لقد تميزت العلاقات الدبلوماسية بين تونس وعدة دول عربية بالتوتر وعدم الاستقرار. وقد كانت هذه العلاقات تتسم بالتقارب أحيانًا وبالقطيعة أحيانًا أخرى لأسباب عديدة.

وتعود جذور العلاقات التونسية المصرية إلى الأربعينات عندما قام زعيم الحركة الوطنية التونسية الحبيب بورقيبة بتدويل القضية التونسية في الشرق الأوسط من أجل الظفر بالاستقلال.

لقد تسبب الصراع اليوسفي البورقيبي في بداية استقلال البلاد التونسية في تعكر العلاقات بين البلدين عندما ساند الرئيس المصري جمال عبد الناصر صالح بن يوسف.

إضافة إلى ذلك فقد كان خلاف بورقيبة مع الحركة القومية العربية يكمن أساسًا في تصور طريقة إنجاز الوحدة.

ورغم قطع العلاقات بين تونس وبعض الدول العربية إلا أن ذلك لم يثن تونس عن تقديم التضامن والمساندة لمصر وقت الأزمات. ولعل أبرز دليل على ذلك موقف تونس من الصراع العربي الإسرائيلي خلال كل الحروب التي نشبت بين كل الأطراف مثل العدوان الثلاثي على مصر أو ما يعرف بحرب قناة السويس وكذلك حرب 1967 وحرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973 التي قدمت تونس أثر اندلاعها المساندة المعنوية والمادية لمصر رغم توتر العلاقات الدبلوماسية في مناسبات سابقة (فترة حكم جمال عبد الناصر).

الإشكالية

تعرضت عدة دراسات من زوايا مختلفة إلى فترة التقارب والقطيعة للعلاقات الدبلوماسية بين تونس ومصر. وركزت على أهم الدوافع التي ساهمت في عدم إستقرار هذه العلاقات.

ويطرح موضوع «تونس وحرب 6 أكتوبر 1973» إشكالية مركزية تهتم بأسباب التوتر والتقارب بين البلدين على مستوى السياسة الخارجية وانعكاسات ذلك على المنطقة الإقليمية والدولية.

وتتفرع الإشكالية إلى التساؤلات التالية:

1: ما هي أهم الدوافع التي ساهمت في عدم ثبات العلاقات الخارجية بين تونس ومصر؟

2: كيف كانت ردة فعل الدول على خطاب أريحا 1965؟

3: ما هو موقف تونس من الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية خلال أواخر الستينات والسبعينات؟

تحديد الإطار الزماني للموضوع

صحيح أن فترة الستينات كان دور بالغ الأهمية في عدم ثبات العلاقات الخارجية لتونس خاصة وأن المنطقة العربية شهدت خلال هذه المدة اندلاع حروب عديدة بين الدول العربية وإسرائيل أما ما يعبر عنه في الدراسات التاريخية بالصراع العربي الإسرائيلي.

_ العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتونس من 1956 إلى 1963.

1: الحركة اليوسفية وتوتر العلاقات الدبلوماسية بين تونس ومصر.

كانت العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين كل من تونس ومصر بقرار من الزعيم الحبيب بورقيبة ردا على موقف مصر المساند لغريمه صالح بن يوسف الذي كان آنذاك لاجئًا في القاهرة بعد أن عارض بشدة اتفاقية الاستقلال الداخلي بالتخلي عن مؤازرة صالح بن يوسف. ولكن هذا الأخير أصر على مواصلة دعمه له. وذهب الزعيم الحبيب بورقيبة إلى اتهام الرئيس المصري بالتخطيط لاغتياله سنة 1958 عبر جهاز المخابرات المصرية.

كما لم يستسغ الرئيس بورقيبة إلى حملات التشويه التي كانت تطلقها ضده إذاعة صوت العرب من القاهرة والجرائد المصرية والعربية بأمر من الزعيم جمال عبد الناصر والتي كانت تنعته بالعميل للغرب وتشكك في انتمائه إلى الوطن العربي، خاصة أنه كان ضد فكرة الوحدة العربية. وكان يجاهر بذلك، مفضلًا دعم مفهوم الأمة التونسية أو الوحدة المغاربية.

كما طالب بورقيبة جمال عبد الناصر تسليم صالح بن يوسف الصادر في حقه الحكم بالإعدام، لكن السلطات المصرية رفضت ذلك. واعتبرت أن هذا من حق اللاجئ السياسي.

2: ذكرى الجلاء العسكري عن مدينة بنزرت وعودة العلاقات الدبلوماسية بين تونس ومصر 1963 و1965

في يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) 1963، كانت البلاد التونسية على موعد مع حدث هام: الاحتفال بالذكرى الأولى لجلاء آخر جندي فرنسي عن بزرت، أسابيع قليلة بعد 15 أكتوبر يوم الجلاء.

وقد دعا الرئيس الحبيب بورقيبة إلى احتفالات الجلاء كل من جمال عبد الناصر، والرئيس الجزائري أحمد بن بلة، وولي العهد الليبي حسن رضا، وممثل عن ملك المغرب الحسن الثاني عبد الهادي أبو طالب.

وقد كان قدوم عبد الناصر إلى بنزرت الحدث الأبرز خلال الاحتفال بعيد الجلاء لما في ذلك من رمزية. وتأتي هذه الزيارة على خلفية سنوات من القطيعة، لتكون مبادرة حسن نية من الطرفين التونسي والمصري لتجاوز الخلافات القديمة.

وقد حظيت الزيارة بتغطية هامة، سواء في الصحف التونسية أو المصرية، التي أثنت على هذا التقارب بين الرئيسين ونقلت بالتفاصيل وقائع الاحتفال بعيد الجلاء في بنزرت، ليكون بذلك احتفالًا مزدوجًا: استعادة قاعدة بنزرت من المستعمر الفرنسي وعودة العلاقات التونسية المصرية.

ولم تدم زيارة عبد الناصر إلى تونس سوى 24 ساعة، ولكن كان له خلالها محادثات مع الرئيس الحبيب بورقيبة وأحمد بن بلة واعتبرت حدثًا تاريخيًا غير مسبوق، حيث علقت الصحف المصرية عليها بأنها خطوة واسعة تقطعها شعوب شمال أفريقيا العربية نحو المستقبل.

_ خطاب أريحا 1965 وقطع العلاقات الدبلوماسية بين تونس ومصر من جديد.

لم تدم فترة التوافق بين الرئيسين المصري والتونسي سوى سنتين، ليعود الخلاف على أشده بعد زيارة الزعيم الحبيب بورقيبة إلى الشرق الأوسط وخطابه الشهير في أريحا سنة 1965 الذي دعا فيه العرب والفلسطينيين إلى القبول بحل التقسيم.

1: رؤى مختلفة حول الصراع العربي الإسرائيلي.

إلى جانب اختلاف رؤى الرئيس الحبيب بورقيبة مع الرئيس جمال عبد الناصر حول مفهوم الوحدة العربية، كانت نقطة الخلاف الأخرى مع عبد الناصر تتعلق بطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي حيث دعا بورقيبة العرب إلى معالجته بمزيد من الواقعية. وظل متمسكًا بإقناع الرؤساء العرب بأن مساعيهم محكوم عليها بالفشل إذا أصروا على مواصلة الصراع مع إسرائيل.

فكان دائمًا يعتبر أن خوض معركة ضد الشرعية الدولية التي ترعاها الأمم المتحدة هو معركة خاسرة.

وقد كان يدع وإلى استرجاع الأراضي التي تم احتلالها من قبل الدولة العبرية عام 1948 وإقناع المجتمع الدولي على إنشاء دولة فلسطينية. وأما على الصعيد الدبلوماسي، كان الحبيب بورقيبة يعتقد أن الدول العربية خلال الستينات قد ارتكبت خطأ إستراتيجيًا بارتباطها بموسكو.

وكان الاختلاف بين كل من عبد الناصر وبورقيبة يتعلق أساسًا بالمنهج والإستراتيجية في مسألة الصراع العربي مع إسرائيل.

2: زيارة الحبيب بورقيبة إلى الشرق الأوسط وعودة القطيعة دبلوماسيًا.

اعتبرت سنة 1965 نقطة تحول في مسار العلاقات الدبلوماسية بين تونس ومصر. أدى الزعيم الحبيب بورقيبة زيارة إلى عواصم الشرق الأوسط في ربيع 1965. وقد تضمن البرنامج الرسمي زيارة مخيم اللاجئين في أريحا، وألقى خطابه الشهير هناك. وعبر عن رأيه بخصوص مسألة الصراع مع إسرائيل. وقد اعتبر أن الحل الوحيد هو القبول ما يسمح به القانون الدولي أقل من نصف أرض فلسطين. واعتبر في ذات السياق أن حرب العرب 1948 جعلت إسرائيل تتوسع على حساب الأراضي الفلسطينية، ولكن من الصعب أن يتم إرغامها على إرجاع ما استولت عليه بقوة السلاح.

وتسبب ذلك في إعادة توتر العلاقات بين كل من الرئيسين عبد الناصر وبورقيبة وعدة رؤساء للدول العربية. وبعد فترة قصيرة من إلقاء خطاب أريحا الشهير حين كان يؤدي بورقيبة زيارة إلى لبنان، انطلقت حملة تشهير ضده في كل صحف المنطقة. وقد أطلقت إذاعة صوت العرب ضد خائن تونس كما تم وصفه.

وأما الزعيم الحبيب بورقيبة فقد عقد ندوة صحفية في بيروت بين خلالها تمسكه بموقفه موضحًا أن الطريقة المتبعة لن تمكن الفلسطينيين من تحرير وطنهم حتى بعد قرن.

وقد بلغ الأمر نتيجة موقفه إلى محاولة اغتياله، حتى أن دمشق وبغداد، اللتين كان من المنتظر أن يزورهما، اعتذرتا على ذلك بسبب عدم قدرتهما على تأمين سلامته.

توترت نتيجة ذلك الخطاب العلاقات الخارجية لتونس مع عدة بلدان عربية غير أن العلاقة مع عبد الناصر هي التي تضررت أكثر مباشرة. وهكذا نشبت معركة سياسية بين الرجلين عبر وسائل الإعلام والخطاب الصدامية.

3: قطيعة دبلوماسية لم تثن تونس عن مساندة مصر في حرب 1967.

في أعقاب انهيار الجهود الدبلوماسية الدولية لحل الأزمة، بدأ القتال في حرب الستة أيام عام 1967 بضربات جوية إسرائيلية مفاجئة، دمرت كامل السلاح الجوي المصري. على الرغم من طلب إسرائيل من الأردن الكف عن مهاجمتها. بدأت الأردن مع سوريا بقصف أهداف إسرائيلية.

ولم يتوقف النزاع بين الزعيمين التونسي والمصري بورقيبة وعبد الناصر إلا يوم 5 يوليو (تموز) 1967. فلما علم الزعيم الحبيب بورقيبة من خلال الإذاعة بالهجمات الجوية الصهيونية على مصر، التي دمر القسم الأكبر من قواتها الجوية على الأرض. فأصدر بيانًا رسميًا عبر فيه عن تضامنه مع الشقيقة مصر. كما أشاد عبد الناصر بدوره في مقابلة إذاعية بالزعيم بورقيبة مشيرًا إلى أنه الرجل الذي كان على صواب في كثير من الأحيان.

ولم تكن تونس غائبة إثر اندلاع حرب 1967 بينما كان نبأ العدوان على مصر ينتشر حتى خرجت مسيرات حاشدة للتضامن مع مصر.

ورغم قرار مجلس الجمهورية يوم 3 أكتوبر 1966 قطع العلاقات مع مصر فإن أجواء الحرب التي سادت إثر ذلك جعلت الرئيس بورقيبة ينحاز إلى قضايا الأمة العربية، ويعلن تضامنه مع مصر مؤكدًا في كلمة له عشية الحرب أنه على جميع الأقطار العربية أن تساند كفاح الشعب الفلسطيني مساعدة جدية وفعالة، وأن موقف تونس واضح وشدد على أن الخلافات تصبح ثانوية أمام خطورة الوضع.

كما توجه الرئيس التونسي في ذات السياق ببيان إلى الشعب عبر الإذاعة والتلفزة التونسية جاء فيه نحن مع أشقائنا العرب في كفاحهم ضد إسرائيل التي تمثل الاستعمار.

ولم تتوقف مساندة تونس لمصر في حرب 1967 عند هذا الحد فقط، بل أرسل الرئيس بورقيبة برقية مساندة إلى نظيره المصري جمال عبد الناصر ليؤكد له أن تونس تضع إمكاناتها المادية والمعنوية لتساند جهودكم وتؤازر كفاحكم.

وفي يوم 6 يوليو 1967 اتصل عبد الناصر بورقيبة لشكره على موقفه. كما قررت الحكومة في ذلك الوقت فتح باب التطوع. وفي اليوم الموالي 7 يوليو 1967 ولدى استعراضه أولى وحدات الجيش الوطني خاطب بورقيبة الجنود قائلًا: العرب اليوم قلب واحد، وإحساس واحد، وعليكم أن تبذلوا من أجل خلاص فلسطين نفس التضحيات التي بذلتموها من أجل سيادة تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد