الصراع الإلكتروني

عرفت الإنسانیة عبر تاریخها الطویل، وسائل عدة لتسویة المنازعات بالطرق السلمیة، إذ لم تكن الحرب الوسیلة الوحیدة لفض المنازعات بین الدول والشعوب، على الرغم من أن التاریخ یعطینا صورة قاتمة عن الصراعات والحروب التي خاضها الإنسان ضد أخیه الإنسان، فإن البشریة والحضارات القدیمة وجدت العدید من الوسائل التي سعت من خلالها إلى تفادي الحرب، وتسویة الخلافات عن طریق المفاوضات، وعقد الاتفاقیات؛ أي بطرق دبلوماسیة.

عرفت الدبلوماسیة على أنها «فن التفاوض»؛ لأنها تعد عملیة تقوم على تعزیز العلاقات وتقويتها، وتأمین المصالح بین أطراف معینة، وتطورت الدبلوماسیة عبر القرون الماضیة، ومع تطورها اختلفت أسالیبها ووسائلها باختلاف الحضارات التي مرت سابقًا.

إن كلمة دبلوماسیة (Diplomacy) مشتقة من الكلمة الیونانیة «Diploma»، وكانت هذه الكلمة آنذاك تطلق على جزء من الوثائق الرسمیة، التي كانت تصدر عن الرؤساء السیاسیین، في المدن التي كان یتكون منها المجتمع الیوناني القدیم، التي تُمنح إلى أشخاص بموجبها فیترتب لهم امتیازات خاصة، ومع مرور الزمن اتسع مفهوم كلمة «دبلوما» بحیث أصبح یشمل الوثائق الرسمیة، والأوراق، والمعاهدات، واستُخدم موظفون للعمل في تبویب هذه الوثائق، وحل رموزها وحفظها، وأطلق علیهم اسم أمناء المحفوظات، وظل اصطلاح كلمة دبلوماسیة ولفترة طویلة یقتصر على دراسة المحفوظات والمعاهدات، والإلمام بتاریخ العلاقات بین الدول، وهكذا فإن لفظ دبلوماسیة لم یستعمل لكي یشیر إلى العمل الذي یشمل توجیه العلاقات الدولیة، إلا في أواخر القرن الخامس عشر.

أما الدبلوماسية الإلكترونية (Digital Diplomacy/ E-Diplomacy) فيمكن تعريفها بأنها استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة من أجل تحقيق الأهداف الدبلوماسية. وهي مكملة لعمل الدبلوماسية التقليدية، من خلال استخدام التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي، خلال القرن الواحد والعشرين. ويمكن تعريفها أيضًا على أنها «عملية توظيف الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال الحديثة للتواصل مع جمهور خارجي؛ بهدف خلق بيئة تمكين للسياسة الخارجية لبلد ما».

ولقد أضافت الدبلوماسية الرقمية أنماطًا جديدة على الدبلوماسية لتشمل تعامل الحكومة مع الناس (Gov to People) والناس مع الحكومة (People to Gov)، وتختلف الدبلوماسية الرقمية عن الدبلوماسية التقليدية، في كون هذه الأخيرة يقتصر تعاملها على التعامل الرسمي بين الحكومات (Face to Face /Gov to Gov).

ومن ناحية أخرى فهي تحول تكنولوجي يستلزم تطوير الدبلوماسيين للمهارات الرقمية يمتد من معرفة خوارزميات الوسائط الاجتماعية إلى كتابة برامج الكمبيوتر وتطبيقات الهاتف الذكي. وعمومًا، فالدبلوماسية الرقمية مفهوم حديث للغاية، ولها تاريخ قصير.

كيف أصبحت الدبلوماسية الرقمية ما هي عليه اليوم؟

كانت البداية في منتصف القرن الماضي، حينما أسس أيزنهاور في عام 1953 وكالة المعلومات الأمريكية (U.S INFORMATION SERVICE)، وتخصصت بالعمليات الدبلوماسية الشعبية الأمريكية، 1978 غيَّر الرئيس كارتر العنوان إلى هيئة الاتصال الدولي (INTERNATIONAL COMMUNICATION AGENCY)، ثم في عهد ريغان 1982 أعيدت التسمية إلى الوكالة الأمريكية للمعلومات (U.S INFORMATION AGENCY) .

و في عام 1984، جرى أول تحليل حول الدبلوماسية العامة في «عالم محوسب». كتبه ألن س. هانسن، في كتاب «الدبلوماسية العامة في عصر الكمبيوتر»، الذي يستكشف الدبلوماسية العامة التي تمارسها وكالة معلومات الولايات المتحدة.

وفي 1994، كان أول تبادل رسمي للبريد الإلكتروني بين رؤساء الحكومات: كارل بيلت وبيل كلينتون. وكان في الخامس من فبراير (شباط) 1994.

وفي 2004، تأسس «فيسبوك» ليصبح بعد عدة سنوات أهم منصة إلكترونية في العالم.

وفي 2005 :بدأ تشغيل «يوتيوب» مباشرة، إذ تم تأسيس موقع الفيديو الأكثر شهرة عبر الإنترنت في العالم من قبل موظفي «باي بال» السابقين، تشاد هيرلي، وستيف تشن، وجاويد كريم. وفي سبتمبر (أيلول) 2005، حصل على أول مقطع فيديو له مليون مشاهدة، وأطلق رسميًّا في ديسمبر (كانون الأول) 2005.

في 2006: ظهر «تويتر» وظهرت «ويكيليكس»، وأطلق فكرة «تويتر» جاك دورسي، وكانت عن منصة اتصالات قائمة على الرسائل القصيرة، لتصبح لاحقًا أفضل موقع تدوين مصغر، والأداة الأكثر فائدة في الدبلوماسية الرقمية.

وباعتبار الولايات المتحدة الامريكية القطب الأقوى في العالم؛ فهي أكثر الدول توظيفًا لوسائل الاتصال في العمل الدبلوماسي. وذلك لوجود عدة مظاهر من بينها أن وزارة الخارجية الأمريكية تشغل إمبراطورية إعلامية دولية بـ194 حساب على «تويتر»، وتغرد  بسبع لغات، وتستخدم أكثر من 200 صفحة على «فيسبوك»، وفقًا لتقديرات وزارة الخارجية، فموظفوها على اتصال مباشر بأكثر من 15 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم.

وتعتمد الولايات المتحدة الأمريكية على ما يسمى مكاتب الوجود الافتراضي، ووظيفتها الرئيسية هي الإجابة عن تساؤلات المواطنين. وأحد أمثلة السفارات الافتراضية هي السفارة الافتراضية للولايات المتحدة في إيران (ir.usembassy.gov)، والتي افتتحت في ديسمبر 2011؛ إذ قطعت الولايات المتحدة علاقاتها مع إيران عام 1979 على إثر أزمة اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، واحتجاز موظفيها رهائن لمدة 444 يومًا.

و لا يمكننا أن  نذكر الولايات المتحدة الأمريكية من دون ذكر المنافس الأول روسيا؛ فقد استطاعت روسيا أن تسلك التيار نفسه وتتجه نحو زيادة تطورها، وأن تتحكم في تقنيات الدبلوماسية الرقمية بشكل أفضل.

فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه يعد الدبلوماسية الرقمية من أهم أدوات السياسة الخارجية الأكثر فعالية في الوقت نفسه، وحث بوتين الدبلوماسيين الروس على استخدام التقنيات الجديدة بشكل أكثر كثافة عبر منصات متعددة، بما في ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي.

إن أحد الأهداف المركزية لفلاديمير بوتين هي إعادة وضع روسيا لاعبًا رئيسيًّا في حقل العلاقات الدولية، بالإضافة إلى ذلك، أصدر بوتين أمرًا تنفيذيًّا بشأن تدابير السياسة الخارجية للاتحاد الروسي التي تهدف إلى وضع سياسة خارجية متماسكة.

ويبرز على السطح مؤخرًا مصطلح «الحرب الباردة الجديدة»، وقد جاء في عدة مراجع لوصف العلاقات الأمريكية الروسية، خاصة العلاقات في الفضاء الرقمي،  وهذا جاء نتيجة للتدخل الفاضح لموسكو في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، التي تشير معطياتها إلى أن روسيا تمكنت من قرصنة أعداد معتبرة من صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي، واخترقتها، وتقول مصادر إن هدفها الأساسي كان التلاعب بانطباعات وقرارات الناخبين الأمريكيين من الحزب الديمقراطي، ودفعهم لعدم المشاركة في الانتخابات والتصويت أصلًا، مما دعا إلى توقع أن هذا التدخل الروسي ساهم بطريقة غير مباشرة بفوز المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية، دونالد ترامب.

ومن الأمثلة الأخرى على الهجوم الأمريكي الإلكتروني، حين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالهجوم على نظام الدفاع الجوي الصربي سنة 1998 لاختراقه بهدف تسهيل قصف أهداف صربية، وكذلك هجوم آخر، يعتقد أن مصدره روسيا، استهدف إستونيا سنة 2007، وأدى إلى تعطيل كافة مواقع الويب الحكومية والخاصة، ووسائل الإعلام عبر البلاد.

وفي كل الحالات المذكورة سابقًا، فإن هذا العالم الافتراضي وما يضمه من مواقع تواصل اجتماعي  وشركات إلكترونية أصبح أمرًا واقعًا في عالمنا ولا يمكننا تجاهله، وأصبح يتدخل في حياتنا اليومية، ويؤثر في الدول وعلاقاتها الخارجية السياسية والتجارية، ولعل من أهم المؤشرات على قوة التقنيات الرقمية، هو حجم التجارة الإلكترونية العالمية، الذي بلغ 23 تريليون دولار في عام 2016.

في الأخير يمكننا القول إن الدبلوماسية الرقمية بكل إيجابياتها وسلبياتها، أضحت اليوم واقعًا معاشًا ومفروضًا علينا. ولا بد أن المستقبل يحمل في طيّاته العديد من التغيرات التي ستطرأ على العلاقات الدولية، خاصة أننا أمام تشكل عالم رقمي ستتغير فيه الأساليب والمفاهيم الكلاسيكية إلى أخرى جديدة أكثر تكيفًا مع منطق الثورة الرقمية، وأكثر تكيفًا مع المفاهيم التقنية والمتغيرات الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد