بَعد حجر استمرَّ ستة أشهر، نعود تدريجيًّا لحياة غير سوية. التّرقب عنوانها، والقلق والخوف عناصرها، ننتظر أتعود الحياة لطبيعتها؟ أمّ سنعود للحجر مرة ثانية. ولسان حالنا يقول: «ماذا فعلت بنا أيُّها الوباء؟! ماذا فعلت أيتها الكورونا؟!

تلويحات من بعيد لاعتماد الدراسة إلكترونية، ونحن الذين قبل الجائحة كنا نتجه تدريجيًّا للتجارة الإلكترونية، ومن قبلها نغرق في التواصل الإلكتروني، ثم بعد الجائحة أصبحت حتى المشاعر إلكترونية، نَتفاعل مع أفراح الذين نعرفهم إلكترونيًّا، ونبادلهم مشاعر العزاء إلكترونيًّا، نتعلم عبر فضاءات الشبكة العنكبوتية، نقرأ من خلالها، نشتري بواساطتها، أصبح الإنسان، الذي قال عنه ابن خلدون إنه «كائن اجتماعي»، أصبح كائنٕا إلكترونيًّا، فهل حقًّا يتجه العالم لرقمنة الكائن البشري؟! هل ندجن تكنولوجيًّا؟! ونفقد الحس الاجتماعي، أيمكن أنْ نصبح نحن البشر رقمًا في سوق الاقتصاد والمال؟

هل استطاع السوق الاقتصادي الإلكتروني أنْ يُضخم جائحة الكورونا ليخرج المستفيد الأكبر، بجعلنا نبدو أرقامًا جديدة في عالم التكنولوجيا، حيث نرتبط بوثاق لا ينفك يُقيدنا ويستنزف أوقاتنا ومواردنا في اتجاه واحد نحو حياة تكنولوجية تقنية؟!

أسئلة كثيرة قد تدور في رأسك في ظل التوجه الكبير نحو ثورة تقنية تأخذ في طريقها كُل مُقدرات الشُّعوب على رأسها، هل حقًّا ساهمت مواقع وشبكات الإنترنت والقائمون عليها في تضخيم الجائحة؟ هل سنسمع بعد أيام من انتهاء الجائحة منظمات أهلية وأفراد يرفعون قضايا لصالح البشرية ضد تلك المواقع أو هذا الفضاء الإلكتروني الواسع؟!

هل حقًّا ستنجح توجهاتنا نحو تقننة التّعليم ورقمنة البَشر، بعيدًا عن اللقاءات الوجاهية؟ هل يصلح للطبيب أنّ يُعالج عبر شبكات الإنترنت؟ هل ينجح في تشخيص المرض وإعطاء الدواء؟ وإن نجح التشخيص والعلاج، كيف يحدث ذلك مع العمليات الجراحية؟ هل نستطيع شراء جميع منتجاتنا التي نحتاج عبر الإنترنت؟ هل حقًّا تنجح رقمية الإنسان وتحويله من كائن اجتماعي لكائن تقني؟

حين تمشي في الشَّارع، تجد كثيرًا من الأشخاص يمشي بجانبك وقد لا يشعر بك؛ لأنّ بيده جهاز فصله عن العالم، حتى تزور البعض قد تجد كل فرد يضع رأسه في هاتفه منفصلًا عن العالم، فهل ساهمت جائحة كورنا التَّعلق الزائد بتلك الأجهزة؟

هل خُدعنا؟!

أم هل  كانت التكنولوجيا قارب النَّجاة في ظل تلك الجائحة؟ أم كما قلت سابقا التكنولوجيا ساهمت في تضخيم الجائحة لتأخذ صدارة الاقتصاد العالمي والاهتمام الشعبوي الاجتماعي، وفي اللحظة التي تُخبرنا فيها بأنَّها تكون مفتاح النَّجاة لكثير من المؤسسات التي أغلقت وتعذر عليها ممارسة مهامها في ظل الجائحة، كانت التكنولوجيا تقول إنَّها البديل؟

هل يتقبل النَّاس فكرة اعتماد التعلم الدائم عن بعد، العمل الدائم عن بعد، الشراء الدائم عن بعد، العلاج الدائم عن بعد، أم أنَّهم أيضًا، يتخذون مرحلة استثنائية لفترة استثنائية ثم تمضي ليعودوا لممارسة أعمالهم على أرض الواقع؟

حين تخرج من حجرك للوهلة الأولى وتبدأ بممارسة أعمالك على أرض الواقع، وأنت تتقرب احتمالية العودة للحجر، وبينما تستمع لآراء النَّاس في احتمالية التَّعلم عن بعد، مثالًا، تجد الكثير لا يرغب، لأنّه لم يعتد جادًا على اعتماد التكنولوجيا لأشياء حقيقية، هو لا يريد من هذه التكنولوجيا سوى مواقع تواصل تفرض له واقعًا هو يرضاه ويريده، وألعابًا تُسليه وتخرج من حالات الملل، وفي كلا الحالتين يُصبح الإدمان، بالرَّغم من أنَّها أشياء غير ملزمة، أو ربما لأنَّها غير ملزمة يدمنها الكثير، فهي تخلصه من تعبية العمل والتعليم والانضباط والروتين، ومن ثم ما إن تفرض فضاءها ليصبح واقعيًّا، يحار المرء ماذا يفعل؟ يُدهش، كيف تستطيع هذه التكنولوجيا أخذ فضاءه منه الذي كان يهرب إليه من واقع لا يريده، لعالم يريد أن يكون هو الواقع؟ وهنا قد تحدث إشكالية رقمية الإنسان التي رُبما نجحت في جانب وقد تفشل في الجانب الآخر، غير أنّه من المبكر كثيرًا الحكم على ذلك، في ظل استمرارية الجائحة، وتنفّذ السوق الاقتصادي التكنولوجي، والمحاولات الحثيثة لرقمنة هذا الكائن الاجتماعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد