رسخ الإسلام مبدأ الكرامة الإنسانية للبشرية كافَّة قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء الآية 70) إعلان إلهي لتكريم الإنسان منذ الجبلة الأولى ولا يجوز لأحد أن يسلبه هذا الحق بغض النظر عن سلطته وقوته في المجتمع. فأين نحن اليوم من هذا التكريم؟‍‍ لقد فقدنا كل شيء؛ الحقوق، الحرية والكرامة، وأصبحنا لعبة في أيدي المعتدين.

حسب «إرنستو ساباتو» أن كرامة الإنسان لم تكن متوقعة في هذا العالم المعولم. كلنا نراه كل يوم، مجتمعنا مفصلي بشكل متزايد في هيكل نفقد فيه تدريجيًّا المزيد من الحقوق، والمزيد من الفرص وحتى الحريات. كل شخص هو كائن فريد لا يتكرر ويجب احترامه في تفرده. ومع ذلك، في الممارسة العملية، هناك العديد من المواقف التي ينتهك هذا الاحترام للجميع.

كونك فريدًا وغير قابل للتكرار لا يعني ارتداء الملابس بطريقة أو التحدث بطريقة أخرى. كرامتنا تتجلى والتعبير عنها وتحقيقها من خلال الذكاء والضمير الأخلاقي والحرية. يمكننا فهم العالم، وتقييم ما إذا كان يعمل بشكل صحيح، والتصرف وفقًا لذلك. وهذا يميزنا عن أي مخلوق آخر على هذا الكوكب.

الكرامة ليست مسألة فخر، بل هي أصل ثمين لا يمكننا أن نخسره بسهولة. الكرامة هي احترام الذات، القوة التي ترفعنا عن الأرض عندما تنكسر أجنحتنا على أمل الوصول إلى نقطة بعيدة حيث لا يوجد أي ضرر، حيث نسمح لأنفسنا بالنظر إلى العالم مرة أخرى مرفوعي الهامة.

إذا كان هناك بُعد لسلامتنا النفسية يترك المزيد من العواقب بعد إهماله أو نسيانه أو تركه في أيدي الآخرين، فهي الكرامة. ومن ثم، يجب أن نتذكر دائمًا شيئًا بسيطًا للغاية بالإضافة إلى أنه توضيحي: الأمل ليس آخر شيء يجب أن يخسره الشخص؛ في الواقع، ما يجب ألا نفقده أبدًا هي الكرامة الشخصية.

 لهذا السبب نفهم على أن الكرامة ليست مجموعة من المفاتيح التي نضعها في جيوبنا والتي من وقت لآخر نتركها للآخرين ليحتفظوا بها لنا. كما أنها ليست ملكية مادية، إنها قيمة غير قابلة للتحويل، صفة متأصلة تنبع من «الروح». كما قال مارتن لوثر كينج ذات مرة، لا يهم ما هي تجارتك، لا يهم لون بشرتك أو مقدار الأموال التي لديك في حسابك المصرفي. نحن جميعًا مستحقون ولدينا جميعًا القدرة على بناء مجتمع أفضل بكثير على أساس الاعتراف بأنفسنا والآخرين.

 ليس فقط الافتقار إلى الأمن الشخصي وحب الذات هو الذي يولد فقدان هذا الجذر لسلامتنا. في بعض الأحيان، نفقد كرامتنا عندما نسمح للإذلال والمقاطعة بشكل منهجي، نفقدها عندما نتوقف عن حب أنفسنا وتضيع عندما نصبح ملتزمين ونقبل أقل بكثير مما نستحقه. ولأننا نواجه قيمة شخصية، يجب أن نكون قادرين على تعزيز وخلق بيئات تسود فيها الكرامة، سواء في عائلاتنا أو في بيئات عملنا أو في المجتمع نفسه.

كل إنسان هو شخص. عليك أن تحترمه كمرجع، بغض النظر عما إذا كان يمتلك ملكية الضمير أم لا. -إيفاندرو أغازي

ربما تكون الكرامة موضوعًا تناولته الفلسفة أكثر من علم النفس. كانط، عرّف أن الشخص الذي يتمتع بكرامة شخصية كافية بأنه شخص يتمتع بضمير وإرادة حرة واستقلالية. لكن في التعاريف الأكثر كلاسيكية لهذا البعد، يتم إهمال جانب أساسي: يتم التعبير عن الكرامة أيضًا عندما نكون قادرين على جعل من حولنا يشعرون بالاحترام والاستحقاق والتقدير.

اعمل بطريقة تجعلك تستخدم الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص أي شخص آخر، دائمًا في نفس الوقت كغاية وليس مجرد وسيلة. -إيمانويل كانط

هناك العديد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والكتاب الذين حاولوا أن يقدموا لنا استراتيجيات لتشكيل ما يسمونه «عصر الكرامة». شخصيات كروبرت دبليو فولر، يرى أن السلوكيات التي تنال كل يوم من كرامتنا: كالتعرض للترهيب من قبل أطراف ثالثة (الأزواج، الرؤساء، زملاء العمل)، المعاناة من التحرش والتمييز على أساس الجنس نكون فيها ضحية للتسلسل الهرمي الاجتماعي.

لقد شعرنا جميعًا، في مرحلة ما من حياتنا، بهذا الشعور بفقدان الكرامة بطريقة ما. إما بسبب علاقة مسيئة أو أداء وظيفة منخفضة الأجر، فهذه مواقف ذات تكلفة شخصية عالية. فالمطالبة بالتغيير، ووضع أنفسنا لصالحنا والقتال من أجل حقوقنا لن يكون أبدًا عملاً من أعمال الفخر، بل هو الجرأة على التحلي بالشجاعة.

الكاتب البريطاني كازو إيشيجورو حصل على جائزة نوبل للآداب لرواياته «بقايا اليوم» عمل تم نقله إلى السينما بطريقة استثنائية. والشيء الأكثر فضولًا حول هذا الكتاب أنه لا يخبرنا عن قصة حب من الحب الجبان والجدران، النوع الذي لا يلمس فيه العشاق بشرتهم أبدًا، ويضيع بؤبؤ أعينهم في أي مكان آخر. ربما نستنتج أن الكتاب هو قصة منزل وسكانه، أسياده وخدامه، وكيف سعى أحد النبلاء، اللورد دارلينجتون، إلى صداقة النازيين قبل سلبية خادمه الذي رأى كيف خان سيده بلده.

يمكننا أن نقول هذا وأكثر من ذلك بكثير، لأن هذا بلا شك سحر الكتب. ومع ذلك، فإن «بقايا اليوم» تتحدث عن الكرامة الشخصية التي يقوم بدوره الراوي «بطل القصة»، السيد ستيفنز، كبير الخدم في دارلينجتون هول

الرواية كلها آلية دفاع خالصة، محاولة لتبرير مستمر. نحن أمام شخص يشعر بالكرامة والشرف على العمل الذي يقوم به، ولكن هذا العمل ليس أكثر من انعكاس للعبودية الأكثر دموية والمطلقة، حيث لا يوجد مجال للتفكير والشك والاعتراف به. تنهار فيه صورة «كبير الخدم». خلال مأدبة عشاء، سأل أحد ضيوف اللورد دارلينجتون السيد ستيفنز سلسلة من الأسئلة لإظهار الجهل التام للفئات الدنيا. هجوم مباشر على «نفسه» حيث يترك كبير الخدم جانبًا لإفساح المجال أمام الرجل الجريح الذي لم يكن له كرامة والذي عاش تحت القذيفة.

مما لا شك فيه أنه من الغريب كيف أن المراقب الخارجي وحتى القارئ الذي يتنقل صفحة بصفحة في كتب مثل «بقايا اليوم» يعرف على الفور كيف يتم التلاعب بشخص معين أو كيف ينسج خداعًا مضنيًا للذات لتبرير كل فعل في أعيننا.

قلنا في البداية ، ونقولها بصوت عالٍ يجب أن نستيقظ، يجب أن يكون هذا عصر الكرامة، العصر الذي يجب علينا جميعًا أن نتذكر فيه قيمتنا، وقوتنا، وحقنا في الحصول على حياة أفضل، وأن نكون جديرين بما نريده ونحتاجه.

فحتى الحب الذي هو أنبل صفة له حدود دائمًا وهي الكرامة. لأن هذا الاحترام الذي يتمتع به كل منا لأنفسنا له ثمن باهظ ولن نقبل أبدًا الخصومات التي يمكن بها إرضاء حب لا يملأ، ويؤذي وينتهك.

قال بابلو نيرودا «إن الحب قصير والنسيان طويل جدًا». وما بينهما، هناك دائمًا «ضوء اليراع» الذي يضيء بشكل طبيعي في الليالي المظلمة ليبين لنا ما هو الحد الأقصى، لتذكيرنا بأن النسيان الطويل أفضل من عذاب طويل ينتهي بنا المطاف ببيع كرامتنا.

في بعض الأحيان، لا يوجد خيار سوى نسيان ما يشعر به المرء عند تذكر قيمته. لأن الكرامة لا يجب أن تضيع، وعلى الرغم من أن الحب لا ينبغي أن يضيع بسبب الكبرياء، لا ينبغي أن تضيع الكرامة بدافع الحب أيضًا. عندما نعبر تلك الحدود عن طريق الخطأ ننجرف في التطرف وتصبح حدودنا الأخلاقية ضعيفة، نعتقد أنه بالنسبة للحب كل شيء يستحق العناء وأن أي استقالة قليلة. فالحب والكرامة تياران في محيط مضطرب، فحتى البَحَّار الأكثر خبرة يمكن أن يُضيع طريقه.

إذا كان الكبرياء تغذية للأنا وحب الذات، فإن الكرامة هي التصرف بالاستماع في جميع الأوقات إلى صوت «أنا» لتقوية أجمل ما فينا، احترام الذات والآخرين. هنا يكتسب مفهوم حب الذات أقصى معناه لأنه يعتمد عليه لحماية أنفسنا دون الإضرار بالآخرين والتسبب في آثار «جانبية». فالدفاع عن هويتنا وحريتنا وحقنا في أن يكون لنا صوتنا ورأينا وقيمنا، يعزز شخصيتنا ويحقق لنا الرضا الداخلي الكافي.

الكرامة لا تباع ولا يتنازل عنها، فالهزيمة ستكون أكثر قيمة من الانتصار إذا تمكنا من الخروج من تلك المعركة، بكرامة ووجوهنا مرفوعة، وقلوبنا كاملة. ستكون العزلة الكريمة دائمًا أفضل من حياة النواقص والعلاقات غير الكاملة التي تجعلنا نعتقد أننا ممثلون ثانويون في مسرح وجودنا. لا تسمح بذلك، لا تفقد كرامتك لأي شخص.

غالبًا ما يعتقد الناس أنه لا يوجد شيء أسوأ من أن يتخلى عنك شخص تحبه. الشيء الأكثر تدميرًا هو أن تفقد نفسك محبة شخص لا يحبك. في الحب الصحي اللائق لا مجال للاستشهاد أو الاستقالة، في العلاقات، التضحيات لها حدود، لسنا ملزمين بالرد على جميع مشاكل الزوجين، أو أن نقدم له الهواء في كل مرة ليتنفس فيها أو نضطر إلى إطفاء نورك حتى يضيء هو.

 فمن الأفضل دائمًا أن نقدم أنفسنا لشخص ذي عيون واسعة وقلب ناري وكرامة عالية جدًا. عندها فقط سنكون حرفيين حقيقيين لتلك العلاقات الجديرة بالاهتمام، حيث نَحْترم ونُحترم، حيث نخلق سيناريو صحيا كل يوم.

ومن الركائز التي تدعم هذا البعد القيم هي:

أولا: أن نفهم أننا أسياد أنفسنا. نحن قائدنا، ومعلمونا الشخصيون، ودفة القيادة، وبوصلتنا. لا أحد يجب أن يأخذنا أو يجرنا إلى محيطات ليست لنا، أو إلى سيناريوهات تجلب لنا التعاسة.

ثانيا: هي بلا شك شيء بسيط بقدر ما هو معقد في بعض الأحيان: منح أنفسنا الإذن لتحقيق ما نريد. في كثير من الأحيان لا نشعر أننا نستحق شيئًا أفضل، شيء جيد ومُثري. نحن نقبل فقط ما أرادت الحياة أن تجلبه لنا كما لو كنا ندعم الممثلين في مسرح حياتنا.

ثالثا: حدد قيمك، إن الجوانب الأساسية مثل الهوية القوية، واحترام الذات الجيد والقيم الراسخة تشكل جذور كرامتنا الشخصية، وتلك الجوانب التي لا يمكن لأي شخص أو يجب أن ينتهكها.

وأخيرا التأمل الذاتي، من المريح أن يكون لدينا لحظة لأنفسنا، مساحة خاصة بنا لنتواصل مع كياننا لإجراء تشخيص مناسب حول ما نشعر به طوال كل يوم، وتحديد تلك الضربات والجروح الصغيرة التي تحتاج إلى التئامها.

أخيرًا وليس آخرًا، إن الكرامة الإنسانية مطلب لا يقبل المساومة فهي حق من حقوق الإنسان التي كفلها الله للبشر، حق لا يمكن التنازل عنه. من الضروري أيضًا أن نكون قادرين على رعاية كرامة الآخرين، بغض النظر عن حالتهم أو وضعهم أو أصلهم أو مكانتهم أو عرقهم. دعونا نتعلم إنشاء مجتمعات أكثر عدلاً، ونبدأ دائمًا بأنفسنا وكرامتنا الشخصية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد