تزامنًا مع رقمنة آليات الاقتصاد العالمي، تطور ميكانيزم التداولات المالية الدولية، ليتجاوز العالم بذلك العملات التقليدية وتحل محلها ما أصبح يصطلح عليه في مجال المال والأعمال بالعملات الافتراضية أو الرقمية أو الإلكترونية أو بما يعرف بالأنجلوساكسونية بـDigital currency وأهم هذه العملات هي ما يلي: BITCOIN،ETHEREUM,RIPPLE,CARDANO,LITECOIN,NEM,IOTA,STELLAR,DASH,EOS,TRON , VECHAIN,VERGE,BINANCE COIN, MONERO OMISEGO,SIACOIN، والتي تحظى بمتابعة  كبيرة من طرف صندوق مراقبة تحول العملات «بوليشن كابيتال» فعلى الرغم من حداثتها، إلا أن هذا السوق الافتراضي شهد منافسة حامية الوطيس ومن الممكن أن يكون المستثمرون أنفسهم والمتعاملون بها أحد أبرز الضحايا.

خلال طرحنا هذا سنتحدث عن هذه الظاهرة العالمية، وسنركز أكثر على إحدى هذه العملات المتمثلة في BITCOIN وما صاحبه دوليًا من مستجدات، نظرًا لأن هذه العملة تشهد إقبالًا ملحوظًا منذ النشأة الأولى عام 2008، بل تجاوز نموها ما كان متوقعًا، حيث نجد اليوم دولًا عظمى تعترف بهذا النوع من التداولات في حين نجد دولًا أخرى ترفض رفضًا تامًا أي ممارسة بها، إذن كي لا نطيل الحديث  في التحليلات النظرية سنطرح بعض الإشكالات لنجيب عنها بشكل بسيط ومفهوم للعامية:

ما هي عملة البيتكوين؟

ما أهم الخاصيات التي تتميز بها مقارنة بالعملات التقليدية كاليورو والدولار؟

ما مكانة البيتكوين داخل الاقتصاديات الصاعدة كمثال المغرب؟

ما مكانة البيتكوين داخل المنظومة الاقتصادية الدولية؟

أولًا: البيتكوين.. وخاصياته الكبرى

 

1- الظهور الأول لعملة البيتكوين

ظهر البيتكوين لأول مرة سنة 2009، حيث شكل ورقة علمية لأحد البحوث التي قادها ساتوشي ناكاموتو، حيث يسرد فيها أن البيتكوين عبارة عن نظام نقدي متكامل داخل عالم الديجيتال، يرتكز على مبدأ الند للند، والمغزى من هذه الطفرة في مجال المعاملات المالية الدولية هو تغير وجه الاقتصاد العالمي التقليدي، صاحب الفكرة ساتوشي لم يعرف بعد، رغم محاولة العديد من الأشخاص انتحال شخصيته ونسب العمل لهم، لكن هنالك تقارير تتحدث على أن رجل الأعمال الأسترالي كريغ ستيفن رايت هو نفسه ساتوشي ناكاموتو، وهو الاسم المستعار لمؤسس عملة بيتكوين (Bitcoin) الرقمية.

2- خاصيات عملة البيتكوين

عملة لا مركزية: بمعنى أنها لا تخضع لأي مؤسسة مالية فهي نظام نقدي بين طرفين اثنين بدون وجود أي وسيط بينهما، حيث تمر العمليات في سلاسة متناهية في غياب تام للوسطاء.

سرية المعلومات: التعامل بالبيتكوين يعتبر ملاذًا للمدافعين عن الخصوصيات الفردية، حيث إنها لا تضمن انتقال بيانات الأشخاص خلال عملية معينة، وهذا ما يبحث عنه تجار المخدرات والبضائع غير المشروعة بصفة عامة.

التشفير والتوقيع الإلكتروني: المعاملات المالية التي تتم عن طريق البيتكوين هي عمليات وهمية إلكترونية ترتكز على التوقيع الإلكتروني بين المعاملين، أضف لذلك غياب الرسوم الخاصة التي تفرض على المعاملات المالية البنكية.

3- القيمة المالية للبيتكوين

عمومًا سعر عملة البيتكوين غير مستقر ويخضع لتقلبات غير قابلة الرصد نظرًا لخصوصيته الإلكترونية، تشير بعض الأرقام أن سعر هذه العملة يتجاوز 11 ألف دولار، وبلغ سعره 8197.80 دولارًا على بورصة «بيتستامب» في لوكسمبورغ، ويحتاج تعدين البيتكوين لطاقة كهربائية كبيرة لإنتاجه وهذا ما يضخم سعره بصفة عامة.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن سعر البيتكوين يرتفع وينخفض حسب الأوضاع السياسية الدولية، وهنا نسرد على سبيل المثال لا الحصر، الانتخابات الأمريكية وجلوس دونالد ترامب على عرش البيت الأبيض، أضف على ذلك قرار  التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هذه العوامل أدت لانخفاض قيمة البيتكوين لحوالي 6 آلاف دولار.

من جهة أخرى كلنا نعرف ما أعقب الأزمة الاقتصادية-المالية في اليونان عام 2015 حيث لهث المواطنون حول شراء البيتكوين أملًا في الحفاظ على ثرواتهم وممتلكاتهم من الضياع، هذا إن دل على شيء فإنما يبرز الدور الحيوي الذي أصبحت تحظى به هذه العملة الإلكترونية.

ثانيًا: البيتكوين.. آلية يرفضها الاقتصاد المغربي

أضحى عدد كبير من المغاربة أشخاصًا ذاتيين ومعنويين يتعاملون فيما بينهم بالعملة الإلكترونية «Bitcoin» في مختلف عملياتهم المالية، لكن هنالك عدة عوائق تحول دون رقمنة العمليات الاقتصادية بالمغرب نسرد منها الأهم في ما يلي:

1-  مكتب الصرف يتبنى أطروحة الرفض

يعتبر مكتب الصرف مؤسسة عمومية تمارس نشاطها تحت إشراف وزارة الاقتصاد والمالية، وتتولى اتخاذ جميع التدابير المتعلقة بتقنين ومراقبة الصرف وتوفير الإحصائيات الخاصة بالمبادلات التجارية الخارجية وميزان الأداءات، إذن خاصيته المراقبة والتقنين ومراعاة لذلك حذر المكتب من التعامل بالبيتكوين في المغرب لأن ذلك لا يتوافق مع القوانين والقرارات الجاري بها العمل في هذا الصدد، وقد يؤدي ذلك إلى عقوبات وخيمة كما هو منصوص عليه.

مكتب الصرف وفي أحد بياناته يشدد على أن أي تعامل مالي مع العالم الخارجي يجب أن يتم عن طريق الأبناك المعتمدة بالمغرب وبواسطة العملات الأجنبية المعتمدة من طرف البنك المركزي المغربي (اليورو، الدولار…)، حيث يتبنى مكتب الصرف أطروحة أن البـيتكوين تبقى عملة وهمية لا وجود لجهات رسمية تسيرها كما أن المتعاملين بها يبقون مجهولي الهوية وبالتالي فغياب الوسيط في المبادلات المالية يعتبر أمرًا خطيرًا على المتعاملين بها؛ لكونها نقودًا افتراضية لا تتبناها الجهات الرسمية، ويبقى دائمًا أصحابها الأصليون مجهولي الهوية.

2- تدخل البنك  المركزي المغربي

بنك المغرب، مكتب الصرف، والتجمع المهني لبنوك المغرب، وضعوا أرضية للتعاون فيما يخص مراقبة العملات الافتراضية على الديجيتال خصوصًا عملة البيتكوين، هذا التنسيق الثلاثي سيجعل الرقابة صارمة على المعاملات المالية الخارجية، رغم قلق العديد من الجهات حول هذه الخطوة الاحترازية التي تقيد نمط التداول بالبيتكوين في السوق الخارجية.

3- عرقلة اللوبي البنكي المغربي

في نفس الصدد ترفض البنوك المغربية المجتمعة تحت لواء التجمع المهني للبنوك المغربية (GPBM) أي معاملات مالية بالبيتكوين مع الخارج، لأن هذا يضر بمصالحها نوعًا ما، حيث تشير بعض الآراء إلى أن ذلك يؤثر في دورها الحيوي كوسيط التداولات المالية الخارجية.

4- وزارة الاقتصاد والمالية تقول لا للبيتكوين

كشفت وزارة الاقتصاد والمالية عن تزايد كبير في عدد المغاربة المستعملين للبيتكوين في التداولات المالية والتجارية، حيث إن ذلك كان سببًا في انهيار عدة معاملات مالية.

 وفي بيان مشترك صادر عن وزارة المالية المغربية والمركز المغربي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، أكد على مخاطر التداولات بهذه العملة الإلكترونية نظرًا لغياب حماية العميل الذي يتعامل بـ«البيتكوين»، بالإضافة لغياب الإطار القانوني المنظم لها في حالة حدوث خسائر عن طريق تعطل منصات التبادل مثلًا، أضف إلى ذلك مخاطر خروج الدوفيز (العملة الصعبة) من أرض الوطن وانهيار الدرهم مستقبلًا.

تدخل مكتب الصرف، بنك المغرب، البنوك، هيئة سوق الرساميل، وزارة الاقتصاد والمالية كل هذه العوامل إن دلت على شيء فإنما تدل على احتراز الدولة المغربية من البيتكوين باعتباره خطرًا يهدد الاقتصاد الوطني في إطاره الشمولي.

ثالثًا: البيتكوين.. مكانة مميزة داخل الاقتصاد الدولي

1- اعتراف أمريكا وألمانيا

على المستوى الدولي هنالك دول كبرى تعترف بالبيتكوين كعملة قائمة بذاتها، أهمها ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك رجع لقيمة اقتصادهما، بل إن الحكومة الألمانية شجعت على التعامل به وعدم فرض ضرائب مباشرة على الأرباح التي يجنيها المتداولون بها، أشخاصًا ذاتيين كانوا أو معنويين، لكن في المقابل نجد دولًا أخرى تحظر استخدامها كالصين وروسيا، وفي هذا الإطار، عقدت الصين جلسات مع رواد البيتكوين لدراسة مشاريع التعاون مستقبلًا.

2- المتاجر الإلكترونية

على شبكة الإنترنت حيث ينشط التبضع والتسوق نجد منصات رائدة قد اعتمدت البيتكوين وسيلةً للأداء في عملياتها التجارية، مثل متجر مايكروسوفت، وجوجل، وباي بال، وأمازون ومنصات أخرى، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على قيمة هذه العملة الإلكترونية.

3- دعم الشركات الكبرى

وجدت عملة البيتكوين ترحيبًا كبيرًا من طرف العديد من شركات التكنولوجيا الدولية والتي دعمت انتشارها مثل العملاق الأمريكي Google وYahoo حيث قامت الشركتان سنة 2014 بإضافة ميزة جديدة إلى خدمتيهما الماليتين «جوجل فينانس» و«ياهو فينانس» والغرض من هذه الخطوة هو توفير قاعدة بيانية للمستخدمين  من أجل الاطلاع على قيمة العملة الرقمية «بيتكوين» Bitcoin مقابل بقية العملات الأجنبية.

من جهة أخرى قامت Microsoft في فبراير 2014 بإضافة ميزة إلى محرك البحث Bing تتيح للمتداولين الاستعلام عن قيمة عملة «بيتكوين» مقارنة بنحو 50 عملة عالمية، هذا وقد قامت شركة Intel أيضًا بتطوير أنظمة إلكترونية من شأنها تسهيل عملية التداول بالبيتكوين.

رابعًا: مستقبل البيتكوين بالمغرب

1- المنافسة الحرة

 إذا كانت الدول المتقدمة قد تركت حرية التعامل بالبيتكوين فلعلمها أن هذا النوع الجديد من المعاملات المالية من شأنه أن يعطي دفعة للمالية بصفة عامة، نظرًا لأنها تخلق التنافسية مع النظام البنكي التقليدي.

2- عملة المستقبل 

عملة بيتكوين هي عملة المستقبل بامتياز خصوصًا مع رقمنة الاقتصاد الدولي خصوصًا أنها غير قابلة للتتبع أو المراقبة وهذه خاصية إيجابية من الناحية المتعلقة بالخصوصية الفردية وبالتالي على المغرب تقبل الأمر وتقنين التعامل بها.

3- مسايرة التطور 

البيتكوين عملة افتراضية تغزو العالم اليوم خصوصًا مع احتضانها من طرف كبريات الشركات الدولية، وبالتالي على المغرب إعادة التفكير في منع التداول به، بل عليه توفير أرضية قانونية للتعامل به.

4- لا وجود للمصاريف

جميع تعاملات البيتكوين تسجل وتتم افتراضيًا على الشبكات العامة دون أي تدخل من طرف البنوك المركزية أو البنوك التجارية وبالتالي، لا يوجد هناك أي تكاليف أو عمولات على هذه التعاملات، حتى بالنسبة للتحويلات العالمية. هذا يحسن من الأرباح التجارية للمتداولين.

خلال طرحنا هذا، حاولنا ما أمكن تسليط الضوء على هذه العملة الافتراضية، عملة البيتكوين التي ظهرت أول مرة باليابان عام 2008، أملًا في خلق نظام مالي جديد يقوم مقام التداولات التقليدية، بعد ذلك تحدثنا عن أهم القرارات التي يتبناها المغرب والتي ترفض رفضًا باتًا أي تعامل بهذه العملة، بل إن مكتب الصرف ذهب لوضع عقوبات زجرية في حالة التداول بها، لكن المثير للاهتمام أنه على المستوى الدولي، نجد إقبالًا كبيرًا على هذه العملة الافتراضية خصوصًا مع اعتراف اقتصاديات كبرى على غرار أمريكا وألمانيا، بل إن شركات عالمية كبرى كجوجل وياهو ومايكروسوفت وفرت أرضية لتسهيل التداول بها، لأنها عملة المستقبل.

العديد من المغاربة يأملون في أن تضع الدولة قواعد تنظم هذه العملة من أجل ترك المجال لممارستها في التداولات التجارية خصوصًا مع رقمنة الاقتصاد الدولي، العالم يتحول اليوم ويجب مواكبة التحول من أجل اللحاق بركب الدول المتقدمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك