بين القلب والسماء حبال ممدودة، وأوردة منصوبة، تمنع من التقائهما عوائق النفوس، ونزغات الصدور، والقلب الحي يراها ببصيرته، ويقاوم الوساوس المانعة بكل قوته، فإذا استطاع التغلب عليها خرج إلى عالم الأرواح، ورأى من مكانه عظائم وأسرارا، وعجائب وأحوالا.

واعلم أن الولاية اختيار، ووصل وأسرار، فجأة تُعطاها، وتُختم بهداها، وعلامتها على الوجه موجودة، يلاحظها أهل النظر فهي عليه مرسومة!

وكل مؤمن تقي فهو لله ولي، وليس من شرط الولاية ظهور الكرامات، أو المشي على الماء، ولكن حقيقتها دوام الاستقامة، والمراقبة وحسن الطاعة.

واعلم أن ظهور الخوارق قد يكون استدراجا، أو فتنة وابتلاء، فلا تفرح إلا بطاعتك.

وإن من المستحب إخفاء الكرامات، إلا إذا دفعت ضرورةٌ لبيانها، فتكون وتُقدر بقدرها، ففارق كبير بين من يُظهر الكرامة، ومن تظهر عليه الكرامة، فالأول المدعي، والثاني الولي.

وإن الكرامة تزور الولي وتغيب عنه، ومَا ظَهرت حَالَة عالية إِلَّا من مُلَازمَة أصل صَحِيح.

وقلب الولي أصدق من عقله، فمتى قال لك: قال قلبي، فلا تعترض، فمن اعترض انطرد!

ولا تتسرع بالإنكار، حتى تفهم المعنى المراد، أما علمتَ أن القلب إذا صفى، صار مهبطا لعلوم السما؟ فيكون حدس قلبه أكثر صوابا من حدس عقله، وظنه كيقين غيره.

ولكن لا ينبغي له أن يُخبر بما في كل قلبه أمام العوام، حتى يحفظ قلب العاميّ والمعاند، وليكتم أمره حتى لا يفاجأ بالحرمان، ويُبتلي بالسلب والنقصان، وقد يُعطى الولي ويُحرم، على حسب ما ينفعه يكرم.

وليعلم أن الولي له لسانان كما قال أبو سعيد الخراز: لِسَان فِي الْبَاطِن يعرفهُمْ صنع الصَّانِع فِي الْمَصْنُوع، ولسان فِي الظَّاهِر يعلمهُمْ علم المخلوقين، فلسان الظَّاهِر يكلم أجسامهم ،ولسان الْبَاطِن يُنَاجِي أَرْوَاحهم. (طبقات الصوفية للسلمي ويليه ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات (ص: 184).

ومن الناس من يأتي إليه سعيا، ومنهم من يجذبهم إليه جذبا.

ترى المجذوب تغلبه شهواته ويميل معها بجسمه، ويظل مقربا لتجلي المحبة الإلهية على قلبه، ويذيقه ألم الذنب والشوق، ويريق ماء عينيه لتتهيأ للجد، ثم يرفع قلبه إليه يوما، ويملأه حكمة وعلما، فترى بدنه كله ينطق بالحِكم، ويهابه الأحباب قبل أعدائه بمُدد؛ لما ألقيته عليك الآن من قلبي، وأبنت لك سببه بكلمي!

فإن قلت للولي لماذا قلت ما قلت؟ لم يكن عنده جواب إلا تحير وصمت؛ لأن قلبه ينطق كما ينطق لسانه، وقد يسبق لسان قلبه فينطق بما لا يخطر على باله، فعنوان الولي قلبه النقي.

وكل وليّ يحنو إلى خلوة ويرق، ويهوى الهدوء ويحب؛ لأن أرواحا تشتاق إلى حضرته، وتتلذذ برؤية عبرته، وتهوى إلى سماع مناجاته، وتسعد بتحميداته وأذكاره، وعلامتها الانشراح والسرور، والأمان والشعور بالقبول

ولن تصل أبدا إلا بإفناء ذاتك في طاعته، وإشغال جسمك في التوصل إلى ومحبته، والترفع عن مراعاة غيره، وتطهير القلب عما سوى خدمته، وكثرة ذكره ومراعاة أوامره، حينها يلقي في قلبك شيئا يستقبل أنوار رحمته، وفيوضات عظمته!

ومن روائع الشيخ الشعراوي قوله: “من الناس من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ومن الناس من يصل بكرامة الله إلى طاعة الله”، وصدق رحمه الله، فالولاية توفيق واختيار، وتعبد واجتهاد، وكل عبد تقي فهو لله ولي.

وليست الولاية أن تُخرق العادات لك متى شئت، بل أن يعرج بقلبك إلى ربك بمعراج الحب والخوف، فمتى أقسمتَ على الله أبرّك، ومن الخير أعطاك ومنحك، واعلم أن من شأن أولياء الله التخفي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد