ما معنى أن نشنِّف آذاننا باهتمام بالغ فنصغي ملياً لتصريحات، أو مبادرات، أو تغريداتٍ يطلقها مسؤولون دوليون، فتملأ صدورنا بالغبطة والحبور، ثم تحيلنا إلى مستقبلين جيدين لرسائل كنا ننتظرها. لنكتشف متأخرًا أن هذه الرسائل تنطوي على شيء من الحماس أكثر من الفعل، إذا ما قورنت بالنتائج التي تنتج منها، وسرعان ما تتكشف عن خطاب عاطفي مجردٍ يشعل رغباتنا ومعنوياتنا اشتهاءً قبل عقولنا.

ربما تشكل هذه الحالة بالمعنى النفسي، تعويضاً عن عجزٍ فردي، وجماعي تطلبه ذواتنا حيال ما نريد، واستبطان لحالة يأس مزمن تكرست من جراء الاستبداد.

وأيًّا كانت حالنا رثة وبائسة، فإنه يحدونا الأمل بالتخطي دائمًا إزاء حالة كهذه من الضعف المجتمعي العام – موالاة ومعارضة – مما يمنح الدبلوماسية الغامضة فرصة جديدة «بالضحك على ذقوننا» ونبدأ جولة في كل مرة جديدة في مطاردة الهدف دون تحقيقه أو الامساك به.

تبدو هذه الدينامية النفسية والسياسية متكررة باستمرار شديد حيال الأوضاع الكارثية التي تعتري حياتنا العامة، فتضيف في كل مرةً حصادًا جديدًا لخيبات أمل مزمنة توغلت كثيرًا في إعياء المسألة السورية وحلبات التعاطي الدبلوماسي فيها التي تتشارك فيها كل الأطراف حين تبدي تدخلًا دوليًّا أو إقليميًّا في إدارتها للشأن السوري ومنعرجاته التي أصبحت مريبة وغامضة.

وإذا كانت المسألة في سوريا محكومة بمداولات الصراع السياسي والعسكري واعتماداته أو نتائجه الاقتصادية، فإن السياسيين الذين يمثلون المجتمع السوري مضطرون إلى المساوق الدولية في مواقفهم فيلجؤون إلى فنون الدبلوماسية التي تزجهم في المماطلة المستمرة اتجاه جمهورهم العام، وبمبررات شتى لا يضطر إلى استخداماتها الدبلوماسية ثوريون أو عسكر.

فمن المعهود واللافت عند تحليل السلوك لدى الفئات العاملة في الشأن السوري، أن العسكر في مليشياتهم مثلًا: يذهبون إلى تنفيذ أجنداتهم الخاصة على الساحة السورية – وغيرها من الساحات المشتعلة – بأدوات فوضوية غير آبهين بغيرهم ولا يحتاجون إلى أي تغليف دبلوماسي لأهدافهم المباشرة. فيتأرجح سلوكهم وفقًا لمنطق القوة والغلبة ما بين التوحش وصولًا إلى الفجاجة المادية والمعنوية، ودونما ضوابط قانونية واضحة.

وبالرغم من ذلك في حال من الأحوال، قد يشكّل هؤلاء الثوريون أو العسكر، مادة جيدة وموقفًا تكتيكيًّا منحرفًا عند سياسيين يتصدرون المشهد لجهة استخدامهم أدوات ووسائل الغموض الدبلوماسي، يظهر ذلك في جليًّا في تأسيسي المجلس الوطني السوري، بوصفه أول حالة تمثل الثورة في الخارج، حين استقدم ممثلين عن تنسيقيات الداخل وفي مواقف النظام حين استخدم القوات الرديفة أو قوات الدفاع الوطني.

في موضع آخر تشير معظم الوقائع التي سجلتها مجريات الأحداث إلى محاولات تحويل أو تدريب فئة من الثوريين ليكونوا أصحاب المشروع والأداء السياسي المعبر عن الفصائل وسيطرتها على مناطق النفوذ أداةً إعلامية تمارس خطاب الكراهية وتدافع عن الاصطفاف ليبقى الخطاب الدبلوماسي لدى السياسيين معافى بالمبررات الكافية، وقد يحولهم ذلك لاحقًا إلى ممارسين في جولات التفاوض ومنجمين لتوقعات تختزل طموحات المجتمع في الحالة السورية.

واستجابة لهذا المناخ الملبد بغيوم الأماني والإنجازات الواعدة بغد أفضل، اعتادت قوى المعارضة والثورة، وعلى الدوام اجترارها غير البريء، لأي مخرجات سياسية (عقب الانفجار السوري في العام 2011) بدءًا من المحاولات الأولى للوساطة الأممية وما تلاها من بيانات وقرارات وجولات ومفاوضات، حتى بلغت مسألة الغموض الدبلوماسي أوجها في جمع المعارضة والنظام، مضافًا إليه ثلث المجتمع المدني في اللجنة الدستورية.

يبدو أن المسألة السورية تزداد تعقيدًا وشيئًا فشيئًا، كلما زاد توغلنا في الاستحقاقات التفاوضية عبر منحاها الحقوقي والقانوني والإنساني ونتشعب معها تدريجيًّا في طرائق التأويل والتدويل.

لم نر حتى الآن سوى التعثر في المسارات، وكثيرًا من المبررات والمناورات والتهرب من إمكانية تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، والتحايل عليها بمؤتمرات ولجان ذات إفراز سياسي ودبلوماسي لا يتأخر في المسار، لكنه بالمقابل لا يتقدم أيضًا لتبقى المراوحة في المكان سمة المرحلة.

لقد كان لافتًا في قرارات مجلس الأمن التصريح بضرورة الانتقال السياسي في سوريا، عبر هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، ما يعني تغير النظام ورموزه المستبدة والفاسدة، لكن الدبلوماسية الدولية حولت هذا الاستحقاق السوري إلى مسارات وسلال، ثم هيئة تفاوضية عليا تمخضت تاليًا عن لجنة دستورية هي أضعف من أن تواجه الغموض الدبلوماسي، في الملف السوري فما البدائل السورية، وهل يقودنا هذا الضعف إلى مزيد من التنازلات في ملفات الانتقال السياسي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد