الدور التركي في الشرق الأوسط

 لقد لقي وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، ترحيبًا واسعًا لدى الطرف الإيراني لما للحزب من توجهات إسلامية، حيث ساعد وصول حزب العدالة والتنمية لثلاث مرات على التوالي للحكم في تركيا من تقريب وجهات النظر بين العلاقات التركية الإيرانية وبناء جسور للتواصل والتعاون الاقتصادي والتجاري من خلال تبني سياسة خارجية تركية قائمة على تصفير المشكلات مع الجيران ومحاولة تركيا إحداث نوع من التوازن مع الكفة الإيرانية في المنطقة. فهي تؤكد على ضرورة بناء تعاون من خلال المناطق التجارية الحرة ورفع قيود التأثيرات وبناء تكامل تحتي وعرض خدمات وساطة، وبهذا فالعلاقة بينهما تعرف كفرصة وحالة تنافس في نفس الوقت.

كما مثلت التحولات العربية اختبارًا حقيقيًا للسياسة الخارجية التركية التي بدت مترددة أول الأمر إزاء أحداث الربيع العربي، ورغم أن تركيا دعمت الاحتجاجات العربية ورأت أنها أحداث طبيعية وعادية، إلا أن موقفها لم يكن واضحًا في البداية خاصة إزاء تونس واليمن، في حين شاركت الناتو في التدخل في ليبيا، كما كان موقفها بارزًا في سوريا وفتح الحدود للاجئين، إن سياسة تركيا تستند إلى خطاب الوجود أو «الدولة صانعة الألعاب في الشرق الأوسط» ومحاولة تصغير المشكلات وجعل تركيا كقدوة أو نموذج تحتذي به دول المنطقة (9).

كما تحمل السياسة الخارجية التركية نوعًا من الرمزية إزاء المنطقة العربية الإسلامية من خلال دعمها للقضية الفلسطينية، والتأكيد المستمر للخطاب التركي على دعم فلسطين، بالرغم من علاقاتها المميزة مع إسرائيل، وهذا من الوجهة المنطقية السياسية لا يعد تضاربًا وتناقضًا، وإنما يشكل نوعًا من البراغماتية والواقعية السياسية، «Real politik».

لقد رسمت تركيا صورة إيجابية عنها في الشرق الأوسط، حسب ما بينته عملية مسح للرأي العام التي قامت بها مؤسسة الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية التركية (TE SEV) في الفترة الممتدة من سنة 2009 إلى سنة 2012، إذ أظهرت البيانات أن صورة تركيا التي كانت سلبية في فترة سابقة تحولت إلى صورة إيجابية، وشمل المسح كلًا من مصر الأردن، فلسطين، سوريا، السعودية والعراق، إذ أن نسبة 80% من المستجوبين أبدوا آراء إيجابية حول تركيا، وفي عملية مسح ثانية، حدد الباحث بول سالم «Paul Salem» خمسة أسباب لتحسين صورة تركيا في العالم العربي وهي:

أ- إن صعود حزب العدالة والتنمية للسلطة لم يلّطف العلمانية المناوئة للدين الإسلامي فحسب بل أعاد تشكيل وتمتين روابط تركيا مع تاريخها وحضارتها الإسلامية.
ب- سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار واعتماد الدبلوماسية والعقلانية.
ج- النجاح المميز للتجربة الديمقراطية التركية في منطقة الشرق الأوسط المليئة بالأنظمة التسلطية فضلًا عن النمو الاقتصادي التركي.
د- براعة تركيا في التوفيق بين قيم الدين وقيم العلمانية في منطقة قلما تعايش فيها الدين والسياسة.
هـ- الألفة والجاذبية التي اكتسبتها تركيا من خلال إنتاجاتها السمعية البصرية فضلا عن جاذبيتها السياحية (10).

إن دعم الأنظمة الجديدة وكذا المعارضة السورية أضحى عنصرًا هامًا في السياسة الخارجية التركية، إذ  تستخدم تركيا مفهوم الدبلوماسية الإنسانية لتبرير استجابة تركيا حيال «الربيع العربي» حيث تحاول تركيا تطوير مقاربة توفيقية Synthetic تمزج بين المصالح والقيم الإنسانية.

لكن مع موجة التحولات السياسة التي طالت المنطقة خاصة العربية والنزاع على السلطة في سوريا على وجه الخصوص، يمكننا القول إن السياسة الخارجية التركية لا تتطابق مع المصالح الإيرانية. فبقاء العديد من المشكلات والقضايا تقيد من حركية ومرونة تركيا وتمنعها من التحرك إقليميًا، بالمقابل ترحب إيران بهذه المشكلات، فعلى سبيل المثال فإن أي تقارب سوري إسرائيلي سيبعد سوريا عن إيران استراتيجيا فبالنسبة لوحدة الصف العربي نجد أن تركيا تسعى إلى أن يكون متينًا، في حين نجد أن إيران تساهم بأي طريقة في إيجاد شروخ طائفية ودينية ومذهبية وسياسية في المنطقة، لم تكن كذلك قبل أن تضع استراتيجيتها للارتقاء الإقليمي موضع التنفيذ (11).

إن عودة تركيا إلى أدوارها الشرق أوسطية لا يعني التصادم مباشرة مع إيران، أو الاستمرار في نفس نمط العلاقات مع إسرائيل، مما يعني إعادة تموضع تركيا بصورة مغايرة تسمح لها بالقيام بأدوار جديدة مرغوبة منها، ومطلوبة دوليًا، فتركيا مثلا لا تؤيد ضربة عسكرية ضد إيران بسبب امتلاكها للسلاح النووي، ومع ذلك فهي ضد امتلاك إيران لتلك الأسلحة، أي أن تركيا تعمل على إحداث توازن بالمنطقة بناء على طريقة ناعمة وتراكمية، وليس على نحو تصادمي، كما أن ابتعاد تركيا عن إسرائيل نسبيًا لا يعني عداء مستحكمًا بين البلدين أو قطيعة مع الغرب، وإنما إعادة تموضع حتمية لمصالحها القومية، فعلى عكس الولايات المتحدة الأمريكية فإن تركيا تنتمي إلى منطقة الشرق الأوسط ولديها فرص أفضل لتجاوز الانقسامات وتطوير علاقاتها مع جميع الأطراف.

المحور الثاني: تركيا في ظل صراع الفواعل الإقليمية بالشرق الأوسط

إن الحضور القوي لتركيا في دائرة تفاعلات الشرق الأوسط لم يكن كله بردًا وسلامًا، فالدور الحيوي الجديد الذي باتت تؤديه تركيا كثيرًا ما اصطدم وتدافع مع مصالح دول وقوى أخرى بالمنطقة.

فعلى صعيد العلاقات التركية العربية: كان تأييد تركيا للرئيس محمد مرسي ولحركة الإخوان المسلمين بمصر قد شكّل منحنى جديدًا في علاقات البلدين التي ما لبثت أن توترت بعد انقلاب العسكر على نظام الإخوان المسلمين، وما تبعه من مواقف الشجب والتنديد من قبل أنقرة على الحركة الانقلابية، وهو الموقف الذي ترتبت عليه تداعيات كثيرة.

إن ردود فعل تركيا تجاه الانقلاب بمصر أدى إلى توتر علاقتها مع العديد من الأنظمة العربية، إذ أصبحت تركيا شبه معزولة مع حكومات كل من دمشق والرياض وأبو ظبي وتل أبيب وبغداد، فضلا عن خلافاتها مع طهران. فنظام السيسي الجديد عمل على التقرب من قبرص وإسرائيل واليونان كمحور مناوئ لسياسة أنقرة. وكذلك بالرغم من «التفاهم» التركي الخليجي حول الأزمة السورية وتطابق المواقف إزاءها، إلا أن دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية كانتا مستاءتين من دعم أنقرة لحركة الإخوان بمصر ومناوأتها لنظام السيسي، هذا التعارض وصل إلى حد سحب الإمارات العربية لسفيرها من أنقرة، كما قادت رفقة المملكة السعودية حملة شرسة ضّد ترشح تركيا في مجلس الأمن سنة 2014، وقد فشلت تركيا بالفعل من إحراز مقعد في مجلس الأمن مما أدخل حكومة أنقرة في شبه عزلة دولية (12).

الأكثر من ذلك فإن موقف تركيا من أزمات الشرق الأوسط، لا سيما الأزمة في مصر قد سبب لها نوعًا من الخسارة الاقتصادية والتجارية في المنطقة العربية، لا سيما مع الدول الخليجية، ومن ثم دعا بعض الملاحظين والباحثين في الشأن التركي على غرار عمر تسبينار «Omer Taspinar» إلى أن تتخلى أنقرة عن مثاليتها، وأن تتجه نحو مواقف أكثر واقعية وبراغماتية، وهو أيضًا الرأي الذي تتقاسمه الكثير من القوى والأحزاب التركية المعارضة لحكومة العدالة والتنمية.

ونفس الشيء تقريبًا حصل في موقف تركيا إزاء الأزمة الليبية، أين اصطّفت العديد من الدول العربية وحتى القوى الدولية إلى جانب «حكومة طبرق»، بينما وقفت تركيا إلى جانب الثوار والإسلاميين والمؤتمر الوطني فجر ليبيا-ثوار بنغازي (13).

بينما كان موقف تركيا إزاء الأزمة السورية (بعد فشلها في إقناع الأسد في الاستجابة لمطالب الشعب السوري) متوافقًا إلى حد كبير مع القوى الإقليمية والدولية مقارنة بالأزمتين المصرية والليبية.

وفيما تعلق بالعلاقات التركية الإيرانية: ففي المجال الاقتصادي يشهد البلدين تناميًا معتبرًا في المعاملات التجارية والاقتصادية منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، من خلال الزيارات المتبادلة والاتفاقيات المبرمة بين كل من الرئيسين السابقين محمد خاتمي وأحمد نجدت سيزر ما بين سنتي 2002 و2004، فضلًا عن الاتفاقيات المبرمة بتاريخ 20-11-2007 وإنشاء محطات مشتركة لتوليد الكهرباء.

في حين تتعامل تركيا سياسيًا وأمنيًا بحذر مع الجانب الإيراني كونه يشكل ثقلًا معتبرًا ولاعبًا مميزًا في الفضاء الشرق أوسطي (من خلال الزعامة الروحية الممتدة إلى لبنان، سوريا، العراق، البحرين واليمن) فضلا عن إمكانياته الاقتصادية الطاقوية وكذا العسكرية. فتركيا تعارض امتلاك طهران للسلاح النووي وبالمقابل ترحب ببرنامج نووي سلمي، وتتحفظ كثيرًا إزاء دعم طهران للنظام السوري ونفوذه في بعض دول المنطقة.

إن الموقف التركي حيال البرنامج النووي الإيراني ومباركة أردوغان للاتفاق الغربي مع إيران لم يكن ليسد الطريق أمام الاعتبارات الأمنية التي فرضت نفسها بقوة على صانع القرار التركي، على نحو بدت ملامحه جليّة في اندلاع جدل سياسي واستراتيجي داخل الأوساط السياسية والأمنية التركية بشأن سبل التعاطي مع الطموحات النووية الإيرانية، وما يتمخض عنها من تهديدات ومخاطر محتملة على الأمن القومى التركي على أكثر من صعيد. فموقع الدولتين الجيوستراتيجي يفرض على الدولتين مراعاة مصالح بعضهما في السياسات المتعلقة بـ: الشرق الأوسط، القوقاز، آسيا الوسطى، والتي تعتبر ساحات التأثير المتبادل للدولتين.

وفيما يخص العلاقات التركية الإسرائيلية: كانت تركيا أول دولة مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949، إذ كانت الدولتان تحت مظلة المعسكر الغربي المناوئ للاتحاد السوفياتي سابقًا، وقد ساندت تركيا إسرائيل طيلة سنوات الستينات والسبعينات، وتجلى ذلك خصوصًا من خلال حلف بغداد، واحتلال الجولان والأراضي العربية، كما عرف البلدان إبرام العديد من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية (14).

كما شكلت اتفاقيات أوسلو عام 1993 دفعًا قويًا للعلاقات التركية الإسرائيلية وهو ما جعل كلًا من طهران ودمشق تتخوفان من هذا التقارب. ومن بين أهم دوافع التقارب التركي الإسرائيلي في تسعينات القرن المنصرم ما يلي:

وجود خصوم مشتركين بين كل من تركيا وإسرائيل وهما سوريا وإيران.

كان لتركيا الفضل الكبير في فك العزلة التي كانت مضروبة على إسرائيل من قبل الدول الإسلامية، وكذا دعمها لمسار التطبيع مع البلدان العربية.

وجود قدر معتبر من التوافق في المصالح بين تل ابيب وأنقرة، مما عزز الشراكة الأمنية والاقتصادية بينهما، وحتى التبادل المعلوماتي والاستخباراتي.

وعلى الرغم من صعود التيار الإسلامي «المعتدل» المتمثل في حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم في تركيا مع بداية الألفية الثالثة، إلا أن هذا «النظام الجديد» قد حافظ على مستوى علاقاته مع إسرائيل، وإن تخللت هذا العهد الجديد بعض التوترات العابرة على غرار لهجة أردوغان الشديدة تجاه الرئيس الإسرائيلي على هامش قمة دافوس DAVOS، فضلا عن أحداث أسطول الحرية المتجه لإغاثة سكان قطاع غزه، والتنديد التركي بالاعتداءات المتكررة على ذات القطاع. إن النخبة الجديدة في تركيا لا تناصب العداء لإسرائيل ولا تنظر إليها بمنظار ديني حضاري بقدر ما تنظر إليها بمنظار المصالح المتبادلة، وهو ما يبعث الاطمئنان أيضًا لدى تل أبيب، وهذه الرؤية تسند إلى استراتيجية تصفير المشاكل، وأيضا بحكم نشاطات تركيا في حلف الناتو وتحالفهما مع الولايات المتحدة الحارس الأمين لمصالح إسرائيل (15).

وفيما يخص العلاقات التركية الأمريكية: فهي-كما اسلفنا في المحور السابق- قد تدعمت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وكذا بعد إبرام الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2006 ثم إن هذه العلاقات بدأت أصلا تتوطد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وإنشاء حلف شمال الأطلسي عام 1949.

إن الولايات المتحدة الأمريكية تعوّل كثيرًا على الدور التركي في الشرق الأوسط بملفاته المختلفة وقضاياه الشائكة، وكثيرًا ما تعطي واشنطن الضوء الأخضر لأنقرة للعب أدوار بسط السلم في المنطقة، كما تتزايد ثقة البيت الأبيض في تركيا لأن تكون وكيلًا أو مندوبًا للناتو بالشرق الأوسط، فضلًا عن كون تركيا تعّد جزءًا أو عنصرًا من الدرع الصاروخي الأمريكي، بحكم موقع تركيا بين الشرق الأوسط وأوروبا (16).

وأما عن العلاقات التركية الأوروبية: فرغم تطورها طيلة العشريتين الأخيرتين إلا أنها كثيرًا ما شابها الانسداد، فتركيا سئمت من الوعود الأوروبية ومن التبريرات الأوروبية «الواهية» فيما يتعلق بانضمامها للاتحاد الأوروبي، كما أن أوروبا تريد -وفقط- أن تكلّف تركيا بمهمة «الدولة الحاجز» بين الشرق والغرب بما يحفظ المصالح الأوروبية، أي جعل تركيا بمثابة سد منيع أمام موجات الهجرة القادمة من أفريقيا والشرق الأوسط.

ومؤخرًا وفي ظل الحملة الدعائية للاستفتاء الدستوري في أبريل (نيسان) 2017 (القاضي بتوسيع صلاحيات الرئيس والجهاز التنفيذي بتركيا أي التوجه نحو النظام الرئاسي) بعث أردوغان من خلال حملته الانتخابية برسائل شديدة اللهجة اتجاه الاتحاد الأوروبي لاسيما اتجاه فرنسا وألمانيا أو ما أسماه الرئيس التركي «بالإمبراطورية المسيحية الجديدة» التي تقف في وجه المصالح التركية والمعرقلة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

وبالحديث عن العلاقات التركية-الصينية: فقد ظلت الدولتان تسيران على خطين سياسيين منفصلين منذ الخمسينات من العهد الماضي، أما بعد انتهاء الحرب الباردة، دخلت الدولتان في جو إيجابي من العلاقات الثنائية على كافة الأصعدة، أين تعد تركيا دولة مهمة بالنسبة للصين من النواحي الاقتصادية، حيث سمح لها موقعها الجغرافي بأن تصبح مركزًا مهمًا بالنسبة للصين لدخول السوق الأوروبية، بالإضافة لوقوعها على طول طريق الحرير الجديد، هذه العوامل بالإضافة إلى العوامل السياسية جعلت من تركيا تبني علاقات قوية مع الصين، وتم إعلان اقامة شراكة استراتيجية في عام 2010، وتعد الصين ثاني شريك تجاري لتركيا، وقد أصبحت تركيا أول دولة في الناتو تقوم بتدريبات عسكرية كبيرة مع الصين. كما أعلنت تركيا عن رغبتها في المشاركة في مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI) وانضمت إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) كعضو مؤسس. وفي عام 2016، وقع البلدان مبادرة «الحزام والطريق» التي تضمنت مشروع «الممر الأوسط» التركي. وعلى الرغم من الكثافة في العلاقات التجارية والاقتصادية، فقد جلس الطرفان على الجانب الآخر من السياج حول الأزمة السورية (18).

إن السياسة التركية تهدف في الشرق الأوسط إلى التركيز على تركيا كدولة مركزية وفاعلًا مؤثرًا على الساحة الدولية، مرورًا بدورها في المناطق المجاورة خصوصًا منطقة الشرق الأوسط. فعند الحديث عن منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لها، نجد أن تصفير المشاكل وتعددية التوجه والاستباقية والتوازن والمواءمة، كلها مبادئ يجب أن تراعى في تطبيقها العديد من الأمور، على النحو التالي:

– موازين القوى في المنطقة بين الدول المحافظة القريبة من الأوساط الأمريكية من ناحية، ودول الممانعة المناوئة للولايات المتحدة من ناحية أخرى.

– الموازين العرقية/الطائفية في المنطقة بين شيعة وسنة.

وأخيرًا، غياب آليات تنسيق وتعاون أمني بين دول المنطقة تساعد على تحقيق وضمان الأمن والاستقرار والتقارب بين الأطراف المتنازعة.

إن مسار الدور التركي كدولة عازلة يعمل على تجاوز هذه الإشكاليات من خلال سد الفجوات المؤسسية والأمنية في المنطقة. وفيما يتعلق بدورها الريادي، نجد أنه نظريًا يقوم على الإسراع بتقديم مبادرات فكرية وعملية لتطبيقها في المنطقة بين العديد من الأطراف. ويتمثل الدور الريادي لتركيا في قيامها بالإسراع في حل مشكلاتها مع دول الجوار لا سيما سوريا والعراق، والعمل على تقديم رؤى لحل النزاعات مثلما هو الحال في الصراع العربي الإسرائيلي والعمل على توقيع اتفاقيات ومعاهدات تجارية واقتصادية بين دول المنطقة.

أما بالنسبة إلى تركيا، لم تكن أزمة خاشقجي لتأتي في توقيت أكثر سوءًا، حيث كانت الدبلوماسية التركية مجبرة على تخفيف لهجة خطابها المواجه للغرب بسبب أزمة العملة التي واجهتها البلاد ومعدلات التضخم العالية والعجز المتنامي في الحساب الجاري، وكان أردوغان مدفوعًا لتهدئة بعض الجبهات الرئيسة وإصلاح علاقاته مع واشنطن وأوروبا، وعلى الأرجح كان آخر ما يحتاج إليه الرئيس التركي في تلك اللحظة هو أزمة دبلوماسية مع السعودية.

من خلال إدراك هذه المخاوف، يمكننا بشكل كبير تفسير سائر مواقف تركيا الرامية إلى تقويض سياسات المحور «السعودي-الإماراتي-المصري» المناهض للربيع العربي، وفي مقدمتها موقف أنقرة من حصار قطر منتصف العام الماضي، حين تدخلت لمساعدة الدوحة في التغلب على آثار الحصار، ليس فقط من خلال جسر جوي مفتوح لتزويد قطر بالبضائع، ولكن أيضًا من خلال تفعيل اتفاقية يعود تاريخها إلى عام 2014 بإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر، وقيام تركيا بنقل 5000 جندي إلى الدوحة لرفع تكاليف أي عمل عسكري سعودي إماراتي محتمل ضد قطر على خلفية الحصار، وبالتالي إجهاضه قبل أن يبدأ.

الخاتمة

إن السمات الأساسية التي تجلت في السياسة الخارجية التركية هي زيادة الاهتمام بالقضايا العربية والإسلامية كالقضية الفلسطينية وتفاعلها الإيجابي معها والدفاع عنها في المحافل الدولية، ويعكس هذا الاهتمام التركي بضرورة إقامة تحالفات مع الدول العربية، بالموازاة مع تراجعها من التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، فقد قطعت مرحلة كبيرة في هذا الاتجاه عن طريق الانتقال بالعلاقات الثنائية مع سوريا إلى مرحلة متقدمة، فهل ستستمر السياسة التركية على هذا النحو أم سيغلب عليها الطابع البراغماتي وتحقيق المصلحة القومية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد