافنا هو جزء أساسي من تكويننا.

 

كلنا بشر
كلنا بشر نتشابه في المُسمى العام أو في الشكل بدرجات متفاوتةٍ، لكننا لا يمكن أن نتساوى في أي شيء. كن واثقًا أنه لا يتذكر أحدٌ منك سوى مظهرك وبصمة صوتك وجزء من عطرك المميز؛ وذلك لأننا كائنات يلفتها المظهر والروائح. ولا يتطابق أو يتساوى أي منا مع الآخر في أي شيء. فلكل منا بصمة إصبع مختلفة وبصمة عين مختلفة وبصمة صوت لا تتشابه مع أحد، حتى أن الصبغات الدموية والجينات لا يمكن أن تتطابق بين أي شخصين على وجه البسيطة. فتفاوتنا في الذكاء والفراسة، كما تفاوتنا في لون الجلد والطول والقصر والنحافة والسِمنه، حتى أننا تفاوتنا في كثافة الشعر وطول الأصابع وفي الجمال ومضاده. ثم بعد ذلك تفاوتنا في المنصب والجاه في القوة والضعف، في الغنى والفقر وفي الحاجة والاحتياج. مما أدى بطبيعة الحال للتفاوت في الآمال والأحلام والأمنتيات… وهذه هي الثروة الشخصية! ثروة خاصة لا يمكن لأحدٍ أن يشاركك أو يشابهك فيها مهما حاول أو اجتهد. فيمكن أن ينتقل بعضها إلى أبنائك بحكم العلاقات الفيزيائية، لكن لا يمكن أن تُنقل كاملةً دون نقصان، فكل منا نسخةٌ أصلية فريدة من نفسه لا يمكن أن تتكرر وهذا من عظمة الخالق عز وجل. فالمبدأ الأساسي في الحياة هو عدم المساواة فيما يُعرف بمبدأ التفاضل والتفاوت..لكنك ستزداد تعجبًا عندما تعرف أن هذا لا يعتمد أو يقتصر علينا نحن البشر فقط، وإنما في كل من الحيوان والنبات وحتى الجماد بالمثل. فكل حيوان وكل نبتةٍ وكل ذرة تراب تسبح في الهواء تختلف عن بعضها اختلافًا جينيًا وجسديًا وروحيًا، فلا يجمعها سوى المسمى العام فقط. فسبحان من خلق فسوى.

ولعلك تساءلت يومًا لماذا خلقنا الله متفاوتين في الغنى والفقر والقوة والضعف؟ على سبيل المثال لا الحصر… نظرًا لمناقشة الشائع.
خلقنا سبحانه وتعالى على درجات وبتفاوت ملحوظ أحيانًا وآخر غير ملحوظ لحكمةٍ يعلمها تبارك وتعالى. لا يمكننا أن نطلع عليها بالكلية، لكن يمكننا أن نتدبر بعضها في قول الله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (32) سورة الزخرف.
من خلال تلك الآيات الكريمة ستدرك بعضًا من تلك الحكمة الإلهية، وهي أننا لم نتساو لنساعد ونحتاج لبعضنا البعض وليعاون كل منا الآخر. ليرى الله ما سيكون من الغني تجاه الفقير، وما الذي سيكون من القوي تجاه الضعيف. وهل لصاحب الجاه أن يتواضع في معاملة المحتاج حبًا في الله أم لا؟ ولو أننا تشابهنا في كل شيء، ولم نتفاوت أبدًا لما احتجنا لبعضنا البعض على الإطلاق.

فلك أن تتخيل أننا جميعًا على نفس القدر من الثراء وعلى نفس المستوى من العلم والذكاء والقوة ونبرة الصوت ونحمل نفس الجينات والشكل واللون وغيرها! فهل سنحتاج إلى بعضنا؟ لا أعتقد ذلك؛ لأننا حينها سنصبح نسخة واحدة متطابقة في كل شيء، لا تَميز إطلاقًا. لا شيء على الإطلاق سوى حياة رتيبة مملة، حياة بلا معنى أو هدف. وهذا ينبهنا بأنه ليس كل اختلاف شر، وإنما في هذه الحال، وكل حال معنى إلهي.

فإن ساعد الغني الفقير آمن بأن هناك من هو أغنى منه وأن القوة والعظمة ليست إلا من الله أعطاه الله إياها ليرى ما سيفعل بها. فالدنيا ماهي إلا إختبار وخيار لكل منا لنختار فيها مانريد أن نظهر أنفسنا عليه. فالدنيا هي المحنة التي يجب أن نتعرف على أنفسنا من خلالها، فحتى وإن انتهت الدنيا وتغير المقام وفني الزمن وأعيد ترتيب الأرواح والأنفس أيقنا جميعًا أن الله هو العدل وأننا مهما تعالينا فنحن في الأسفل لا نملك ولم نملك شيئًا. وأن كل من تفاضل بشيء اختبر فيه وبه ليرى الله ما سيصنع بما تفاضل به على غيره. ونقطة التركيز هي ألا تعتقد أبدًا أنك قد رُزقت ما رزقت على عِلمٍ عندك أو كفاءةٍ منك، وإنما هو تفضلًا من الله عليك. وانظر إلى من كان قبلك من سلاطين وملوك ملكوا الدنيا شمالًا وجنوبًا مشرقًا ومغربًا ثم لم يخرجوا منها بشيء. فالكل من الله وإليه مهما طال الوقت ومهما عظم المقام أو مهما تمادى الكبر والغرور، وكما يقول الدكتور مصطفى محمود رحمه الله : نحن مُجرد مَخلوقات تُولد وتَعيش وتَموت على هِبة ٍمحدودة من الخالق الذي أوجدها. ولو كنّا نملك أنفسنا حقيقةً لما كان هناك موت، ولكن الموت هو الذي يفضح القصة، وهو الذي يكشف لنا أن ما كنّا نملكه لم نكن نملكه، وأننا نعيش على سُلفة. وأن السنوات التي نعيشها هي مجرد قرضٌ محدود لا طاقة لنا في تمديده.

لو أدركنا هذه الحقيقة ما حزّنا وما تكبّرنا وما تقَاتلنا على زائل. فالمُلتقى الحق عند من يُنادي يومئذٍ يا أهل الجنة خلودٌ بلا موت فلا ملك ولا عظمة ولا سلطان إلا له. فالمبدأ أنه وحتى انتهاء الدنيا أن يظل هناك الأعلى والأدنى وأن يستمر التفاوت. حتى أنه في العالم الآخر سيبقى التفاضل. ففي الجنة منازل ودرجات كما أن في الجحيم ونعوذ بالله منها أدراك وطبقات. ففي الدنيا مازال المقام متاحًا للإستحقار والتعالي والغرور، لكن ليس في الآخرة شيء من هذا القبيل. فلن ينزل كل منا إلا منزلته الحقة، ولن يجلس إلا مجلسه الذي عمل من أجله. ولأننا لن نستوعب المعني الحق من تفاوتنا في الخلق بعقولنا البشرية تلك، فقد ضاق المقام أمام حكمته الإلهية سبحانه وتعالى. فلا ملك ولا ملكوت إلا له، اليوم وكل يوم وحتى اليوم الذي ينادي فيه تبارك وتعالى سائلًا لمن الملك اليوم؟ فلا مجيب… فيجيب سبحانه قائلًا لله الواحد القهار. فأسأل الله لنا ولكم تواضعًا يزيد ولا يتقلص، وإيمانًا وحبًا في الله يبلغ عنان السماء دون أن تشوبه شائبة. دُمتم في معية الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد