يعرف العالم اليوم ثورة تكنولوجية ومعلوماتية، تتمثل في تدفق هائل للمعلومات عبر قنوات التواصل الرقمي. يواكب هذه الثورة فوضى رقمية تتمثل في الاستعمال المفرط وغير المعقلن للحلول الرقمية، سواء من قبل الدول والمؤسسات، أو من قبل الأفراد، بشكل لا يراعي مبادئ التنمية المستدامة، الشيء الذي يدعو إلى مراجعة الأهداف المرجوة من بعض استعمالات الرقمنة والتحول الرقمي.

تتبنى غالبية الإدارات والمؤسسات سواء العمومية أو الخاصة، استراتيجية التحول الرقمي لخدماتها، وتعده ضرورة تستوجبها المرحلة الحالية التي تتميز بتطور سريع وغير مسبوق لتكنولوجيا الإعلام والاتصال، وتتحجج هذه المؤسسات بسرعة الحلول الرقمية وقلة كلفتها، لكن هل تعد الخدمات الرقمية غير مكلفة مقارنة مع الخدمات البشرية والخدمات التقليدية؟ إذا كانت هذه الحلول غير مكلفة ماديًّا، ما قيمة كلفتها الاجتماعية؟

إن عدم ضبط استعمال الحلول الرقمية أو الإفراط في استعمالها، سيؤدي إلى ما يمكن تسميته بالفوضى الرقمية؛ إذ إن المهن والخدمات التقليدية ومع قدمها وتطورها أصبحت لها قوانين وضوابط تحكمها، سواء عن طريق العرف أو التشريع، غير أن التطور الرقمي الحالي خلط جميع الأوراق وأصبح أي شخص يمكنه القيام بأي عمل لا يتطلب إلا امتلاك المهارات التقنية والمعلوماتية اللازمة، خصوصًا أنه أصبح بإمكان أي فرد امتلاك الأجهزة الإلكترونية ذات الوظائف المتطورة، والبرامج المعلوماتية المعقدة بأقل تكلفة، بل يمكنه أن يتكون في جميع المعارف التي يرغب فيها عن طريق بعض مواقع التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة ومجانًا، كما أن المحفزات والمكاسب المادية التي يجنيها هؤلاء الأشخاص من أنشطتهم في المجال الرقمي تشجعهم على الاستمرار والبحث عن مصادر تمويل جديدة، وإن كانت غير قانونية. وقد تفشت هذه الظاهرة من خلال تطور صناعة المحتوى الإعلامي الذي كان يقتصر على إنتاجات وسائل الإعلام التقليدية، وكان الكل مجرد متلقين ومستهلكين لهذه الانتاجات، لكن في يومنا هذا أصبح كل صاحب هاتف ذكي هو مشروع صانع محتوى ومؤثر مجتمعي، قد يساهم مستقبلًا في حدوث تغيير كبير على مستوى العالم، يشبه الى حد كبير ما يسمى تأثير الفراشة أو نظرية الفوضى التي تبسط في مثال أن رفرفة فراشة في الصين قد يترتب عنها فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو أفريقيا.

إن الرقمنة التي تدعو لها جل الشركات التجارية والتي تتحجج فيها بتقليص النفقات وتسهيل الخدمات على المستهلكين، قد يكون لها في المستقبل المتوسط والبعيد نتائج سلبية على المجتمع وعلى اقتصاد الدول الحاضنة لهذه الشركات. فالدولة في تعريفها هي مجموعة من الأفراد المستقرين في إقليم، أو نطاق جغرافي محدد، يخضع لسلطة صاحبة السيادة، المكلفة بتحقيق مصالح المجموعة ملتزمة في ذلك بمبادئ القانون الذي جرى التوافق عليه عن طريق عقد اجتماعي، وعليه فالشعب هو أول مكون من مكونات الدولة، ومصالحه الاقتصادية والاجتماعية تأتي قبل كل اعتبار، والرقمنة التي لا تخدم هذه المصالح وتعتبر الشعب مجرد زبون ومستهلك للخدمات، وتنافسه في عمله وقوته اليومي لن تحقق من النتائج إلا الفوضى والدمار الاقتصادي والاجتماعي، وستجد بعض الدول، التي غرقت في الفوضى الرقمية، نفسها مستقبلًا أمام جحافل من العاطلين الذين سيطالبونها بتوفير شروط العيش البسيطة من عمل وأكل وشرب، كما انه قد تتوقف مستقبلًا الحركة والأنشطة البشرية على سطح الأرض، بمجرد عطل كهربائي، أو نفاد طاقي ، وعندها لن تجد من البشر من هو مؤهل لأي عمل يدوي وعندها قد ننتقل إلى عصر ما بعد الرقمنة، أو العصر الذهبي للنشاط اليدوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد