حضارية الثورة وأهدافها والتغيير السلمي

نواصل في هذه السلسلة التأكيد على حضارية الثورة وأهدافها والسعي للسلمية.

حضارية الثورة

من المظاهر المهمة للثورات هو مظهر حضاريتها وجوهرها النقي وهو ما يتحلى به الثوار ويحاولون أن ينقلوه للشعب نفسه. فمع السلمية والشعارات النظيفة التي تهدف إلى مصلحة الشعب والوطن تتحلى الثورات الحضارية بمظاهر تعكس فكر أصحابها من نظافة وعمل وسلمية وتنوير وتعاون وعدم عنصرية أو طائفية مع وجود القوة الثورية في نفس الوقت.

فنجد مثل هذا حدث في ثورات الربيع العربي خاصةً بمصر 2011 وتونس 2010 وقد تكون مصر أقوى الأمثلة على هذا، فرفع الشعبان لافتات تدعو للرحيل بأسلوب راق وسلمي حتى عندما هدد مبارك أن رحيله سيكون بديلًا عنه الفوضى رفع الثوار الأحذية في وجهه لافتة عن رفضه ورفض سياسته.

وكانت مواجهة عنف النظام بأسلوب متحضر وبالدفاع عن النفس بأبسط الطرق وبدون استخدام سلاح بل بالصمود واستخدام سلاح الوحدة الثورية الشعبية فقط. فوقف فرد أمام مدرعة، ووقف المصلون ثابتون أمام مضخات الماء، وثبت الجميع تحت دخان القنابل المسيلة للدموع وأمام الرصاص الغادر والقناصة. وكما حدث في مصر 2011 كانت البداية في تونس 2010 الذي وقف فيها شعبها موقفًا بطوليًا أمام القوة المفرطة للشرطة التونسية المستبدة التي حاولت قتل المتظاهرين فكانت قوتهم في وعيهم ووحدتهم.

ولم يقم الثوار وقت الفاعليات وأيام الثورة بشل حركة الدولة، بل كانت تبدأ التفاعلات بعد انتهاء يوم العمل خاصةً أن ميدان التحرير بالقاهرة به العديد من المصالح الحكومية وشريان حياة القاهرة، ولكنها لم تكن تقف رغم الاعتصامات والثورة وهذا ليوضح الثوار أن وجودهم من أجل الوطن وليس ضده ولا لخرابه.

وحتى بعد الانتهاء من الفاعليات الثورية ورحل مبارك كان الرد من الثوار بتنظيف الشوارع في الميادين التي كانوا يتجمعون بها في أرجاء مصر، بل وتلوين كباري وأرصفة كانت تهملها الدولة دليلاً على حضارة الثورة وأنها تريد الخير والجمال للشعب والوطن.

أهداف الثورة في الصالح العام دائمًا

تهدف الثورات لعمل سام وتطالب دائمًا بأهداف شعبية وليست فئوية، ويقوم بها أفراد يطالبون بحق الشعب أجمع ولبناء دولة متقدمة ومجتمع أفضل، بل إن نتائج هذا التغيير لن يكون في نفس الوقت بل على مدار سنوات ولن يستفيد منه من قاموا بالثورة وإنما سيستفيد به الأجيال القادمة.

وهذه هي سمو الفكرة الثورية التي تعمل من أجل الوطن والشعب والأجيال القادمة، فسعي الثوري ليس لنفسه بل لأبنائه وأبناء غيره وأحفاده وأحفاد غيره لكي يحصل الجميع على وطن به كرامة إنسانية وعدالة اجتماعية وحرية وديمقراطية ومستوى تعليمي وصحي يستحقه الفرد المواطن وتقدم للدولة يجعل منها في الصفوف العالمية الأولى، فكل فرد يستحق هذا.

فأهداف الثوار والثورة هي للصالح العام أما الجماعات والأحزاب والأفراد وكل من يبحث عن مصلحة خاصة يكون نهايته إما الفضح أمام الشعب والرأي العام أو أن يضحي به النظام المستبد ويتخلص منه في وقتًا ما لأنه خائن ودائمًا وأبدًا تتخلص الأنظمة الفاسدة من أعوانها أو ينتهي به الأمر بالنهاية بالمحاسبة على خيانة الثورة عندما تنجح وتحكم.

وتهدف الثورة لهدف النظام الفاسد وإزالة الاستبداد وليس هدم الدولة كما يروج الفسدة من أجل الحفاظ على مصالحهم الشخصية. فتعمل الثورة من أجل الوعي السياسي والاجتماعي وتحقيق عدالة اجتماعية اقتصادية وبناء دولة حضارية متقدمة.

التغيير السلمي

التغيير الثوري معناه الهدم وإسقاط الأنظمة، وليس معناه تدمير الدولة وانهيارها، بل أن يكون التغيير سلميًا. فكما كانت السلمية في التعبير كذلك تكون في التغيير. فلا يكون التغيير بتصفية الحسابات والقتل وسيل الدماء فهذا منافي للأخلاق والإنسانية ولكن السلمية لا تعني أيضًا ترك الفاسد دون محاسبة بل محاسبة كل من فسد بالقانون الثوري العادل وليس بطريقة دموية تؤدي إلى انهيار المجتمع كما حدث في الثورة الفرنسية والحكم بالإرهاب والمقصلة 1789:1799 عندما وصل الأمر إلى الإعدام بالمقصلة لمجرد الشك في كون الفرد ليس مع الثورة.

وقد يتضح للبعض أن الثورات السلمية التي تحدث معرضة للموت أسرع وأسهل ولكنها في نفس الوقت أقوى وأضمن طريق للمحافظة على وحدة الشعب والوطن وعدم انهياره. وقد تأخذ هذه الثورات وقتًا أطول لكي يكتب لها النجاح، ولكن في النهاية تكون وحدتها وقوتها وضمان ثباتها أعلى وأفيد للوطن.

ويظهر لنا أن التغيير السلمي يساعد على جمع أعداد من الشعب على مختلف فئاته وطوائفه وأعماره وتوحيد الصفوف الثورية والشعبية ضد النظام المستبد وزيادة حملات التوعية ومنع الانقسام والمحافظة على الأوطان والتخلص من أفراد النظام المستبد ومحاسبتهم، ويعمل أيضًا على كسر حاجز الخوف داخلهم من النظام الاستبدادي عكس الثورات المسلحة التي تفرق بين الأفراد والأسر والشعوب وتدمر الأوطان.

وتكون نسبة التعاون والنجاح فيها أكثر من الثورات المسلحة ويكون قبولها الشعبي أكثر كالثورة المخملية بتشيكوسلوفاكيا 1989 والرومانية 1989 والفلبينية 1986 والتونسية 2010 والمصرية 2011 والجورجية 2003 والجزائرية والسودانية 2019 والأرجنتينية 1973.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد