ما الحب؟ الحب هو شعور المرء بالأمان عندما يعلم أن هناك شخصًا في هذا العالم (الكئيب) قد وضعه في مكانة سامية عنده غير قابلة للتحوّل طالما استمر العهد بين الطرفين على نفس بنوده دون تغيير أو تبديل، وليس في الحب بعد الشعور بالأمان شيء، فما أحوج الإنسان إلى أن يشعر أن هناك شخصًا آخر يقبله بعيوبه وأخطائه، وأنه سيتحمل نقائصه، ويحفظ غيابه، ويحتمل غضبه وإرهاقه وتقصيره، فإذا ما أدارت له الدنيا ظهرها وجد فيه العزاء والسلوى، وإن تجمّع العالم ضده وجد فيه الحصن والملجأ، سواء كان رجلا أو امرأة.

الحب شعور بالأمان، حيث يتيح لصاحبه أن يظهر كل ضعفه ويتعرى عن صورة القوي القادر الهازئ بكل خطر ليظهر بكل ضعفه أمام من يحب، ويلقي كل مخاوفه أسفل قدميهما حتى تعلو قامتهما وتلامس أصابعهما صفحة السماء. فإن كان الإنسان قد خُلِقَ في جنة تتيح له الأمان حتى طمع في الملك والخلود، فإنه مذ طُرِدَ منها وهو يبحث عن هذه الجنة المفقودة. فقد كان هناك في أمان من الجوع والعطش، والخوف والزمن، يتمتع بتراقص على الورود على نغمات النسيم، يدور حوله الماء صاعدا وهابطا، وفجأة صار طريدًا.

وصار الحب هو الطريق الأرضي الذي يسير فيه الطريد كي يصل إلى جنته المفقودة. ففي الحب نفس الشعور بالأمان، وتحقيق لملك لا يبلى وأن يكون من الخالدين. لقد وجد في الحب الجنة كما وجد ما بحث عنه فأخرجه من الجنة، فإن أحب صار على الصراط المستقيم، ووجد الوجود كله نغمة متصلة من الأمان والرحمة فلا فرصة لشر، ولا انتصار لشيطان.

ولكن الإنسان مثلما تمرد على جنته سعيا خلف الملك والخلود، فإنه أيضًا تمرد على الحب حيث لم يكتفِ به جنة، ولكنه جعله سُلَّمَا يصعد عليه لتحقيق أغراضه وتعويض نقائصه، فصار الحب فرصة في يد فتاة ترغب في جمع المسبحين بحمدها كي تعلن أن لها قيمة لا تجدها ولا تشعر بها، وصار في يد رجل يريد الحب شبكة صياد خبير يرمي فوقها حبوب العشق لتهوي الحمامات إليها فيجمعها داخل طيات شباكه التي لا تخرجهن إلا كسيرات الجناح والنفس، وصار الحب وسيلة بعدما كان غاية، وما سبق أمثلة لا تحصر الطرق التي أرهقنا فيها الحب ومزقناه معنا كل ممزق ولكنها تشير فقط إلى بعض صور استغلاله لتعويض نقائصنا وتحقيق رغباتنا.

ثم جاء زمن الديجيتال ليقضي على ما تبقى للحب من سطوة، فصار الحب خادمًا لزمن الديجيتال، يبيع ماء وجهه كي يجمع فتاتًا يقيم أوده، وبعد أن كان الحبيب يحتال ويخطط ليلقى محبوبه صار يحصل عليه في كبسة زر بالصوت والصورة، وبعدما كان يأتي بأقلام الحبر والورق الملون المنثور عليه بعض قطرات العطر ليبثه أشواقه في رسالة براءة لمحبوبه، صارت الرسائل إلكترونية جامدة خالية من الشعور والعطور.

بردت الأشواق عندما حلّ الواتساب كبديل عن حاملة الرسالة، وعندما صار الهاتف هو مكان اللقاء بديلا عن صفحة ماء النيل، وعندما صارت الوجوه المبتسمة والحاملة لرموز المشاعر بديلا عن ابتسامة الحبيبة القادرة على بعث حبيبها من جديد، وعندما حلت الأغاني المُعلّبة محل أغاني الحب الرقيقة.

في زمان الديجيتال كل شيء معروض للبيع كسلعة حتى الحب الذي كان دائما ما يفتخر بأن المال غير قادر على شرائه، صار هو الآخر سلعة بل وسلعة كاسدة تحتاج إلى مواسم كي تستعيد رواجها. لذلك عمدت عقلية أصحاب زمان الديجيتال إلى تحويله إلى عيد يتسابق فيه المشترون كي يعلنوا امتلاكهم لسلعة الحب من خلال شراء سلع أخرى من (دباديب حمراء) وزهور حمراء مرشوشة بعطور صناعية سرعان ما تذبل، بل وبالكتابة على أوراق نقدية سرعان ما يفقد المُهدَى إليه صبره حتى يزيحها عن كاهله لشراء المزيد من السلع.

في زمن الديجيتال الحب لا يعرف إلا الزواج (وبالطبع فإن عقلية زمن الديجيتال ستقول أن الحب بدون زواج هو دعوة صريحة للفحشاء، ولكن هذا ما يبدو لهذه العقلية لربطهم بين الحب والجنس باعتبار الحب هو الثمن الذي يجب دفعه للحصول على الجنس، ولكن الحب في حقيقته لا علاقة له بالجنس وإنما على المتحابين الذين لم يوفقوا إلى الزواج أن يكتفوا بالشعور). المهم أن الحب في زمن الديجيتال يحتاج إلى كثير من المال كي تكتب له الفرصة كي يعيش.

وبعد أن كانت مفردات الحب هي الإخلاص والقبول والأمان، صارت هي الشبكة وفستان الزفاف والنيش والأجهزة الكهربائية والسيراميك وربما صافيناز في حفل الزفاف. وإن لم يملك المحبان هذا الثمن اللازم لشراء الحب فما أسهل أن ينتهي كل شيء ليذهب كل فرد باحثا عن فرد آخر يمكنه أن يوفر هذا الثمن اللازم لإعطاء الحب قبلة الحياة ليتمكن من الاستمرار رغم أنه في هذه الحالة يكون منتهيا إكلينيكيا.

من جمال الحب الألم، فلا تقتلوا هذا الألم بسهولة اللقاء والحديث التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة، فالرسالة الورقية لا زال لها قيمة، وأبيات الشعر وأغاني الحب لازال لها رونقها، ومن جمال الحب ألا يتعلق بشرط (عدا شرط الاستمرار على العهد الأول الذي بدأ به) فلا تعلقوه بتكاليف الزواج والعادات الاجتماعية الهالكة المهلكة، والرغبة في الظهور والفخر بالأملاك.

فلنعد إلى هذا الحب الذي هو تعويض للإنسان عن جنة طُرِدَ منها لأجل أطماعه، وهو الساحة الوحيدة التي يتمكن فيها الإنسان من استعادة هذا الشعور بهذه الجنة، والتعبير عن هذا الحنين لأيام كان بلا هموم لا تظلله الحروب والصراعات المادية التي قتلت في الإنسان إنسانيته وجعلته آلة تحرث كل مكسب، وأنيابا تفترس.

الحب هو الطريق الحقيقي إلى الله حيث تصفو روح الإنسان من كدرها، وتمزق كل ستار بينها وبين ربها حتى تصير شفافة فيخترقها نور الله مطهرًا لها من كل عوالقها من مادية وشهوة، فيشعر الإنسان بحريته حيث لم يعد مملوكا لشيء يخاف منه، ولا مالكا لشيء يخاف عليه، فتتعلق عيناه بمنبع الحب الصافي فتغشى رحمته كل شيء حتى يصبح ربانيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد