لا شك أن التفاعل الدبلوماسي عبارة عن فعل بشري بحت، قديم بطبيعته قدم البشرية ذاتها. وعلى خلاف الصفات البشرية المتوارثة، فالتفاعل الدبلوماسي لا يدخل ضمن الصفات التي يتوارثها الإنسان، بل هو عبارة عن مهارة على الإنسان أن يعمل على تطويرها وتشذيبها كواحدة من الحاجات الأساسية اللازمة لاستدامة بقاء الجنس البشري على وجه الأرض. وعلى الرغم من ذلك، فلم يتمكن العلم ولا الأحافير التاريخية من تزويدنا بالأدلة الكافية لتتبع المسار التاريخي للعمل الدبلوماسي إلى الحقبة التي بدء فيها التفاعل الدبلوماسي بين مجتمعات الجنس البشري.

غير أن التفاعل الدبلوماسي لابد وأنه ظهر كاستجابة للتطورات المترابطة التي شهدتها المجتمعات البشرية وما تبعها من أمور أوجبت على تلك المجتمعات التفاوض بشأنها. ولكن ما يهمنا إدراكه هنا هو أن جذور التفاعل الدبلوماسي تمتد تاريخيًا إلى الحقب التي قررت فيها المجتمعات البشرية أن تصل إلى تفاهمات مشتركة بشأن حدود مقاطعات الصيد من أجل البقاء. وأيضًا من المهم أن ندرك أن التفاعل الدبلوماسي كان ولا يزال يمثل مهارة للتفاوض السلمي.

إن طبيعة الماكنة الدبلوماسية ووظيفتها في أي حقبة تاريخية هي التي تعمل على رسم الطريقة التي من خلالها يؤدي القائمون بالعمل الدبلوماسي عملهم، فنرى في هذا السياق أن الأحافير التاريخية في الشرق الأوسط قد أظهرت لنا لقى آثارية عبارة عن رسائل دبلوماسية ومعاهدات يعود تاريخها إلى 2500 عام قبل الميلاد، حيث تمثلت الدبلوماسية على شكل تبادل للرسائل والهدايا عن طريق البعثات الملكية.

وكذلك أظهر التوثيق الأرشيفي للدبلوماسية الصينية مجموعة من التبادلات الدبلوماسية التي أظهرت نوعًا محددًا من الآليات المتبعة بالعمل الدبلوماسي والتي ترتكز على طقوس واجراءات معينة تدل على رمزية الدبلوماسية الصينية القديمة، التي تمثل ضمانًا للنصر على الأعداء من خلال إخضاعهم دون قتال.

أما على الجانب الآخر من العالم، فقد صمم الإغريق دبلوماسيتهم لتخدم السياسة الداخلية أكثر منها لتعنى بالشؤون الدولية. فالدبلوماسية الإغريقية كانت قد تفاوتت ما بين التأثر بالتقاليد الأوروبية والتأثر بتقاليد بلاد وادي الرافدين. وقد جاءت من بعدها الدبلوماسية الرومانية لتستعير من النموذج الإغريقي بعض الممارسات وتبني المبدأ الإغريقي القائل بـ«الصداقة في جميع الأزمان».

وخلال الحقبة البيزنطية، فقد كانت الدبلوماسية واحدة من ركائز الاستراتيجية العليا للدولة، بما عمل على خلق ماكنة دبلوماسية تمتاز بجودة عالية ولا تُقهر.

أما التطور الملموس الذي شهدته الدبلوماسية فقد بدأ في عصر النهضة الإيطالية حيث تجسد بِكَم التبادلات الدبلوماسية التي جرت في الشمال الإيطالي خلال القرن الخامس عشر، ومن ثم اتسعت رقعتها لتمتد إلى الغرب الأوروبي في غضون مائة عام، نتيجة للتغيرات التي شهدتها البنية السياسية في تلك الحقبة، بما ساعد على نمو مفاهيم سيادة الدولة، وأدى بالتالي إلى نشوء عدد من الكيانات السياسية التي شعرت بتزايد الحاجة إلى التواصل الدبلوماسي.

لقد كان لحقبة النهضة الإيطالية الفضل في ترسيخ أهمية المهام الدبلوماسية وتكريسها لخدمة صاحب السيادة. ومع تفاقم الحاجة إلى المعلومات في خضم التنافس السياسي الذي شهدته الدويلات الإيطالية في القرن الخامس عشر، فقد تزايد الشعور بأهمية وجود شبكة من الوكلاء الدائمين خارج الدولة، ليقوموا بمهام التفاوض نيابة عن الدولة وجمع المعلومات لصالحها.

وقد شهدت هذه الحقبة أيضا بروز ملامح المؤسسة الدبلوماسية الأوروبية من خلال ظهور منصب السفير المقيم ومحفظة المعلومات، مما يشير إلى تحول واضح في آليات اتخاذ القرار وهيكلية البيروقراطية الحكومية بما يمهد لتطورٍ مستقبليٍ في هذا المجال.

لقد شهد القرن الميلادي التاسع عشر تطورًا آخر في مجال العمل الدبلوماسي من خلال الاتساع المتزايد لمهام السفير المقيم كاستجابة للتفاعلات الدولية المتزايدة في تلك الحقبة، التي عانت من فترات طويلة من الاحتكاك الساخن بين الدول، واستمرار الجهد الدبلوماسي المضطرد لتثبيط مساعي الهيمنة، والعمل على تحقيق استقرار ميزان القوى بين الدول.

ويمكن القول إن المائة عام التي تلت الحروب النابليونية قد شهدت نشوء نظام للحوار الدولي يعد فريدًا من نوعه في تاريخ الدبلوماسية. لذا يمكن القول إن القرن التاسع عشر كان قد شهد تدريجيًا ظهور الإطار المهني الحقيقي للعمل الدبلوماسي. وبالتالي فقد كان لظهور الدولة الحديثة، بمركزيتها وهياكلها البيروقراطية المركبة، دورًا محوريًا في تأسيس مفاهيم الخدمة الخارجية وفق أنماط وظيفية منظمة تحكمها مجموعة من الإجراءات المتعلقة بالتوظيف والتعليم والترقية والتقاعد.

وقد رافق هذا التطور في مجال العمل الدبلوماسي تطورًا واسعًا شهده قطاع الاتصالات والمواصلات محليا ودوليا، مما وفر المساعدة لمجال العمل الدبلوماسي للتحول من الاجتماعات الآنية المحدودة إلى سياقات منظمة من الخدمة الخارجية والتنظيمات الدولية واللقاءات العالمية المنتظمة.

ونتيجة لذلك، فقد مثل القرن الميلادي التاسع عشر مرحلة مهمة بتاريخ الدبلوماسية العالمية، التي بدأت في تلك الحقبة الدخول في مجالات القانون الدولي والسياسة الدولية مع بدء ظهور الدولة الأممية.

تعد الحرب العالمية الأولى واحدة من أبرز مراحل التطور في تاريخ العمل الدبلوماسي، حيث مثلت تلك المرحلة نقطة فاصلة بين الدبلوماسية القديمة التي فشلت في منع وقوع الحرب والدبلوماسية الحديثة، التي بنيت على أسس المراجعة الجوهرية للممارسات الدبلوماسية القديمة وفقًا لثلاثة مبادئ تمثلت بـ: المسؤولية أمام الرأي العام؛ وحق تقرير المصير؛ والأمن الجمعي، كآلية لكبح الاستخدام العشوائي للقوة.

لذا فإن طبيعة التحول الذي شهدته الدبلوماسية في تلك الفترة يمكن اختزاله بمهام تمثيل الدولة والتواصل والتفاوض. ولكن الارتفاع غير المسبوق بعدد الفاعلين على الساحة الدولية وما يحملونه من تأثير فاق بمضمونه التحديات التقليدية التي كانت تواجه الدولة، مثل اتساعًا كبيرًا لمدى التفاهم والتواصل بين الحكومات وشعوبها، وألقى بظلاله على تنوع الوسائل الداخلة ضمن إطار العمل الدبلوماسي.

وهذا ما أدى إلى توسيع نطاق العمل الدبلوماسي ليتجاوز حدوده التقليدية من خلال امتداد المهام التي كانت حصرية للدبلوماسيين في إطار الخدمة الخارجية إلى بقية مفاصل الدولة، حيث نرى المسؤولين الحكوميين من خارج سلك الخدمة الخارجية غالبا ما يجدون أنفسهم مضطرين للتباحث والتحاور والتفاوض مع نظرائهم من الدول الأخرى أو مع فاعلين دوليين غير حكوميين في مسائل تتعلق بتحقيق الصالح العام للدولة.

ومن جهة أخرى، فلقد ساهم التطور المتزايد في قطاع المواصلات وتكنولوجيا الاتصالات بشكل كبير وفعال في اتساع نطاق العمل الدبلوماسي، إضافة إلى دخول عدد كبير ومتنوع من الفاعلين غير الحكوميين على الساحة الدولية، مما عمل على خلق نوع من الحوكمة متعددة المراكز، والتي أدت إلى توسيع نطاق أجندة العمل الدبلوماسي على الساحة الدولية.

ولكن يبقى السؤال حول مدى قدرة الدبلوماسية الحديثة على تجاوز عثرات الدبلوماسية القديمة مثيرًا للجدل، وذلك لأن الدبلوماسية القديمة فشلت في منع الحرب في بداية القرن العشرين، وكذلك فشلت الدبلوماسية الحديثة في منع تداعي الأوضاع الأمنية في العالم خلال العقود المنصرمة من القرن الحالي. فهل يا ترى سيشهد العالم نوعًا جديدًا من الدبلوماسية في السياسة الدولية فيما بعد أزمة كورونا؟ هذا ما ستجيب عنه مجموعة الأزمات الدولية التي ستنتج عن جائحة كورونا وردود الأفعال التي سيتبناها العمل الدبلوماسي لمنع تفاقم تلك الأزمات إلى صراعات عسكرية لا تبقي ولا تذر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دبلوماسي, عمل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد