غابت الحرية ففقدت الطمأنينة والكرامة، ولا عزاء للخصوصية في مجتمع مسخر لرغبات وأهواء أشخاص يرون كل شيء في بلادنا ملكًا لهم حتى الأفراد!

هل جربت أن تظل طوال ليلك منتظرًا لساعة اقتحام بيتك، وهتك حرمة مسكنك، وترويع أهلك، وبث الرعب في محيطك؟ هل توقعت يومًا أن تبيت كل ليلة في خوف يجعلك تنام دون أن يغمض لك جفن، منتظرًا قدوم أمن نظام لا يعرف حرمة لمسكن، ولا يمنعه مانع في أن ينكل بك، ويحط من قدرك أمام ذويك .

هل تخيلت يومًا أن منزلًا ذقت في سبيل تكوينه مرارة الجوع والحرمان، إذا بك تجده يحطم أمام عينيك بحثًا عن اللاشيء، لمجرد أن شخصًا قرر ذلك!

السطور المقبلة تحمل تجارب عدد ليس بقليل ممن تعرضوا للاعتقال من مسكنهم، وتم اقتيادهم للاحتجاز، وتعرضوا لممارسات نسجلها كما وقعت.

1- تمت المداهمة للمنزل وتحطيم محتوياته واقتيادك خارجه، وهنا تكون فائزًا؛ فهناك من يتم نهب بيته وأخذ أية نقود وأجهزة خفيفة تذهب لجيوب من ألقوا القبض عليك، وهناك من نكل بأسرهم وتم اعتقال عدد منهم حال عدم العثور على من صدر بحقه قرار الاعتقال، أو عثروا عليه، ولكن أحدًا من أفراد الأسرة نطق بأي اعتراض من قبيل الدعاء على الظالمين وخلاف ذلك، وغيرها من مشاهد سجلت مع مئات الشباب ممن تم اعتقالهم من مساكنهم الخاصة بمخالفة القانون والأخلاق.

2- عقب مرحلة الاعتقال تدخل مرحلة أخرى هي الأهم والأخطر، وهي العرض على عناصر الأمن الوطني، وهي مرحلة تنعدم فيها كل معاني الإنسانية والرحمة، وتصبح فيها الآدمية أمرًا نادرًا، ووقتها يتمنى المعتقل أن يخرج من تلك المرحلة، فهو يعيش أيامًا لا أمد لها، ولا وصف لها سوى أن الضرب والصعق والانتهاكات أقل ما يلقاه فيها .

– وعقب الخروج من تلك السلخانات يتم اقتيادك لمقر احتجاز غالبًا يكون في أقسام الشرطة، يعقبه الترحيل لأحد السجون التي تحبس بها احتياطيًّا على ذمة ما وجه إليك من تهم .

3- عقب وصول المعتقل للسجن يكون قد اطمئن أنه لن ينكل به إلا من خلال حفل الاستقبال الذي يطال الجميع، وأصبح من لوازم السجن في بلادنا فضلًا عن تجريدك من كافة متعلقاتك حتى الأدوية منها .

وفي السجن تفقد ألوانًا أخرى من الأمان والكرامة.

أما الأمان فهو أنك تحمل عدة هموم عن أهلك، كيف هم؟ ومن يقوم عليهم؟ وكيف يأتي عليهم الليل؟ ومن أين ينفقون بعد أن انقطع راتبك وزادت مصروفاتك؟ وكيف هم خلال قدومهم لزياراتك بالسجن والقلق المصاحب لكل زيارة من معاملة السجن لهم ومن نظرة أبنائك لك وأنت تغيب عنهم ويفصلك عنهم حاجزًا من السلك، وآخر من الظلم والقهر؟

–  ماذا عن أولادك أو والديك إن كنت شابًا، أما الأولاد فهم أيتام لم يمت أبوهم ولكنهم حرموا منه وحرم منهم، ماذا عن الأطفال وهم ينظرون لوالدهم مصدر الأمان لهم وهم في حسرة لفراقك، وخوف من مصيرك .

–  وأما الكرامة فأنت قد أصبحت رقمًا في سجلات الوارد في السجن لا حقوق لك إلا ما يراه السجان، ولا مانع يحول دون إهانتك وإنزال البطش والإيذاء بك لمجرد أنك تطلب حقًّا، كأن تطلب أن ترى أسرتك وأولادك دون حاجز وتصر عليه، أو أن تضبط متلبسًا برسالة حب حاولت زوجتك تمريرها لك عبر السلك خلال زيارة، فأنت وقتها تكون معرضًا للحبس الإنفرادي الذي يشبه القبر في أي وقت .

قد يقول قائل: كيف لك تقول إن الحرية غالية الثمن وتحفز للدفاع عنها، ثم أنت تكتب عن مصير المنادين بها وتبني هاجسًا من الخوف لكل من يقرأ تلك السطور؟

– إن الحرية غالية الثمن حقًّا، ولا تنال إلا بجهد وصبر وتضحيات، ويجب أن يعلم كل من ينادي بها أنه سيضحي في سبيلها وسيناله ضرر لا محالة حتى يظفر بها، وما أذكره هو أمرًا أراه ضروريًّا لعدة أمور:

أولها: حتى يعلم من باركوا الاستبداد كم اقترفوا من آثام، وكم حملوا من أوزار جراء دعمهم للمستبدين .

ثانيهما: هو أن نهون من أمر الاعتقال وما يعقبه من إجراءات، فمن عرف طبيعة التكاليف استعد لها، وهيأ نفسه لما سيلاقيه من ضرر في سبيل الحرية والكرامة، وكل ما ذكرناه لا يفت في عضد أصحاب العزيمة والقوى من المنادين بالحرية .

وأخيرًا: حتي يعلم من استبدوا الشعوب ومن ساندوهم وأعانوهم على ذلك، عاقبة اعتقال فرد واحد يرونه أمرًا هينًا، وهو عظيم في ضرره، عظيم عند الله عقابه.

ما ذكرناه يعد جانبًا من وقائع تحتاج للتوثيق مع أصحابها حتى لا تضيع من الأذهان، فالمنادون بالحرية تركوا كل شيء في سبيل بلادهم.

فقد يصل الأمر لكثير منهم بأن يترك عمله ومسكنه هو وأسرته، ويبحث عن مسكن آخر بعيد عن الملاحقات الأمنية؛ هربًا من مصير مظلم كهذا، وهناك من يترك بلاده؛ نجاةً بنفسه وبأسرته من أن يكونوا مرتعًا لنفوس مريضة تأبى إلا أن تذل من يخالفها ويعارضها .

4- تبقي معان أخرى في فقدان الأمان والكرامة كنتيجة لغياب الحرية، وتتمثل في أن تسود حالة من الخوف لدى العامة من أن يصيبهم ما أصاب المدافعين عن الحرية، ولكنهم مهما قدموا من إثباتات وتنازلات حتى لا يصابوا بالأذى، تنالهم يد البطش لأنها عمياء وتطال الجميع حتى من حملوها وقبلوها صباح مساء، ووقتها لن يجد العامة من يدفع عنهم هذا البطش بعد أن نكل بأهل الرأي والمنادين بالحرية، الذين غيبوا في السجون وفي باطن الأرض موتى، ووقتها لن يجدوا إلا الصمت ملاذًا ومزيدًا من الاكتواء والذل، وذلك حتى يعلنوا خطأهم ويصطلحوا مع أنفسهم، ويعلنوا رفضهم للاستبداد، ووقتها يكون البطش في موضعه وله ثمن، وستثمر تلك التضحيات عن ميلاد جديد للكرامة والحرية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الكرامة
عرض التعليقات
تحميل المزيد