اعتمدت العديد من دول العالم الدبلوماسية الرقمية أو دبلوماسية العنكبوت كما يسميها البعض كامتداد للدبلوماسية بمفهومها التقليدي، حيث سخرت الولايات المتحدة الأمريكية الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال الحديثة، بعد أحداث الحادي العاشر من سبتمبر (أيلول) للتواصل مع الآخرين سواء على المستوى الدولي أو الداخلي، أين تستطيع التحكم في الشعوب دون إذن من حكامها.

وقد خصصت المرشحة السابقة لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية كلينتون جزءا كاملا من كتابها «خيارات صعبة» للحديث عن الدبلوماسية الرقمية بشكل مطول ومفصل وعن مدى أهميتها في عالم السياسة اليوم معتبرة إياها أحد مفاتيح التحكم في القرن الواحد والعشرين. وقد عبرت الدنمرك مؤخرا عن نيتها إرسال سفراء لدى شركات مثل غوغل وفيسبوك وتويتر ومايكروسوفت التي أضحت تملك مخزونا هائلا من الأرقام والإحصائيات والمعلومات الشخصية لكن من على البسيطة، ويأتي ذلك في ظل التسابق الدولي نحو السيطرة على العالم الافتراضي الذي أضحى الجهاز العصبي المركزي للعالم.

مشروع التطبيع الرقمي لإسرائيل

تعتبر إسرائيل من الرائدين في مجال الدبلوسية الرقمية في العالم حاليا، حيث تنظم العديد من المؤتمرات والدورات حول هذا الموضوع في العديد من الجامعات وبحضور ممثلين عن دول أخرى وصحفيين وقادة رأي، ولكن قبل 10 سنوات لم يكن لإسرائيل أي علاقة مع المواطن العربي، فمنذ بداية ثورات ما يسمى بالربيع العربي بدأ العدو بالعمل على هذا المخطط عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي خاصة، التي أثبتت تأثيرها الكبير على الشباب العربي وتأثيرها السريع على الرأي العام الدولي والداخلي.

وفي هذا السياق، انشأت وزارة خارجية الاحتلال قسما ضخما تابعا لمبنى الوزارة ولجهاز الاستخبارات الاسرائيلية «أمان»،تحت مسمى «قسم الدبلوماسية الرقمية» الذي تأسس سنة 2011، ويعمل بهذا القسم موظفون ومستشارون من الوزارة كما تم استقطاب العديد من طلبة الجامعات تطوعا، أو مقابل إعفاءات من بعض الرسوم الجامعية وذلك حتى تتسع رقعة الانتشار أكثر فأكثر. إما عن طريقة تدريبهم، فعلى العلن، يتم نشرها ودعوة الناس لحضورها كل ذلك من أجل تحسين فرص التطبيع وتبييض صورة إسرائيل واختراق العمق العربي وتلويث فكر الشباب العربي وتوجيهه نحو الابتعاد عن القضية الأم «فلسطين».

أساليب عمل إسرائيل على مشروع التطبيع الرقمي

تنشر إسرائيل عبر العالم الافتراضي عدة رسائل بعدة أساليب يعتمدها فريق العمل بذلك القسم الذي يتواصل مع الشباب العربي عبر عدة حسابات حيث يتم تزويده بالصور والنشرات والتعليقات والمعلومات عن دولة إسرائيل، ولكن هذه الرسائل لم يتم تصميمها بشكل عشوائي، وإنما بحرفية عالية جدا، حيث تعتمد على علم الهندسة الاجتماعية الذي يعنى بتغيير قناعات الشعوب تدريجيا من خلال دراسة خصائصها النفسية وتقديم محتوى إعلامي مقبول لديها.

وتنطلق إسرائيل في دعايتها الضخمة من عدة رسائل أهمها:

إسرائيل دولة سلام

لا يتوانى قادة إسرائيل للحظة واحدة في تقديم التهاني والتبريكات في كل عيد من أعياد العرب، حيث يحاولون كسر الصورة النمطية عن طريق صور جديدة لإسرائيل، وعن طريق تصدير الجانب المزهر لإسرائيل، فهم يعرضون رسائل لطيفة ومحبوبة وبسيطة في القضايا الثقافية مثل نشر طريقة طهي طعام مشترك، موسيقى شرقية يغنيها صهاينة، نجاح الأقليات في إسرائيل مثل المسلمين المتواجدين في أراضي 48 وتصويرهم على أنهم يعيشون حياة هنيئة.

إسرائيل صديقتكم وتدعمكم

تستغل إسرائيل الكارثة السورية بشكل خاص لإثبات صحة هذه الرسالة، فبينما يقصف النظام السوري معارضيه معتبرا نفسه يقاوم إسرائيل، ينشر افيخاي أدرعي (المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي) عشرات مقاطع الفيديو لمساعدة جيشه للجرحى السوريين، الذي يجعل البعض من النشطاء والحقوقيين يبرر التطبيع مع الكيان بحجة الهروب من الحرب وجرائم بشار الأسد أو داعش.

عدونا مشترك

استغلت إسرائيل تصنيف مصر والإمارات والسعودية لحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين بأنها جماعة إرهابية لإثبات مقولة «بما أن لدينا أعداء مشتركون فنحن أصدقاء».

نحن أصحاب الأرض

يرد مشرفو الصفحات الإسرائيلية والذين يمثلون الدولة على تعليقات الشباب العربي (غير المطلع بعمق على تاريخه) بحقائق تاريخية (حول جذور اليهود وتاريخهم) مصدق عليها من قبل الأمم المتحدة والتي لا يستطيعون تكذيبها أو مناقشتها لقلة وعيهم، كما يستشهدون بآيات من القران بطريقة مغلوطة ومزيفة فيستغلون اختلاف السياقات التاريخية والسياسية لمعاني الآيات، ويجعلون أنفسهم أئمة بطريقة جد احترافية على الشباب العربي غير الدارس للإسلام.

 تجاوب الشباب العربي مع هذا المخطط

لإسرائيل عدة صفحات رسمية وغير رسمية بأكثر من 20 لغة، تعمل من خلالها لتحقيق التطبيع الرقمي، ومن أبرز هذه الصفحات الموجهة نحو الشعوب العربية «صفحة إسرائيل تتكلم العربية»، صفحة «أفيخاي أدرعي»، صفحة
«المنسق» (رئيس وحدة تنسيق أعمال الحكمة بالمناطق)، صفحة «رئيس الوزراء الإسرائيلي»، شخصيا بدأت بالعمل على هذا التحقيق، من خلال هذه الصفحات، فكمية التفاعل ومدى استقطابها للشباب العربي كبيرين جدا.

وتعمل هذه الصفحات بشكل مكثف على تسويق ونشر الدعاية الإسرائيلية لكسب العرب عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعادة ما تنشر  نفس الكلام وبنفس الطرق التي عادة ما تقوم على مبدأ الجذب الثلاثي (1) والذي يعد من أهم ركائز نجاح الدعاية السياسية.

حسابات مزورة / تجنيد العملاء

خلال تحقيقي في هذا الموضوع وجدت العديد من الحسابات المزورة والوهمية التي يتم استعمالها سواء للرد على التعليقات المسيئة، أو للحديث مع الشباب العربي، أين يكون الحوار دون وساطة أو رقابة.

وجدت حسابات إسرائيلية وعربية وهمية حيث يضعون صورًا لأناس عاديين من دول أجنبية أخرى ويقومون بالتواصل مع الشباب العربي على أنهم أشخاص حقيقيون. كما أنني وجدت الكثير منها مترابطا وذلك حتى تصنع حالة من التواصل الاجتماعي بين بعضهم في الوقت الذي يحاولون فيه الوصول لشخص ما حقيقي من أجل خداعه والإيقاع به كعميل. نعم أخي القارئ تجنيد العملاء عبر الإنترنت، أنا لا أمزح، فمن خلال هذه الحسابات تم تجنيد العديد من العملاء الإيرانيين والفلسطينيين.

وقد حذرت المقاومة كثيرا من هذا الموضوع فقد أطاحت بالعديد من العملاء المتواجدين في غزة والذين تم تجنيدهم بهذه الطريقة. ويتم ذلك عبر عدة أساليب أهمها ابتزازهم بصورهم الجنسية التي يتم إرسالها عبر الفيسبوك لنساء كان يظن الكثير من الشباب أنهن نساء عاديات، ولكنهم عميلات لدى الموساد. كما أن هذا الأخير، رمى مؤخرا بكل شباكه في العالم الافتراضي،فقد صمم موقعا خاصا لتجنيد العملاء حول العالم عبر الانترنت ويقول نتانياهو ان هدف الموقع هو تسهيل عملية الوصول الى الموساد وتجنيد أكبر عدد ممكن من العملاء.

تحقق إسرائيل نجاحات غير مسبوقة في مجال تجنيد العملاء واستقطاب الشباب العربي وكسب أكثر تعاطف من الشعوب العربية وذلك بعد إرساء قنوات حوار مع الشعوب من خلال مواقع التواصل، فقد أضحى تعداد متابعي الصفحات الإسرائيلية بالملايين من العرب الذي يمثل خطورة على وعي الجيل القادم وعلى التاريخ والأرض.

(1) مبدأ الجذب الثلاثي:

تؤثر الدعاية السياسية بطرق ثلاث:

1 – بالتحريض على أعمال وآراء تبدو منطقية وحكيمة.

2- باقتراح أعمال وآراء تقوم على الحق والعدل.

3- إعطاء شعور بالرضا نظرا لأنها تشعر السامع بأهميته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد