بعد الاتفاق الروسي التركي – الذي عقد في موسكو في الخامس من الشهر الجاري – الذي جاء مخيبًا لآمال الشعب السوري، والذي جاء عقب تصريحات الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بحسم الموقف التركي تجاه عودة نظام الأسد إلى ما بعد «مورك» ونقاط المراقبة التركية جميعها، كما كانت قبل اتفاق أستانا.

نص الاتفاق على إنشاء ممر آمن بطول 6 كم على الطريق الدولي «M4»، وأن لتركيا الحق بالرد على أي خرق لاتفاق مناطق خفض التصعيد، كما اتفق الجانبان على وحدة الأراضي السورية.

ويتضمن الاتفاق إنشاء ممر للمساعدات على الطريق«M4» بإشراف وزارتي الدفاع التركية والروسية.

وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: أن الجيشين الروسي والتركي سيسيران اعتبارًا من 15 مارس (آذار) دوريات مشتركة على طريق «M4» السريع الذي يقع تحت سيطرة الثوار ويعد طريقًا حيويًّا مهمًّا.

بعد هذه القمة كثرت التحليلات واختلفت القراءات حوله،  فمن قائل إن هذا الاتفاق شكلي ولن يكون هناك تسيير لدوريات المحتل الروسي في مناطق الثوار وأن هناك بنود خفية لم تُعلن، ومن راضخ له ومستسلم؛بحجة عدم وجود قوة رادعة لدى الفصائل العسكرية وخسارتها الأخيرة أمام روسيا، أكبر ثاني قوة عسكرية في العالم؛ وترك الساحة للتركي الذي حمل الملف السوري وصار يفاوض به منفردًا،  من غير أن يكون لأصحاب الأرض رأي أو قرار، أو استشارة حتى.

في ظل هذا المشهد ظهر بعض النشطاء الثوريين بفكرة قطع طريق «M4» بعيدًا عن كل التجاذبات والفصائل العسكرية، والاتفاقات الدولية،  وكانت الفكرة الأولى هي التظاهر يوم 15 مارس اليوم الموعود لتسيير الدوريات الروسية التركية تحت جسر أريحا الواقع على طريق «M4»، ثم تطورت الفكرة إلى جعل التظاهر عقب صلاة الجمعة من أجل الحشد الإعلامي ولفت الانتباه في الداخل والخارج، فكان الاجتماع بالفعل يوم 13 مارس عقب صلاة الجمعة في جو شديد المطر حتى إن الرياح اقتلعت الخيام التي كانت تنصب للاعتصام، وكانت المشاركة الشعبية مميزة من مدنيين رجال شيوخ وأطفال ونشطاء وإعلاميين خطفت الأضواء إليها ليستمر الاعتصام حتى اليوم الثاني، ليل نهار بمشاهد ثورية كما كانت في بداية الثورة من الهتافات والأناشيد وأعلام الثورة.

ميثاق اعتصام الكرامة

وضع منظمو الاعتصام ميثاقهم ومطالبهم التي يرنون إليها من هذا الحراك الثوري، وفيما يأتي نص هذا الميثاق:

– المطالبة بخروج المحتل الروسي والإيراني من أرضنا.

– عدم اعتبار أي شرعية للنظام من بداية الثورة.

– الرفض الكامل لاتفاقية تسيير دوريات المشتركة مع العدو الروسي على أراضينا، بما فيها M4.

–  إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين لدى النظام والمليشيات الإيرانية.

– تأييد كل قرار يصب في مصلحة الثورة وأهدافها وعلى رأسها إسقاط النظام سياسيًّا أو عسكريًّا.

– ضمان عودة المهجرين والنازحين بعد خروج النظام والمليشيات المحتلة من أراضينا.

– دعم الثورة بالسلاح النوعي.

–  إحالة الأسد وبوتين وإيران وميليشياتها للمحكمة الدولية.

–  تفعيل القرارات المتعلقة بتحقيقات الكيماوي ومحاسبة النظام وأركانه.

– تفعيل قانون سيزر.

– نرحب بالجيش التركي الذي امتزجت دماؤه بدماء المجاهدين.

– -تأكيد ثوابت الثورة.

وفي اليوم الثالث سمع المعتصمون بتحرك الدوريات التركية لتمهد الطريق للدوريات الروسية، فتوجه المعتصمون إلى بلدة النيرب على استراد «M4» ونقلوا الاعتصام والتظاهر إليها كي يقطعوا على الروس التحرك من بداية طريق إم فور.

عشر دقائق كانت كفيلة بقلب الموازين

يوم الأحد الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق صباحًا بدأت تلوح معالم دبابات وآليات عسكرية على طريق إم فور، فتنادت جموع المعتصمين: أن دبابات الروس أتت؛ فتوجه الجميع إليها، ثم تبين أنها دبابات تركية جاءت لفتح الطريق للدورية الروسية، وما كان من المتظاهرين إلا أن اعتلوا الدبابات بسرعة وخفة وبدأوا يهتفون: يالله باسم الله الله أكبر، ووقفوا أمام الدبابات التي لم تتحرك من كثرة المعتصمين المدنيين، ثم بعد ما يقارب عشر دقائق عادت الآليات التركية أدراجها، ولم تتابع المسير، ولم ترجع بعد ذلك.

بعدها مباشرة صرح الاحتلال الروسي بأن المجموعات الإرهابية اتخذت المدنيين دروعًا بشرية لمنع سير الدوريات الروسية على طريق إم فور.

ثم جاء رد السفارة الأمريكية في دمشق على التصريح الروسي، ليقلب الطاولة في اليوم التالي على لسان المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا، جيمس جيفري:

نؤكد رفض بلادنا لمزاعم وزارة الدفاع الروسية وتصريحات إعلامية لها، تدَّعي فيها أن المظاهرات السلمية في إدلب ضد الدوريات العسكرية الروسية نظمها إرهابيون يحاولون استخدام المدنيين دروعًا بشرية.

إن رد فعل السوريين على الدوريات العسكرية الروسية في إدلب ليس مفاجئًا، حيث إنه ومنذ ما يقرب من عام، شن نظام الأسد – بدعم روسي وإيراني – هجومًا عسكريًّا طائشًا لا يرحم في إدلب أدى إلى مقتل وجرح الآلاف من المدنيين، وتسبب في نزوح ما يقرب من مليون سوري.

إن المتظاهرين أعربوا أمس عن اعتراضهم الواضح والمفهوم على تورط روسيا النشط في الهجوم العسكري على إدلب.

عشر دقائق كانت كفيلة بقلب الموازين مبدئيًّا، وإيصال صوت الشعب السوري إلى العالم، أجمع أنه كشعب لن يرضى باتفاقات لا تحقق كرامته، وأنه لن يرهن قراره ومصيره لغيره، رغم أن بعض الأصوات كانت تدعو للركون إلى الاتفاقيات، والسماح للاحتلال الروسي بالمرور بحجة عدم امتلاك القوة، وعدم إحراج الضامن التركي، متناسين غدر الروس ونقضهم لجميع الاتفاقيات السابقة.

يأتي اعتصام الكرامة في التوقيت ذاته للذكرى التاسعة لانطلاق الثورة السورية، ليؤكد أن الثورة حية متقدة في قلوب أصحابها، رغم كل الصعاب التي تواجهها، حتى تحقق أهدافها في استعادة الحرية وإسقاط نظام الاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد