تعيش المنطقة عامة، والعراق خاصة، حربًا شعواء، تحترق في أتونها كل الطوائف، والمحرك الأساسي لهذه الحروب هو البعد الطائفي ولا بُعد غيره، وكلما ازداد الشرخ بين الطائفتين، ازدادت دائرة الحرب عمقًا واتساعًا، حتى أصبحت على نحو لم يعد يطاق، ولأن الحروب لا تلتهم الجيوش فقط، فقد ذهب ويذهب ضحية هذه الحروب أناس لا ناقة لهم ولا جمل، ذنبهم الوحيد أنهم من الطائفة الثانية.

من هنا وحتى لا تَسحق الحروب الطائفية الناس، باتت تظهر بين الفينة والأخرى أصوات تدعو للتقارب بين هذه المذاهب والطوائف، وتدعو الجميع إلى سقف الوطن، لكنه سقف واهٍ؛ لأنه يخلق مقاربة وهمية بين المذاهب، لا تعالج عمق الخلاف وجوهره، بل تجمعهم جميعًا تحت قبة المواطنة الحاضنة للتنوع، لكنها مواطنة برداء الحذر والتوجس من الآخر.

نبحث في هذا المقال الدور السلبي الذي لعبه هذا التقارب وزاد المشهد تعقيدًا، ولم يقدم حلًا.

 

أولًا: الخلاف التاريخي لا يغطى بغربال

النزاع بين الشيعة والسنة نزاع قديم جديد، يشتد وطيسه كلما طفت مشكلة، ومرت البلاد بحرب، فيبدأ دعاة من هاتين الطائفتين بحشد الناس ومذهبتهم. 
مهما تكن الأسباب فالخلاف موجود وقائم، ينعكس اجتماعيًا في الشارع البسيط، حتى بالغ العوام في حديثهم الشيعي السني، وتستطيع أن تجد هذا الاختلاف في مقهى بسيط يرتاده أناس ربما ليسوا مهتمين بالدين أصلًا، وقد يتشاجر شخصان في حي من الأحياء، فيكون السب والشتم بينهما للرموز الدينية، وقد يكون هناك مجلس ما، فيحاول أحدهم قبل أن يبدأ حديثه الملغوم، يسأل «أهناك في المجلس شيعة/سنة؟»، حتى يأخذ راحته في الحديث، ويسب ويشتم ربما. كل هذا بغض النظر عن أسبابه جعل المجتمع قنبلة موقوتة لا يمكن جمعها تحت غطاء وهمي يُدعى مواطنة، يعالج أصل المشكلة بسطحية مفرطة.

ثانيًا: تمييع الفوارق فشل وانهارت المواطنة مع سقوط النظام الحاكم

 على مدى عقود حكم نظام صدام حسين العراق بالحديد والنار؛ حيث أحكم قبضته على شعب متعدد الطوائف والأديان، واستطاع -أو هكذا كان يبدو- أن يجمَع الشعب كله تحت خيمة الوطن، بوصفهم «كلهم عراقيون»، دون مذهَبة، لكن الحقيقة ليست كذلك إطلاقًا، فالشيعة أو غالبيتهم لم يكونوا يشعرون بتلك المواطنة، وما أن انهار النظام حتى أقبل الشيعة على الانفتاح على المراسيم الدينية والطقوس التي حُرموا منها طيلة تلك العقود، وبدا للعيان واضحًا أن النظام كان سُنيًا بامتياز وإن ادعى القومية، وظهر الشرخ جليًا في أوضح صوره، وهي أن الشيعة والسنة لم يكونا متقاربين، بل قربتهما تلك القبضة الحديدية.

رافق انهيار نظام البعث قوانين اجتثاث أتباعه، بوصفهم رجالاته، من موظفين وأساتذة جامعات تحت قانون عُرف بـ«اجتثاث البعث»، وهذا القانون طال كثيرين، وأبعد هؤلاء -وإن لم يكونوا سياسيين- عن وظائفهم، قضية كهذه أعادت الصورة إلى الواجهة وهي أن الشارع منقسم إلى شيعي وسني، وأن تلك المقاربة لم تساهم أبدًا في ردم التمذهب، بل على العكس جعلته قنبلة جاهزة للانفجار في أي لحظة.

ثالثًا: سُنة المالكي وإعادة ترميم المقاربة الوهمية

ازداد الفارق وأخذ يأخذ أشكالًا أكثر خطرًا مع انهيار نظام صدام حسين، ومع دخول الجماعات المسلحة إلى العراق، ولأن الطائفة السنية هي وحدها دون الشيعة من تنخرط مع هذه الجماعات، باتت معاملة السُنة مختلفة عند نقاط التفتيش، حتى ظهر ذلك القانون سيئ الصيت لدى العراقيين قانون «أربعة إرهاب» أو «أربعة سُنة» كما يسمونه؛ لأنه يسمح للسلطات باعتقال أي سُني بتهمة انضمامه للجماعات المسلحة، حتى دون أن تثبت إدانته، ولأن الطائفة الشيعية هي الأكثر تضررًا من التفجيرات التي تطال مناطق ودور العبادة لدى الشيعة، فإن الاحتقان بلغ ذروته، ومن هنا بزغ دور دعاة ومفكرين ونخب إلى سَد الردم بين الطائفتين، لكن مشكلته هو أن القائمين عليه هم المنتفعون من السياسة والمناصب، والذين غالبًا لا يمثلون الطائفة، فهم كرروا -بقصد أو بغير قصد- تجربة نظام صدام حسين الذي كان يصر على أن العراقيين كلهم في مواجهة «أعداء الأمة»، أما اليوم فيجتمعون من أجل مواجهة الإرهاب، والتقارب الوهمي جعل السُني يدعي ادعاء مكشوفًا بحبه للرموز الشيعية، وممارسة الشعائر في بعض المناطق، لكن ذلك لم يكن تقاربًا إطلاقًا، بل فقط مجرد إعلان البراءة من الجماعات المسلحة.

رابعًا: التدخل الإيراني السافر عمّق الفجوة

إحكام القبضة الشيعية على الجهاز العسكري في العراق سحب الثقة من هذا التقارب المزعوم، فلا يمكن إقناع السنة ولا بأي شكل من الأشكال بأحقية الحشد الشعبي بلعب الدور العسكري، فالجهاز العسكري العراقي شيعي صرف، وحتى محاولات السنة للدخول في هذه المنظومة باءت بالفشل، فبالأمس القريب رفضت الدولة أيام المالكي دمج الصحوات بالجيش التي استخدمها في قتال القاعدة، ما دفعها هي الأخرى للتخندق ضد الجيش، أما اليوم وبعد مرور هذه السنوات فلم يعد الأمر كما كان إطلاقًا، فقاسم سليماني له الدور الكبير في إدارة الجهاز العسكري، هو نفسه الذي يسمي الحرب في مدن سنية كالموصل وحلب بالفتوحات، كل هذا جعل التقارب يبدو وهميًا أكثر من أي وقت مضى.

الخلاصة: درهم الحقيقة خير من قنطار الوهم

قد يبدو حديثنا دعوة إلى شق الصف وخلق الطائفية المقيتة، ولكن من قال إن الصف متحد حتى يتم شقه، ولا نريد أن يكون حديثنا خطابًا توجيهيًا لما يجب أن يكون عليه الواقع، بقدر ما يكون وصفيًا، يصف الواقع دون محاباة الحقيقة.

 

ملاحظة: أرجو عدم إرفاق صورتي في المقالة ووضع بدلا عنها أي صورة تناسب الموضوع، حسب ما اتفقنا في آخر رسالة أرسلتها لكم … وشكرًا جزيلًا

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد