1998
كنت حريصًا على اقتناء كل أعداد مجلة (الفن السابع) التي كانت تصدر حينها لصاحبها الفنان محمود حميدة قبل أن تتوقف بسبب عثرات مالية، أذكر أن آخر أعدادها كان عن الراحلة سعاد حسنى مصحوبًا بسي دي لأهم صورها. كنت مفتونًا بالمجلة، تحليل الأفلام، فيلموجرافيا الممثلين، الحوارات، البوسترات، إيرادات وعروض الأفلام، والغلاف اللامع الأنيق، كل تفصيلة بالمجلة كانت بغاية الإتقان. ظللت لفترة طويلة أبحث عن عددها الأول الذي كان قد فاتني حتى يكتمل لدي كل أرشيف المجلة، وقبيل امتحانات آخر العام كانت أمي تخفي أعدادها الجديدة عني لحين الانتهاء من المذاكرة حتى لا تغويني بالغوص في تفاصيلها الجذابة.

 

بأعداد عام 1998 كتب بعض النقاد بالمجلة عن فيلم (لولا تجري)، قالوا إنه أشهر وأهم الأفلام الألمانية منذ سنين عانت فيها سينماهم من الركود والجمود، وادعوا أنه مقتبس أو مشابه لفيلم “حياة أو موت”، الفيلم العربى المشهور بعبارة: “إلى السيد أحمد ابراهيم القاطن بدير النحاس، لا تشرب الدواء، الدواء فيه سم قاتل”.

 

منذ ذلك الحين وأنا لا أهتم بالسينما الألمانية مكونـًا صورة ذهنية سيئة عن أفلامها.

2006
اتجه توم تيكور، مخرج فيلم (لولا تجري) إلى هوليوود، أخرج عددًا من الأفلام الشهيرة محققًا نجاحًا جماهيريًّا لا يقابله نجاح فني بالقدر نفسه، كان أهم أفلامه الهوليودية هو أولها، (العطر)، المأخوذ عن الرواية الشهيرة بالاسم نفسه، تبعها بفيلم (العالمي) للنجم كليف أوين، وكان آخر أفلامه الروائية الطويلة (كلاود أطلس).

1944
أنسحبت قوات هتلر الألمانية من باريس بعد احتلالها لأكثر من أربع سنوات؛ حيث وقف شارل ديجول، قائد المقاومة، أو ما سمي بقوات فرنسا الحرة، خاطبًا في جموع الفرنسيين محتفلاً بالجلاء بالسادس والعشرين من أغسطس للعام نفسه. في ذلك الحين كان الألماني (فولكر شلوندروف) في السادسة عشر من عمره، قبل أن يتجه لفرنسا بمنتصف الخمسينيات دارسًا ومقيمًا فيها لعشر سنوات كاملة.

1979
فاز (شلوندروف) بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان عن فيلمه (طبلة صفيح)، الذى يدور عن طفل ألماني ينشأ بثلاثينيات القرن الفائت، معبرًا عن سخطه على المجتمع النازي بقرعه الدائم على طبلته الصفيح. تصدرت بوستر الفيلم صورة لأدولف هتلر بقرنين نابتين من رأسه بين عدد من الطبول الصفيحية وحامليها. فاز الفيلم نفسه بجائزة أوسكار أحسن فيلم أجنبى. يبدو أن السينما الألمانية ليست سيئة إلى هذا الحد الذي تصورته سابقـًا.

10 نوفمبر 2014

حضرت عرض فيلم (دبلوماسية)، فيلم فولكر شلوندروف الأخير، بدار الأوبرا المصرية، يخبرني بعضهم أن فولكر موجود بمكان ما بالقاعة ولكني لا أعرفه. كان مميزًا أن تشاهد فيلمًا بقاعة فخمة مثل مسرح الأوبرا الكبير بعد أن وقفت طويلاً أمام شباك التذاكر؛ حيث حرص قاطع التذاكر على الحصول على اسم ورقم هاتف كل الحضور!

تدور أحداث الفيلم المأخوذ عن مسرحية بالاسم نفسه عن حوار طويل يدور بين القنصل السويدي بفرنسا (راؤول نوردلنج) وقائد القوات النازية بباريس وحاكمها الألماني ( فون شلوتيتز) على خلفية أمر الأخير بتفجير باريس، كل باريس، حيث أمر جنوده بزرع المتفجرات بكل مكان، اللوفر، برج إيفل، الجسور، كل مكان، مخططـًا لمساواة باريس بالأرض.

 

كان (نوردلنج) وسيطـًا بين الفرنسيين والألمان لمنع ذلك من الحدوث، استغل صفته كقنصل لدولة محايدة لمحاولة الوساطة، حاملاً رسالة من جنرال فرنسي إلى (فون شلوتيتز)، رفض الألماني استلام الرسالة، قال إنها أخلاق الحرب التي تمنعه من قبول رسالة من العدو. يستمر الحوار بينهما بطول الفيلم، ويبدو الفيلم كمشهد واحد طويل تتخلله فواصل قصيرة لمشاهد من أرض الحرب بباريس. ورغم أن الحوار امتد طول فترة الفيلم تقريبًا، أي ما يتعدى الساعة والثلث، إلا أنه كان محكمًا مسترسلاً دون أن يترك للملل بابًا للنفاذ إليك.

 

كان (نوردلنج) سويدي الجنسية والمنصب ولكنه فرنسي النشأة والانتماء، وهو ما دفعه للدفاع عن باريس وأهلها باستماتة وإخلاص؛ حيث يقف بين الحين والآخر بجوار نافذة الحجرة التي جمعت حوارهما ناظرًا إلى باريس وهيكل برج إيفل يتوسطها مستكملاً معركته الكلامية مع الجنرال الألماني بحب وشغف.

 

ظل الجنرال الألماني متماسكـًا أمام عرض المبعوث السويدي، ورد هجومه بهجوم، اتهمه وبلده بعدم الوقوف على الحياد، قال إن الفرنسيين قد سبق لهم إبادة هامبورج بمدنييها وأطفالها ونسائها، ولم تقف السويد في مواجهتهم بالحماسة نفسها والقوة، قال إن ما ستفعله ألمانيا هو رد تاريخي على ما حدث، كما أنه رد على اختراق الفرنسيين للهدنة، وهو ما يعد بمثابة إعلان حرب، ثم أضاف أنه رجل عسكري ينفذ الأوامر دون نقاش، وتلك هي أوامر الفوهرر.

1951
قال (فون شلوتيتز) بذكرى تحرر باريس، إنه لاحظ في نهاية الحرب أن هتلر قد فقد عقله وأصبح مجنونـًا تمامًا.

1966
تم انتاج الفيلم الفرنسي (هل تحترق باريس؟) عن القصة نفسها. ( هل تحترق باريس؟) هي الجملة التي صرخ بها هتلر غاضبًا بوجه (فون شلوتيتز) عبر الهاتف طبقـًا لبعض الروايات. الفيلم كان من بطولة جان بول بلموندو، وكيرك دوجلاس، وآلان ديلون، كما قام بدور القنصل السويدي (أورسون ويلز).

أكتوبر 2014
عرض الفيلم الفرنسي الألماني المشترك (دبلوماسية) بمهرجان بلد الوليد الإسباني الدولي للفيلم، وحصد مخرجه الألماني الكبير وبطله الفرنسي( نيل أريستروب) جائزتي أحسن مخرج وأحسن ممثل عن دور القنصل السويدي. تعجبت من أن كاتب فيلم حواري مثل ذلك الفيلم، وهو نفسه كاتب المسرحية، الفرنسي (كريل جيلي)، لم يحظ باحتفاء كبير. البعض يقول إن الفيلم السينمائي يعتمد على الصورة أولاً، وأن الفيلم الذي يرتكن كثيرًا إلى الحوار هو فيلم ضعيف، أعتقد أن هذا الفيلم صنع ليدحض تلك المقولة، فالحوار ليس مناقضًا للصورة، بل هما متكاملان.

 

لم يكن الفرنسي الآخر (أندريه دوزيليه) في دور الجنرال الألماني أقل كفاءة من زميله حيث أدى البطلان سيمفونية متناغمة تبادلا فيها العزف بإيقاع منضبط وجذاب تحت قيادة مايسترو يستحق ما ناله من تقدير وتصفيق بقاعة الأوبرا المصرية صاحب تيترات نهاية الفيلم.
إعلان الفيلم:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد