ظهر الإصدار الجديد لتنظيم الدولة “داعش” بعنوان “شروق الخلافة وعودة الدينار الذهبي” الإصدار الذي بثه مركز الحياة التابع للتنظيم الدولة باللغة الإنكليزية وملحق بترجمة عربية على مدار ٥٤ دقيقة تضمن الإصدار شرحا تاريخيا لتداول العملات بداية من المقايضة بالسلع ونهاية بالدولار الأمريكي والتحذير من انهيار قيمته.

 

استخدم التنظيم مقاطع ممنتجة بطريقة عالية الاحترافية كما شمل الإصدار مقتطفات من أفلام غربية مثل فيلم مملكة السماء “Kingdom of Heaven” حاول التنظيم من خلالها ربط ما يقوم به بالشريعة والتراث الاسلامي وأصر على أن ما تقوم به الولايات المتحدة الامريكية من فصل ارتباط العملة الورقية بالذهب هو احتيال كبير وضخ عملة ورقية لا قيمة لها حقيقية .

 

فيما أكد التنظيم أن بداية التداول ستكون في الأراضي والمدن العراقية التي يسيطر عليها وهي أرض انطلاقة التنظيم وبداية دعوته فيما يظهر من خلال سياق الإصدار والمقابلات والمناطق التي تم التصوير بها هي مناطق سورية وليست عراقي!

 

يعرض التنظيم عملته الجديدة بثلاثة أنوع هي : الدينار الذهب  ، الدرهم من الفضة ، الفلس من النحاس.

 

يخبر الإصدار أن التنظيم وضع الأوزان مطابقة للأوزان التي تم استخدامها في سك الدينار الذهبي الأول في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. حيث قدر وزن الدينار بمثقال من الذهب عيار ٢١ قيراط بوزن ٤،٢٥ جرام وسيصدر بنوعي دينار واحد وخمسة دنانير، بينما قدر وزن الدرهم بوزن ٢ جرام وسيصدر بثلاثة أصناف، درهم واحد وخمسة دراهم وعشرة دراهم ، وأخيرا الفلس النحاسي الذي سيكون بوزن ١ جرام وسيصدر بنوعين عشرة فلوس وعشرين فلسا.

 

يسترسل الإصدار ليصل إلى ما قبل نهايته ليظهر أحد عناصر التنظيم وهو يترك الدنانير الذهبية ويحمل بندقيته ويتوجه إلى القتال ليرسل رسالة مفادها أن التنظيم ومقاتليه لن تغريهم المغريات الاقتصادية وينتهي بنشيد حماسي باللغة الإنكليزية مع مقاطع قتالية لأفراد التنظيم خلال معاركهم السابقة.

 

 

عقبات أمام دينار التنظيم الذهبي

رغم كل الهالة الإعلامية التي حرص التنظيم أن ترافق إصداره عملته الجديدة تبقى هناك أمور جوهرية لم يقدم التنظيم من خلال ٥٤ دقيقية حل لها وهي :

 

(إنعدام الثقة بالتنظيم وقدرته الاقتصادية، عملة قابلة للاختراق والتزوير، صعوبة التداول خارج نطاق أراضي التنظيم) سنناقش النقاط الثلاثة التي أغفلها التنظيم أو تغافلها في محاولة منه للقفز بالأمور إلى الأمام لعدم وجود خطوات حقيقية تضمن تجاوز تلك العقوبات.

 

 

انعدام الثقة بالتنظيم وقدرته الاقتصادية: إن التجار والأهالي الذين يقبعون تحت حكم التنظيم يدركون خطورة ارتباط مقدراتهم الاقتصادية بعملة تصدر من تنظيم فتي يصدر نفسه كدولة لها مؤسسات غير ملموسة على الأرض كما أن الاعتراض وعدم القبول بالعملة الجديدة سيعرض الناس لعقوبة وبطش التنظيم الأمر الذي جعل الناس ترتبك خاصة أن المدن التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسورية تعتمد على رواتب الموظفين التي ترسل من قبل الحكومات المركزية وهذا يعني أمران: إما قطع تلك الرواتب من قبل الحكومات، كما يتم الآن في العراق أو استبدال العملة الواردة بعملة التنظيم وهذا الأمر سيدفع الحكومات إلى الإصرار على عملية القطع مما يعني ركودا اقتصاديا حقيقيا وبالتالي التنظيم لم يقدم حلولا لهذا الأمر مما يجعل عملية الشك في حالة من الاتساع والتزايد.

 

عملية قابلة للاختراق والتزوير: مما لا شك فيه فإن عملية وزن العملة أمر في غاية السهولة ولا يمكن التلاعب به، ولكن نحن نتحدث عن نسبة الذهب الى النحاس وهذا أمر من الصعب التأكد منه عن كل عملية تداول حيث يصدر التنظيم عملته بعيار ٢١قيراط فيما يمكن طباعة نسخ بعيار ١٨قيراط أو بوضع قالب داخلي من معدن أخر الأمر الذي لا يمكن إدراكه إلا بصهر الدنانير الأمر المستحيل تطبيقه عن كل عملية بيع أو شراء مما يجعل هذه العملية الأكثر سهولة في اختراقها بطرق متعددة.

 

صعوبة التداول خارج نطاق أراضي التنظيم: من المهم أن نسأل كيف ستتم عمليات الحولات المالية للتجار خارج نطاق أراضي التنظيم وكيف ستعمل مكاتب الصيرفة؟ كيف سيستخدم الناس العملة الذهبية في خارج نطاق حدود سيطرة التنظيم خاصة أن من سيتعامل بعملة التنظيم سيكون هدف للمنتقمين من الحانقين على التنظيم في كل الأراضي التي تتاخم وجود التنظيم على الأرض من سيقبل بتصدير البضائع لمدن التنظيم، مقابل صرة من الدراهم والدنانير الغير موثوقة وغير مرغوبة في نفس الوقت ؟

 

كل هذه الأسئلة لم يقدم لها حل تنظيم الدولة ولم يتطرق لها في إصداره الذي اعتمد على السرد التاريخي والتقنيات الحديثة في التصوير ويبتعد كل البعد عن الواقع وآليات استخدام العملة وكيفية تجاوز عقبات التداول التي ذكرنها مما يعقد الأمر أكثر ويزيد معانات الأهالي الذين يقبعون تحت حكمه.

 

سيناريوهات طرح العملة

قصة طرح الدينار الذهبي لم تكن جديدة فقد مهد لها التنظيم منذ أكثر من ٧ أشهر من خلال مطبوعات وزعت في المدن التي يسيطر عليها التنظيم تحت عنوان “الدينار الذهبي الإسلامي والدولار الورقي الأمريكي” حيث قامت مكتبة الهمة التابعة للتنظيم بطباعات آلاف النسخ من هذه الورقة التي قدمها “ديوان البحوث والإفتاء” التابع للتنظيم.

 

وتلتها بعض الصور التي نشرت بمواقع على تويتر وفيس بوك تابعة للتنظيم عن شكل العملة الجديدة والنقوش التي تحملها، وكرس لها دروس وخطب جمعة لتعريف الناس بأهمية هذه الخطوة وفائدتها وترغيب الناس بها، وأفرد التنظيم ديوان خاصا للعملة أسماه “ديوان بيت المال” والذي سيكون على ما يبدو في صك العملة وطرحها في السوق ومراقبة تدفقها والخزينة وغيرها.

 

سنختزل السيناريوهات المتوقعة لطريقة طرح العملة على الأراضي العراقية كون التنظيم يعتزم طرح العملة عراقيا أولا كما بين الإصدار:

 

السيناريو الأول: استبدال العملة النقدية للرواتب

لعل السيناريو الأول كان بعملية استبدال دفع رواتب الموظفين بالدينار العراقي واستبدالة بالعملة المعدنية للتنظيم وفرض قبولها في التداول المحلي، ولكن هذا السيناريو تم استبعاده بعد توقف صرف الرواتب من قبل حكومة المركز.

 

السيناريو الثاني:طرح العملة بسوق الذهب

إن عملة التنظيم من الذهب تفتقر للمصداقية ويمكن للتنظيم جعلها أكثر قبولا بطرحها كمصوغة ذهبية تخضع لسوق سعر الذهب العالمي، ولكن هذه الطريقة ستجعل فرض تداولها سيكون أصعب، خاصة مع ميل الناس لعدم التداول بعملة غير موثوقة وإن كانت من الذهب.

 

السيناريو الثالث: منع التداول بالسوق خارج نطاق عملة التنظيم

يمكن للتنظيم فتح مكاتب لصرف وتبديل العملات أو استخدام البنوك الموجودة تحت سيطرته لغرض استبدال الدينار العراقي والدولار الأمريكي بالعملة المعدنية للتنظيم وفرض منع التداول بأي عملة خارج نطاق عملته التي تم إصدارها ويعد هذا السيناريو الأكثر قبولا وفق للوضع الحالي للتنظيم.

 

إن هذه الخطوة التي اتخذها التنظيم تأتي بعد عدد من الضربات الاقتصادية التي تلقها التنظيم وأبرزها قطع الرواتب التي تمارسه حكومة بغداد على القابعين تحت سلطة التنظيم والتي تؤثر بشكل مباشر في سيولة السوق وحجم الفائدة التي تصل بشكل غير مباشر للتنظيم، إضافة لانخفاض أسعار النفط الذي يعتبر المورد الأساسي للتنظيم في تمويله، وتوسع مصاريف التنظيم في معارك تستنزفه بشكل كبير مع أنباء عن دفع التنظيم مبالغ كبيرة لعناصر له في أفغانستان واليمن وشمال أفريقية التي بايعت البغدادي مؤخرا مما جعل هذه الخطوة مناورة اقتصادية يعزم التنظيم تطبيقها.

 

ويبقى السؤال الأهم هل يستطيع تنظيم الدولة أن ينجز هذه الخطوة على الارض؟

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد