في زماننا الرقمي صار الوصول إلى القمر ممكنًا حتى وأنت على مقعدك الريشي تحتسي كوبًا من القهوة السمراء برائحتها الزكية، بات عليك لِزامًا أن تغوص في بحار هذا العالم الرقمي، فإما أن تخرج غانمًا وتسبر من أغواره أو تغرق في وحله وأضراره. 

عجيب هذا الزمان، كنت أراه قبل أعوام أنه ضرب من ضروب الخيال العلمي لا أكثر، ولكنه أصبح واقعًا ممكنًا في زمان تسارع فيه كل شيء حتى نبضات قلوبنا ومشاعرنا! قبل أعوام ليست بالبعيدة عنا كنا نحن الفتيات نحلم بحذاء زجاجي كالذي حصلت عليه سندريلا، وكان الزجاج في قدمها أعجوبة، أما الآن فقد لزم سندريلا أن تحلم معنا.

نعم في زمان تقاربت فيه الأسواق، وأصبح المرء منا قادرًا على زيارة أي مكان بين ليلة وضحاها، زمن تحول كل شيء فيه سهلًا يسيرًا، زمن صار أشبه بالعقل الإلكتروني الذي خلى من حس الحياة، وأصبح مثل جسد آلي يمتلك الكثير والمثير، ولكنه يفتقر إلى شفافية الروح ولطفها.

ولكن.. أي حيرة تؤرقني، وأي قلق يساورني، كلما شرعت بالولوج إلى خفايا هذا العالم، فهذا زمان الحضارة، زمان السهل الممتنع، أليس من الممتع أن نحظى بكل ما نتمنى بطرفة عين؟

كثيرًا ما أتساءل، هل حقا فرض علينا هذا الكم المهول من مواقع التواصل والزخم المعلوماتي الممتع الخانق بحكم التطور الحضاري الذي غزا العالم، أم نحن من أدمناه وفرضناه على أنفسنا، وأصبح واجبًا على ساكني هذا العالم مسايرته، إما بحسابات حقيقية، أو وهمية لمواكبة مستجدات العصر.

هل هذا العالم يسير فعلًا نحو التقدم المنشود، أم هو واقع في ورطة الفوضى الرقمية، هذه الفوضى التي شغلت حيزًا كبيرًا من الأوقات حتى وصل إدمانها حد الثمالة.

هذه الفوضى التي انتهت لمرحلة أشبه بالغسيل المباشر، أو غير المباشر لبعض الأدمغة البشرية، نتج عنها الكثير من الأمراض النفسية والاجتماعية والتي أودت بحياة الكثير، وأخص بها الفئة الحساسة وهي فئة المراهقين.

الوهم الإلكتروني كثيرًا ما يجذبنا ونعتقد أنه الواقع، ولكن في الحقيقة هو جزء من الواقع فقط ليس إلا، فليس كل من خاض في بحر هذه الوسائل سيخضعها للعمل الواقعي، أو لخدمة مجتمعية أو دينية بحتة، فلكل هدفه ومأربه وطموحه من هذا المضمار، و الذي أراه أشبه بسباق ماراثوني للفوز بجائزة.

وعلى الرغم من كل هذا الثراء المعلوماتي والفكري، والفوائد التي لا تعد ولا تحصى في هذا العالم المهول العميق، إلا أنني آثرت الحديث عن أمور خفية جلية، وخصوصًا لمن هم أهل النظر الثاقب، فلا تخفى على عين الملاحِظ مخاطر هذا العالم ومزالقه والتي لا ينجو منها إلا القلة القليلة، فما دام هذا الواقع مفروض علينا وجب علينا سرد بعض المخاطر التي يحويها، وعلى الرغم من الوعي بها إلا أن الكثير لا يزال ينزلق في مسالكها الوعرة.

مصيبة الواقع الإلكتروني الافتراضي هو تحليل المضامين المبثوثة للجمهور الإلكتروني وإسقاطها على واقع الأشخاص، وهذا فيه من الظلم والإجحاف بحق الكثير من الكتاب، وبحكم امتلاك الكاتب لبعض من الخيال العقلي فهو من أشد القادرين على بث المضامين الحياتية للجمهور الإلكتروني بشيء من الواقعية لجعلها أكثر قربًا لقلوب القراء.

ومن أكبر المشاكل التي تواجه فئة كبيرة من مستخدمي وسائل التواصل هو أن الغالبية منهم يعطونها الميثاقية العمياء في النقل. ولعل ما يجب أن يُفهم وخصوصًا للأجيال الأصغر سنًا، هو أن هذا العالم وهمي وأشبه بالخيال، فليس كل ما يكتب أو ينقل بالضرورة هو ضرب من الواقع الخاص بالناقل، بل يمكن أن يكون مجرد نقل لتجارب خارجيه أو محيطية للكاتب.

عالمنا الرقمي ياسادة عالم عميق، فمن لم يحسن استخدامه سيتحول حتمًا فيه إلى ضحية غريق، ففي هذا العالم أصبح كل شيء محسوبًا ومسجلًا لاستعادته عند الحاجه، لقد حولنا هذا العالم إلى بشر أشبه بالجسد الآلي، والذي أضحت فيه المشاعر باهته رقمية رغم صدقها في كثير من الأحايين، ففي خضم التسارع الزمني المهول تناست البشرية اللقاءات الروحانية والتي تحمل من الألفة ما تتساقط أمامه الحروف والكلمات وركنت إلى أزرار هواتفها النقالة إما لتواصل بناء أو هدام.

هل حقًا جفت ينابيع المشاعر الإنسانية الجياشة إلى هذا الحد وركنت إلى حروف وأزرار، هل فعلًا أصبحت جُل لقاءاتنا العائلية والحياتية «فيسبوكيًة» و«تويترية» أو «واتسابيًة» و«إنستجراميًة»؟

وهل سنعيش قدمًا في هذه الحياة كافتراضين في كل شيء، أم أننا سننجو بأنفسنا؟

على الرغم من جمال هذا العالم، إلا أنني أراه وفي مضمونه قد يصور الأفراد وفي بعض الأوقات بشكل قد يخلو من العدل إلى حد ما، فيقاس الفرد منا إما بمعيار الانفتاح الزائد أو التشدد المقيت، وفي النهاية يصير كمتهم ويتلحف ثوبا غير الذي هو عليه في الواقع، وكل هذا يحدث بسبب اللجوء إلى الظنون الذاتيه والتي قد تخلو حقيقة من الكثير منها.

هذا الانفتاح الإلكتروني الذي حصل في الأعوام الأخيرة رغم عظمته إلا أنه أفقدنا الحماسة تجاه الكثير من الأمور وكسر فينا معايير الدهشة من أسرار الحياة، فغدا كل شيء عاديًا في نظرنا، وخلا التنافس عند إيجاد المعلومة من الحماسة.

نعم لقد خلت هذه الحماسةٌ حتى من أبسط مقومات الحياة والتي كانت تبث في مشاعرنا البهجة وتدغدغ أوراحنا لتنشط وتسعد وتقوى على مجابهة مصاعب الحياة.

كانت رحلات الربيع متعة، وجلسات المساء مع الأهل والأحبة وصل وتسامر تخلو من كل «واي فاي» قاطع للذاتها في كل لحظة، كانت ألعاب «المنوبولي» وغيرها تحكي على أرض الحياة ألف حكاية عن أيام وليال باتت مفقودة في كثير من البيوت.

لقد أصبح أغلبنا مرضى التصفح بلا فائدة ترجى، فضجرت الكثير من العقول وملت وركنت إلى الجمل والكلمات القليلة، ونسي الكثير منا الكتاب والقراءة ورائحة المكتبات، سيقول البعض إن هذا ظلم وإجحاف.

«نحن نقرأ».. أقول نعم.. ولكن في عالم الحساب الرقمي نحن صنف من الأمم التي لا تقرأ. فالاعتماد على المنقولات العشوائية لا تعد علمًا في حد ذاتها، بل هي من الاقتباسات التي لا تعد إلا سطرًا من مضمون علوم الكتاب.

أتمنى أن أعود أعوامًا قليلة لأصلح ما أفسد هذا العالم الرقمي من العالم الحقيقي.

ويطول الحديث ولا ينتهي، فهل استحق هذا الزمان وهذا العالم لقب الشرف أم هو زمن الفوضى الرقمية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد