مقدمة

ربما يظن البعض أن الحديث عن إلغاء العملة الورقية قد فات أوانه، وأننا نعيش في عصر نتعامل من خلاله بالبطاقة البلاستيكية الممغنطة (بطاقات الائتمان والصراف الآلي وغيرها)، إلا أن حديثي عن إلغاء العملات الورقية لن يكن القصد منه إيجاد بديل مساعد وأوسع وأشمل، لكنه سيكون حول إلغاء النقود الورقية بشكل كامل ليتم التعامل بعملة الدولة بشكل إلكتروني كامل.

وربما أيضا من الوهلة الأولى قد يظن البعض أنني سأتحدث عن العملات الرقمية الافتراضية مثل (البيتكوين ورابيل أو إيثريوم)، إلا أن ذلك سيكون خطأ أيضا لأن ما سأتحدث عنه ربما سينهي تداول تلك العملات، أو على الأقل سيساعد في ذلك.

ما أهمية العملة الورقية؟

في البداية يجب أن نعلم ما هي الأهمية لوجود عملة ورقية، وللإجابة على تلك السؤال يجب أن نعود إلى بداية التبادلات التجارية، والتي كانت تتم عبر المقاضية، والمقاضية ببساطة هي أن تأتي بسلعة ما تقوم بإنتاجها، ولتكن (اللحوم) وتأخذ في المقابل سلعة أخرى تحتاج إليها من طرف آخر يقوم هو بإنتاجها، وليكن (البيض)، ومن خلال ذلك تكتمل حاجات الطرفين.

إلا أنه ومع اتساع رقعة التبادل التجاري وكثرة الأنواع واختلاف الاحتياجات أدى ذلك إلى صعوبة نظام المقايضة ولفهم ذلك سنضرب مثلا:

لو افترضنا أن هناك أربعة أشخاص كل منهما ينتج أصناف محددة من السلع وليكن:

(‌أ) ينتج اللبن + اللحم + الجلود،  ويحتاج إلى أرز + لؤلؤ.

(‌ب)  ينتج أرزا + قمحا + ذرة،  ويحتاج إلى بيض + أسماك.

(‌ج)   ينتج بيضا + دجاجا + أوزا،  ويحتاج إلى لبن + ذرة.

(‌د) ينتج أسماكا + لؤلؤا،  ويحتاج إلى قمح + دجاج.

إذن حاجات (أ) لدى (ب) و(د) والعكس ليس صحيحا، فليس لـ(ب) و(د) حاجات لدى (أ). لذلك ليس هناك حل لـ(أ) لمقايضة ما ينتج بما يحتاج إليه، إلا من خلال مقاضية منتجاته مع منتجات (ج)، ومن ثم مقايضة ما يحصل عليه من (ج) مع (ب) و(د).

وهنا نجد أن نظام المقايضة أصبح ذات مراحل متسلسلة تستهلك الكثير من الوقت والمجهود والأعباء، لذلك تحول نظام المقايضة إلى استخدام العملات المعدنية كالذهب والفضة، وتحديدا الذهب، حيث تم استخدامه كأصل احتياطي لدى البنوك المركزية فيما بعد، إلا أن ومع مرور الوقت وزيادة السكان وتوسع التجارة عجز الذهب على أن يوفي بالاحتياجات، فلك أن تتخيل ووفقا إلى مؤسسة (GFMS)، فإن حجم الذهب في كل العالم حوالي 171.3 ألف طن أي حوالي 5.5 مليار أوقية وبسعر اليوم للأوقية 1310 دولار سيتضح أن قيمة تلك الذهب هي 7.21 تريليون دولار، وتلك القيمة لا تساوي متوسط حجم التجارة العالمي لعام 2016، والذي بلغ 15.88 تريليون دولار أي حوالي الضعف، إذن إن ظللنا نعتمد على الذهب، وحسب ربما كان حجم تجارتنا العالمية أصبح نصف ما نتبادله الآن!

لذلك كان لابد من إيجاد طريقة أخرى لاستمرار التوسع التجاري، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، لذلك كانت العملات الورقية هي الطريق الأمثل لتلك المهمة، سواء بشكل دولي بالاتفاق على أصل احتياطي كالدولار، أو محلي بصناعة كل دولة لعملتها الخاصة؛ مما أدى إلى تحقيق التوسع في التبادل التجاري، بالإضافة إلى قياس القيمة الاقتصادية للسلع والخدمات، واستطاعت أي فرد الادخار عبر الزمن.

سلبيات العملة الورقية

كانت تلك إيجابيات العملة الورقية  إذن ما سلبياتُها؟

في الحقيقة إن سلبيات العملة الورقية تتفاقم كل يوم أكثر من الآخر، ويظهر ذلك الأثر على الفرد بشكل خاص والدولة بشكل عام.

أول تلك الآثار السلبية للعملة الورقية هو ما يسمى بالتضخم، فالتضخم وكما نعلم هو أن تصبح وحدة نقدية ما أقل من قيمتها في وقت ما، فبعد أن تصبح في يوم لديها القدرة على شراء 1000 جرام من الحليب على سبيل المثال، نجدها بعد فترة لا تستطيع شراء 800 جرام من ذات المنتج!

أي أنه ربما إن حاولت ادخارها ستقل قيمتها عبر الزمن؛ مما يشكل ضغط أكبر على العملة حيث سيحاول العامة التخلص منها، سواء بادخار عملة أخرى أو معدن كالذهب أو حتى شراء منتجات وسلع بكميات متفاقمة لكي يستفيدوا بالسعر المرتفع لها في الوقت الحالي، وتلك العوامل جميعها تؤثر بالسلب على العملة فتنخفض قيمتها أكثر وأكثر وفقا لقانون العرض والطلب.

أما الأثر الثاني فيأتي في عدم مراقبتها بشكل كافي مما قد يدعم استغلالها في عمليات مشبوهة كتجارة السلاح أو المخدرات أو الآثار والرشا وشراء السلع المهربة… إلخ.

فالعملة التي تراعيها دولة ما لا تراقب عمليات تداولها بين الناس، إلا لو تمت عبر وسيط مالي كالبنك والبريد والهيئات المختلفة، وحتى تلك الوسائط ربما يتلاعب عليها من قبل بعض الأشخاص، فتتم عبرها عمليات مشبوهة، دون أن يدري القائمون عليها!

إذن يتبقى السؤال وهو: كان لدينا نظام مقايضة، ومن ثم أصل احتياطي، وهو الذهب، فقابلتنا معضلة التوسع التجاري والمرونة، فتحولنا إلى العملة الورقية؛ فواجهتنا سلبياتها، من تضخم، والاستخدام في العمليات المشبوهة، إذن ما الحل؟!

العملة الرقمية والربط بباركود تحركي للسلع والخدمات.

أ) ملخص الفكرة

1 – إلغاء العملة الورقية تماما.

2 – إنتاج جهاز إلكتروني شبيه بأجهزة صرف التموين في مصر، ويمكن استعاضته بالهاتف، لكنه من الأفضل أن يكون جهاز منفصلا تماما عن عمليات شبكية أخرى غير تبادل الأموال لمنع أو تقليل حجم الاختراقات.

3 – إلحاق باركود بجميع السلع والخدمات لا يتم تغييره منذ استيراد السلعة أو تصنيعها، بما في ذلك الأراضي والمنشآت والمعادن الثمينة.

4 إنشاء هيئات مساعدة لتولي تسجيل المقتنيات والممتلكات للأشخاص كل حسب نوعه، فمثلا الشهر العقاري والأحياء وهيئة المساحة متخصص في المباني والأراضي، إنشاء هيئة للذهب للمقتنيات الذهبية وهكذا.

ب) آلية عمل الفكرة

1 – اتجاه الأشخاص إلى البنك المركزي لإنشاء حساب إلكتروني لا يتم تغييره أو إصدار أكثر منه كالرقم القومي، ويتم إيداع أمواله الورقية ليتم إبدالها بعملة رقمية.

2 – اتجاه الأشخاص الذي لديهم مقتنيات كالذهب والمباني والأراضي… إلخ إلى الهيئة التابع إليها المقتنى كالشهر العقاري وغيرها والحصول على أرقام باركودية لمقتنياتهم لكي يتاح إليهم مبادلتها وبيعها وقتما أرادوا ذلك عبر النظام الجديد.

3 – اتجاه الأشخاص التجاريين (مالك مصنع أو مستورد أو مزارع) إلى الهيئة المنوطة بعمله والحصول على أرقام باركودية تسلسلية للمنتج الواحد وفقا للكم الذي يحتاجه.

4 – تسجيل المكاتب والأماكن الخدمية كالمحامين والمحاسبين والمستشفيات عبر النظام وربط كل منهم بنظام متابعة ورقابة لكي لا يتم استخدامهم كوسيط مالي للعمليات المشبوهة، فعلى سبيل المثال يتم ربط باركود توكيل القضايا المستخرج من الشهر العقاري بملف القضية ورقم المحضر ومن ثم بالمبلغ المدفوع.

5 – ربط الأماكن ذات القيمة السعرية الثابتة لفترة كبيرة (محطة وقود أو مترو أو أتوبيس… إلخ) بتطبيق في الهاتف أو مكان ممغنط في الجهاز الذي سيتم إنتاجه للتعامل السلس في تلك الأماكن.

ج – الشروط الواجب توافرها عند تطبيق النظام

1 – منع تداول العملات الورقية للدول الأخرى، ويتم تداولها عبر ذات النظام بنفس مسماها لكي لا يتم استخدامها بديلا  للنظام.

2 – تحويل الأموال بين شخص وأخر يكون بشرط من أحد الثلاث شروط الآتية:

  • إتمام عملية بيع، أي أن لو (أ) أرسل أموال إلى (ب) لا يتم التحويل إلا بإدخال باركود المنتج.
  • في حال إن لم يكن هناك عملية بيع وأراد شخص تحويل أموال إلى أخر (كأب إلى ابنه) يتم تلك التحويل بشرط أن يكون في حدود دنيا وقصوى للتحويلات اليومية والشهرية لا تتخطى قيمة إجمالية معينة ولا عدد مرات معينة، وبشرط أن تكن هناك صلة سواء قرابة أو جيران.
  • في حال أراد شخص التنازل عن مبلغ مالي بدون عملية بيع ويتعدى شروط التحويل، يتم التنازل أمام هيئات قضائية متخصصة.

كل تلك الشروط ما هي إلا حفاظا على عمليات غسيل الأموال، والعمليات المشبوهة، وعمليات التنازل عن الأموال لمنع تنفيذ الأحكام المدنية أو الميراث… إلخ.

3 – كل عملية تتم عبر الجهاز تحتاج إلى بصمة الإصبع، لكي لا يتم العبث بالأموال في حال ضياع الجهاز.

د – إيجابيات الفكرة

1 – دقة وسرعة وانخفاض تكلفة الإحصاءات

  • حيث يمكن من خلال ذلك النظام الإلكتروني مراقبة عملية البيع والشراء والإنتاج في الأسواق والمناطق بشكل لحظي ودقيق، وعليه تحديد الأماكن الجغرافية والكثافة الاستهلاكية والفئات العمرية، مما يساعد في تحسين الخدمات كمنتج أو دولة، بالإضافة إلى توفير أموال طائلة التي يتم صرفها على الإحصاءات التي تتم عبر سنوات وبطرق العينات العشوائية.

2 – السيطرة على عمليات التهريب والتجاريات الممنوعة والسوق السوداء

  • فعلى سبيل المثال سيجد تجار المخدرات، وخاصةً الجزئيين، صعوبة وسلسلة معقدة وكبيرة لكي يستطيع احدهم تبديل سلعته (المخدرات) مقابل المال.
  • وأيضا المرتشي لا يستطيع إدخال أموال بأحجام ملحوظة لحسابه، حتى وإن أراد استلام الرشوة بضاعة أو ذهب سيفقد فيما بعد قدرته على بيعها مقابل المال.

3 – التحصيل الفوري لأي غرامات أو أحكام تنفيذية، سواء بالنفقة أو الغرامات المالية.

4 – التأثير اللحظي من البنك المركزي على معدلات الركود والتضخم في الأسواق.

5 – تشجيع البنوك والتجار والبائعين على الإقراض والتقسيط نظرا لضمان استرداد المال.

6- السيطرة على الهاربين من الأحكام القضائية من خلال إيقاف التعامل المالي بهم.

7 – زيادة إيرادات الدولة ومنع التهرب الضريبي.

  • من خلال دخول كافة أطیاف الشعب في الاقتصاد الرسمي والذي يقدر حجمهم في مصر بحوالي 2 تريليون جنيه سنويا أي إيرادات تفوق 300 مليار جنيه كل عام، فلن يستطيع أحد التهرب الضريبي بعد ذلك لأنه سيسجل عبر النظام المالي التابع للدولة.

8 – منع أي أنشطة غير مصرح بها أو مزاولات مهنية غير مرخصة، كالدروس الخصوصية وغيرها.

في النهاية ربما يشعر البعض أن الحديث عن تحول الدول نحو العملة الرقمية سابق لأوانه أو محال! إلا أن الحقيقة هي أن التحول نحو عملة رقمية تحت رعاية دولية تأخر كثيراً للدرجة التي اتجه الأفراد من تلقاء أنفسهم إلى صنع ذلك؛ مما أثر وسيؤثر على الاقتصاد بوجه عام، لنجد ذات يوم أنه لا حل إلا فكرة سخرنا منها يوما وتعجبنا، وفي النهاية قومناها بكل السياسات النقدية والأمنية والإرشادية، ولم يفلح فاتخذناها سبيلا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات