السمعة في البيئة الافتراضية (الانترنت) انعكاس للسمعة في البيئة الواقعية

فتحت التقنيات الرقمية الحديثة الباب على مصراعيه لمن يريد النفاذ إلى البيئة الافتراضية (الإنترنت) بكل يسر وسهولة، فضلًا عن أنها سهلت للجمهور، سواء المتعلم، وغير المتعلم، إمكانية إنشاء منصات رقمية ذات طابع شخصي بحت من حيث الشكل والمضمون أو منصات تشاركية يشترك في إنتاج محتواها أكثر من فرد، هذه العوامل وفرت للمستخدمين (الجمهور) إمكانية التواجد في البيئة الافتراضية، وخلق كيان ذاتي لكل واحد منهم، فالتواجد يقصد به أن يكون الفرد موجود من خلال النصوص، أو الصور، أو الفيديوهات، وغير ذلك من المحتوى الرقمي، والذي يخلق بالنتيجة كيان الشخص، ويعكس للمستخدمين الآخرين سمعته وسلوكه وميوله وتوجهاته في هذه البيئة الافتراضية، إلا أن السؤال الذي يُطرح، وينبغي الإجابة عليه، هو: هل يدرك المستخدمون، وأقصد بهم المتواجدين في البيئة الافتراضية الإنترنت (الجمهور)، إن سمعتهم في هذه البيئة انعكاس لسمعتهم وكيانهم في البيئة الواقعية المعاشة؟ والجواب يكمن في شقين، الأول أن معظم الناس يدركون هذا، وهم الأكثر تعليمًا وثقافة، في حين أن القسم الثاني لا يدرك، وأحيانًا لا يعترف أصلًا، بهذا الطرح، فعند الحديث عن الأكثر تعليمًا وثقافة من الجمهور، نجد أن أساتذة الجامعات على سبيل المثال، لو تتبعت منصاتهم الرقمية أن المحتوى الذي ينشرونه يعبر في الغالب عن تخصصاتهم العلمية، وسياق عملهم الأكاديمي، مع قليل من المحتوى الذي يعبر عن اتجاهاتهم وميولهم الشخصية، في حين نجد الأقل تعليمًا من الجمهور، وهم في العادة عامة الناس والسواد الأعظم منهم، ينشر ويشارك ويجادل بغير إدراك لخطورة هذا الأمر، وكأنه يعيش منفصلًا عن هذه البيئة، بالرغم من أنه في الأصل متواجد فيها، إذا لم نبالغ بشكل يومي أو دائم.

والمتابع لمنصات الأشخاص الأقل تعليمًا، يجد أن أغلب المحتوى المنشور يعبر عن الإسفاف أحيانًا بدون أي هدف محدد، وعن رغبات ذلك الشخص الذاتية، حتى لو كانت غير لائقة أو خادشة للذوق العام؛ إذ إن بعضهم لا يتورع في نشرها أو مشاركتها الآخرين، ولنأخذ مثالًا أن شخصًا ما يحب الأكل، فبمجرد تتبعه أو الدخول إلى حساباته نرى أغلب المحتوى المنشور فيها عن الأكل، ناهيك عن التعليقات غير اللائقة التي يتركها هنا وهناك، وهي بالتالي تعبر عن توجهات تلك الشخصية التي ربما يخفيها عن الآخرين في العالم الواقعي المعاش، فإن لم تتمكن من اصطيادها ومعرفتها في البيئة الواقعية، فستتمكن حتمًا من ذلك في البيئة الافتراضية (الإنترنت).

ما أود التنبيه إليه، وهو ما دفعني إلى كتابة هذا المقال، أنه على كل فرد يريد ترك أثر إيجابي لسمعته وتحسين صورته في البيئة الافتراضية، ينبغي عليه أن يكون مواطنًا رقميًا، يشارك ويتصفح ويتواجد في هذا الفضاء الرقمي، متسلح بالأخلاق والتربية الحميدة، وينشر ويشارك المحتوى الهادف المنضبط، لتكون سمعته الرقمية حسنة، كما هي في الواقع، ويجعل الصفات الحميدة مرافقة له خلال تواجده في بيئة الإنترنت، وأن يترك أثرًا طيبًا يعبر عن أخلاقه وقيمه الاجتماعية، ويجعل من التفكير الناقد سلاحًا له في التفاعل، وأن لا تأخذه أية ردة فعل عاطفية، وأن لا يتجاوز حدود اللياقة في الحوار، وهنالك حقيقة أخرى يجب إدراكها، وهي أن الإنترنت ذو طبيعة فيروسية من حيث سرعة انتشار ما نضعه فيه، فبمجرد تركنا لأي محتوى، سواء كان نصًا، أو صورة أو فيديو في البيئة الافتراضية، يخرج عن إطار تحكمنا وملكيتنا، فربما يقوم أحدهم بمشاركته أو نسخه أو ما إلى ذلك، إذًا علينا السير متسلحين بالمبدأ الآتي: إن السمعة في البيئة الافتراضية (الإنترنت) انعكاس للسمعة في البيئة الواقعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد