خلق الله عزّ وجل الأرض وقدّر فيها الحياة للبشريّة ضمن ضوابط وقوانين وشرائع تضمن للإنسان أمنه وسلامته بما يُحقق كرامته وإنسانيّته، واعتَنَت هذه الضوابط بأدق التّفاصيل الخاصّة بهذا الإنسان، فاسْتوفت الجانب الروحيّ والفكريّ والسلوكيّ، ووضَعت القوانين التي تحكم طبيعة العلاقة ما بين الأفراد والمجتمعات والدول، واسْتَنَّت الأحكام والتشريعات التي تضمن سير هذه الحياة كما أرادها الخالق عز وجل.

التكنولوجيا والحاجة للانضباط

عاش الإنسان السَّوي على مدى عصورٍ طويلة منصاعًا لهذه القوانين التي نَأتْ به عن فوضويّة الفكر، وهمجيّة السلوك، وحياة الغاب التي كان ينتهجُها الصنف الآخر، فضّمِنت له السلامة والأمن والاستقامة والاستقرار، وأقل قدر من المخاطر والأذى.

وما إن أطلّت علينا التكنولوجيا بكافّة تقنياتها وأدواتها؛ إلّا واستطاعت في فترة وجيزة خلق مجتمع افتراضي لا يُشبه في ملامحه وخصائصه المجتمع الواقعي الذي نعيشه، فبات علينا لزامًا الولوج في هذه التقنيّة والانغماس في دهاليزها لمواكبة هذا التطور الهائل، والتّحدث باللغة التي يفهمها جيل هذا العصر.

فكان من تداعيات وجود هذا المجتمع الافتراضي؛ وجود ضوابط وقوانين أخلاقيّة تحكم جميع المنتسبين إليه عبر ما يُسمى «بالمواطنة الرقميّة».

فما هي المواطنة الرقميّة؟

حقيقةً إنّ أول من تعرّض لاستخدام مصطلح المواطنة الرقمية والمهاجرين الرقميين هو خبير التقنية مارك برينسكي عام 2001.

يقول برينسكي: وُلد المواطنون الرقميّون في ثقافة رقمية، ولم يتمكنوا في أي وقت من حياتهم من التكيّف مع التغير التكنولوجي ذي الحجم الكبير. لقد تغير مفهوم السكان الأصليين منذ أن أصبح شائعًا في عام 2001، لكنه لا يزال يُستخدم حتى اليوم للتمييز بين الأشخاص الذين يكبرون في ثقافة تكنولوجية عن غيرهم.

نستطيع القول إن المواطنة الرقميّة لا يختلف مفهومها إجمالًا عن المواطنة التقليديّة المعروفة؛ إلا في المسائل الفرعية المُستحدثة والخاصة بالتنقنية تحديدًا، فكلاهما يتطلّب الانتماء للمجتمع وتحقيق أهدافه، والالتزام بقوانينه الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وغيرها، وبذلك يصبح للمواطن سواء أكان تقليديًا أم رقميًا؛ حقوقًا مُستحَقَّة وواجبات مفروضة عليه في عين الوقت.

وبحسب الموسوعة السياسيّة؛ فإن المواطنة تُعرّف على أنها المكان الذي يستقرّ فيه الفرد بشكل ثابت داخل الدولة ويحمل جنسيتها، ويكون مشاركًا في الحكم ويخضع للقوانين الصّادرة عنها، ويتمتع بشكل متساو – دون أي نوع من التمييز – مع بقيّة المواطنين بمجموعة من الحقوق، ويلتزم بأداء – مجموعة من الواجبات تجاه الدولة التي ينتمي إليها… إلخ.

أما دائرة المعارف البريطانية فعرّفت المواطنة على أنها العلاقة ما بين فرد ودولة كما يحدّدها قانون تلك الدولة، وبما تتضمّنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة… إلخ.

وبالتّالي فإن المواطنة الرقميّة تبعًا لهذه المفاهيم؛ هي ضوابط وأسس تعامل الأفراد مع المجتمع الإلكتروني بكافة مكوناته، سواء أكانت مادية أو معنوية بطريقة تحفظ أمن وسلامة المستخدمين، وتحقق التنمية الفكرية والتربوية والسلوكية لأفراد هذا المجتمع.

هل لمفهوم المواطنة الرقمية الحديث تأصيل شرعي قديم؟

مع بداية نشأة الدولة الإسلاميّة في المدينة المنورة، احتاج المجتمع الجديد بكل مكوناته وتبايناته العرقيّة والعقديّة والثقافيّة دستورًا يحدد الحقوق والواجبات المفروضة على كل فرد في المجتمع؛ سواء أكان مسلمًا أم غير ذلك، وذلك لضمان العيش ضمن حدود الدولة الإسلامية في أمن وسلام وتعايش سلميّ مع الآخر.

فالبرغم من أنّ مفهوم المواطنة الرقميّة مفهوم حداثي؛ إلا أن جذوره ممتدّة ومستمدّة من فقه وأخلاق ومبادئ وتاريخ التشريع الإسلامي الحنيف؛ الذي ضمن الحقوق وفرض الواجبات على أبناء المجتمع الواحد بغض النظر عن فروقهم الفرديّة.

المواطنة التقليدية والرقمية وجهان لعملة واحدة

ولو بحثنا قليلًا في التراث الإسلامي؛ لَوَجدنا أنّ لمفهوم المواطنة الرقمية تأصيلًا وثيقًا مرتبطًا بقيم إسلامنا، ومبادئ ديننا الحنيف وأخلاقياته وضوابطه، ولألفينا أنها تتلاقى والمواطنة التقليدية إلتقاءً حثيثًا في الأصول فضلًا عن بعض الفروع.

قال تعالى في سورة الحجرات: يا أيّها الناس إنا خلقنانكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، فالتّعارف بين البشر؛ هو أحد السنن الكونيّة التي كتبها الله عز وجل على البشريّة، فبّعد أن كان التّعارف لا يتجلّى إلا بالتواصل الشّخصي؛ أصبح حاصلًا عبر التّقنيات الحديثة والتكنولوجيا المعاصرة من خلال شاشات الهواتف المتحركة والأجهزة الحاسوبية بكبسة زر متجاوزًا الحدود الزمكانية.

ضبط العلاقة وتحديد المعايير

وبولادة هذا المجتمع الافتراضي الجديد؛ أصبحنا بحاجة مُلحّة إلى قوانين تضبط وتحكم طبيعة العلاقة ما بين المُستخدم والعالم الافتراضي، وما بين المستخدمين الافتراضيين أنفسهم؛ في ظل غياب القوانين المُلزمة، وانعدام العقوبات الرادعة لكل ما هو مخالف!

فغدا الغرب مؤخرًا باحثًا عن تقنين مناسبٍ لهذه التكنولوجيا التي باتت تعجّ بالسيولة والفوضى وعدم الانضباط؛ جرّاء تداعياتها وإشكالياتها وسلبياتها الكثيرة؛ مثل اقتحام الخصوصيات والسرقات والغش والخداع وضياع الحقوق والاستخدام غير مسؤول، فلم يجدوا سبيلًا إلى ذلك إلّا باستحداث برامج توعوية وتثقيفية وتعليمية للمستخدمين من خلال منظومة تربوية تُطرح في المؤسسات التعليمة والجامعات بما يحقق أهداف المواطنة الرقمية لهذا العالم الافتراضي.

استدلالات نصيّة من القرآن والسُنّة

وفي المُقابل نجد أنّ المواطنة بمفهومها القديم والحديث والعام والخاص قد أصلّ لها الشارع الإسلامي تأصيلًا حقيقًا، فنجد كثيرًا من النصوص القرآنية والأحاديث النبويّة قد تعرضت لهذه المسألة، من خلال زرع القيم الأخلاقيّة ونشر الخير للحفاظ على بُنية المجتمع متماسكًا ومتواثق الوشائج والصلات، بما يحقق له التعافي من الآفات الفكريّة والسلوكيّة الجسيمة التي نخَرَت عقيدة وسلوك الآخر، ونُجمل فيما يأتي بعض النصوص التي تحدّثت عن هذه القيم والمفاهيم لأصل فكرة المواطنة الرقميّة:

قال تعالى في سورة آل عمران: كُنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

فبإقرار النّص القرآنيّ أنّ الخيريّة في هذه الأمّة منوط بشرطَي الأمر بالمعّروف والنّهي عن المنكر، وذلك بفعل الخير والحث عليه ونبذ الشر والابتعاد عنه، فالخير باق في هذه الأمة ما بقي تمسّكها بهذه القيم.

وقال صلى الله عليه وسلم: إنما بُعِثت لأتمم مكارم الأخلاق، لقد جاء الدّين الإسلامي مُقرًا بالحقوق وفارضًا للواجبات، ومثبتًا للقيم الأخلاقيّة والسلوكيّة كالأمانة والصدق والإحسان والعفو، فنحن كأمة إسلاميّة لا نحتاج لتشريع مدني في ظل شريعة سمحة لم تترك لنا ثغرة إلا وقامت بسدّها، بل بإحكام سدّها وبالحفاظ على سلامتها، وجبرها عند تعرضها لأهون عارض، فهي محفوظة بحفظ سماويّ تعجز عنه طاقات وقدرات وجهود البشرية مجتمعة.

وقال تعالى: يا أيّها النّاس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وتعتبر التّقوى هنا منهجًا قويمًا يعين الفرد على الوفاء بواجباته تجاه الآخر، وتُجنّبه اقتحام الخصوصيات، والوفاء بالعهد وحفظ حقوق الغير بغض النظر عن انتمائه الأيدلوجي والعقدي والعرقي والقومي… إلخ.

وقال تعالى: ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة وفي تفسير عموم الّلفظ هنا التي تشير إليها الآية؛ أجمع العلماء على وجوب حفظ النفس ومقوّمات بناء هذه النفس، سواء أكانت جسديّة من خلال الاهتمام بالصحة، أو فكرية من خلال تغذيتها بكل ما هو مفيد من معلومات وثقافة وعلوم ومعارف وترك ما لا ينفعها، أو روحيّة من خلال اتصالها ببارئها ومصورها.

وقال تعالى في سورة الحجرات: إنما المؤمنون إخوة.

حفظ الشارع الإسلامي حقوق الأخوّة بين المؤمنين، ونمّاها بهذه القاعدة الربانيّة إنما المؤمنون إخوة، وتكريس مفهوم الأخوّة هنا لا يقتصر على أصحاب العقيدة الواحدة، إنما يتعداها إلى الحفاظ على حياة وممتلكات المُعاهد والمُسالم في الإسلام ضمن ضوابط وقواعد الشريعة السّمحة، وهذا المبدأ يشمل المواطنين الرقميّين بعيدًا عن انتماءاتهم وعقائدهم وتصنيفاتهم، فالإسلام يحثنا على التعامل بأخلاق الدّين الحنيف ومبادئه العظيمة، فقد مات الرسول صلى الله عليه وسلم وله درعٌ مرهونة عند يهودي، وكان كفار قريش يضعون أماناتهم عنده صلى الله عليه وسلم، بالرغم من عدم تصديقهم له بالوحي والرسالة؛ فاختلاف العقائد لا يمنعنا التعامل بالقسط والبر والإحسان والصدق والأمانة كما كان يفعل حبيبنا الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامه.

وقال تعالى في سورة البقرة: وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين.

فالبرغم من أن سياق الآيات يأمر بالأمر بالنفقة، وكذا سبب النزول الذي يفيد مقصود البذل والعطاء تحديدًا؛ إلّا أنّ العلماء من المُتقدمين والمتأخرين استدلوا بهذه الآية أيضًا على النهي عن قتل النّفس وإيذائها وإلقائها في التهلكة بأي طريقة كانت، آخذين بعموم لفظ الآية، وبالقياس الجلِي مقرّرين بذلك القاعدة الأصوليّة القائلة: العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

فحفظ النفس البشرية يُعد مقصدًا جوهريًا من مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، لأنّ به تتحقق مصالح الأفراد المَبنيّ عليها مصلحة المجتمع ككل، فأساس صلاح المجتمع هو صلاح وسلامة أفراده واستقامتهم جسديا وسلوكيًا وفكريًا.

وقال عز وجل أيضًا في سورة الحجرات: ولا تجسّسوا ولا يغتبّ بعضكم بعضًا فهو أمرً صريحً بالامتناع عن التجسس وترك مراقبة الناس وترك ما لا يعني المسلم في كل أمر، وهذا ينطبق على مستخدمي وسائل التواصل حيث أصبح التجسس الإلكتروني وما يُسمى بالهاكر أكثر سهولة – مع التكنولوجيا الحديثة – من التجسس كما لو كان واقعيًا.

وحديث: من غشّ فليس منا ونصوص أخرى كثيرة… إلخ.

فتُعدّ هذه الاستدلالات السابقة عن تأصيل مسألة المواطنة الرقميّة جزءًا بسيطًا من جملة استدلالات غير منتهية، وغيضًا من فيض، فمن يتتبّع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يجدها – فضلًا عن مصادر التشريع الأخرى كالإجماع والقياس – لم تدع مسألة تصبُّ في مصلحة البلاد والعباد إلا وتعرّضت لها بالتحرير والتحليل التّأصيل، وبالمعالجة الحكيمة مقدمة الحلول المناسبة للحفاظ على بُنية هذه الأمة وتماسك نسيجها المجتمعي لتحقيق مبدأ النّصر والتّمكين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات