ناقش الجزء السابق من هذا المقال، صناعة الرسوم المتحركة في العالم العربي، وتم تناولها فيه من خلال ثلاثة محاور بالتحديد، وهي الامتناع عن المتوافر في ظل الافتقار إلى البدائل, والفرق بين صناعة النجاح ونقله، وأخيرًا طرحت السؤال الذي ختمت به المقال: ما الذي يمثلنا وماذا نمثل؟

ولإيضاح الطرح في المقال السابق وجدت أن من الضروري أن أُتبعه بآخر أُقدم فيه نماذج حية لبرامج من إنتاج وإخراج عربي وموجهة لفئة الأطفال، وهي برامج تعتمد أسلوب التعليم بالترفيه، سأتطرق في هذا المقال بالحديث عن برنامجين تم إنتاجهما من قبل مؤسسة البرامج المشتركة لدول الخليج العربي، وهما برنامج افتح يا سمسم، وبرنامج مدينة المعلومات.

ولا بد أن جولة قصيرة في محرك البحث ستقدم مختصرًا مفيدًا لا يتسع المقام لذكره عن كلا البرنامجين، وهو الحل الأنسب لمن لا يملك فكرة واضحة عنهما.

افتح يا سمسم مُقابل مدينة المعلومات:

افتح يا سمسم  في نسخته الأصلية الأمريكية «شارع السمسم» والنسخة العربية على حد سواء, يعتبر برنامجا موجها لفئة الأطفال في سن الحضانة أو ما قبل المدرسة، أي في المراحل التمهيدية، حيث يتعلم الطفل الحروف ويكتشف المعلومات البسيطة والكلمات الجديدة من خلال الأغنيات التعليمية، ويتم الترويج من خلال تلك الأغنيات والمشاهد التي تقوم الدمى بتمثيلها للكثير من الرسائل الإيجابية التي تفيد الطفل في تلك المرحلة العمرية بالتحديد، مما يجعل استفادة الأطفال الأكبر سنًا أمرا مُستبعدا،وهذا هو ما يفتقر إليه برنامج افتح يا سمسم بالمقارنة مع مدينة المعلومات.

إذ أن من أبرز ما اتصف به برنامج مدينة المعلومات هو التنوع الثقافي والعلمي والإنساني, وقد كان ذلك سببًا في أن يلقى هذا البرنامج رواجًا عند مختلف الفئات العمرية, وأذكر تمامًا كيف كنا نجتمع لمشاهدته أنا وإخوتي رغم تفاوت أعمارنا بشكل ملحوظ، لكن البرنامج نجح في جذب انتباهنا جميعًا، وكنا ننتظر حلقاته بشغف وحماس, ولا يخفى للمطلع عليه أن أهم سبب في هذا الرواج هو التنوع الثقافي والفكري، التي كانت تلك المدينة حاضنةً له، ناهيك عن الفقرات التي يصعب أن تتكرر مواضيعها أو أفكارها، إذ كان يتم تقديم معلومات جديدة بطريقة مميزة ومسلية في كل حلقة بمواضيع تهم الأطفال الصغار منهم والكبار، وأعلم يقينًا أنني لم أنسَ المعلومات التي تلقيتها للمرة الأولى عبر ذلك البرنامج، حتى العلمية منها، وذلك لتميز طريقة الطرح عن غيرها في باقي البرامج.

الفرق بين الأفكار التي نبدعها وتلك التي نبتاعها

إن مما لا شك فيه أن خير الأمم هي تلك التي تصنع ما تلبس, وتزرع ما تأكل, وتكتب ما تقرأ, وتولد أفكارًا لتشاركها مع العالم, وتصدر منتجات لتستفيد منها هي أولا ثم كل الأمم. وبالرغم من ذلك، فإن أساليب التعليم قد لا تختلف بشكل كبير من بلد لآخر وهذا ما جعل من الرائع تقديم برنامج الأطفال افتح يا سمسم بجزأيه الأول والثاني وقد حققا نجاحًا منقطع النظير. خصوصًا مع ندرة المبادرات في الإعلام الموجه للطفل العربي في ذلك الوقت, كل هذه الأسباب وغيرها كانت سببًا في اكتساب البرنامج شهرته وصيته الحسن، وكانت سببًا أيضًا في تعلق الأطفال به وسعادة الأهل بما يتلقاه أبناؤهم من خلاله.

ومع مرور الوقت وانطلاق قنوات وشركات إنتاج مختلفة ومتنوعة, أصبح من الممكن التركيز على الأفكار التي تخلقها العقول العربية، ومن بينها مدينة المعلومات التي ليست إلا مثال واحد فقط فهناك الكثير غيرها, ثم إن الفكرة التي نبتاعها يضع أصحابها الأصليين حدودًا عليها ومدى معينًا للتغيير فيها، ولا مجال لإضفاء طابع مختلف عليها, إذ يُعتبر أحد شروط تنفيذ الفكرة لصالح ثقافة شعب أو منطقة مختلفة هي الإبقاء على طابع معين يتميز به البرنامج بكل نسخه العالمية، ويتم ذلك بإشراف الجهة المُصنعة وهي في هذه الحالة «شارع سمسم» الأمريكي.

ولهذه الأسباب آنفة الذكر أعتقد  أن العمل -عند توافر الإمكانيات- على فكرة تخصنا هو أفضل بكثير من إنتاج برامج عالمية, إذ يكون لنا حرية التغيير والتطوير التي لا حدود لها, ويكون لنا نصيبٌ في التأثير وإضافة محتوى لمكتبات الأفلام والرسوم المتحركة العالمية, فالأفكار التي نبدعها هي ملك لنا, أما تلك التي نبتاعها فهي التي تملكنا للأسف.

لماذا افتح يا سمسم ومدينة المعلومات

قد يتعجب القارئ العزيز بل ويستنكر ترتيبي للفقرات إذ وضعت هذه الفقرة قبل أن أختم مقالي,  والتي كان من المفترض أن أقدمها للقارئ قبل أن أقارن بين العملين, لكنني ارتأيت وضعها أخيرًا حتى لا أشتت القارئ عن الجوانب التي ذكرتها سابقًا، وربما لأسمح له بالحكم بموضوعية تامة على ما قلت بغض النظر عن السبب الذي دفعني لقوله, وأتمنى أن أكون قد نجحت في ذلك.

إذ ليس غرضي مهاجمة الأفراد أو الشركات أو الاعتراض على المادة المُقدمة ككل, بل على العكس يسعدني أن يكون لنا جهود رائعة وعظيمة لنقدم لأطفالنا ما يليق بعقولهم ويثريهم، حتى وإن كانت الأفكار منقولة عن آخرين, فالحكمة ضالة المؤمن. لكن لخيبة الأمل التي تملكتني عند مشاهدة المحتوى الذي يُقدم في افتح يا سمسم بموسمه الجديد والذي حُشدت له الجهود من كل حدب وصوب, وجدت نفسي مُجبرةً على أن أُقارب وأُقارن بينه وبين مدينة المعلومات، التي كانت مثرية وغنية ومُلهمة بشكل كبير.

إني لكم من الناصحين

وأخيرًا, الأثر الذي أرغب في تركه في نفس كل قارئ أطّلع على هذين المقالين, هو حقيقة أن المحتوى المُقدم لطفلك على التلفاز ليس أقل أهمية من الطعام الذي يتناوله والذي تحرص على أن يكون من أجود الأنواع وأنظف المصادر, فكما أن للجسد غذاء فللعقل غذاء يجب أن يحظى بمراقبتك وعنايتك, ولست بصدد كتابة أسماء لقنوات وبرامج جيدة وأخرى سيئة, لسبب بسيط وهو أنني أثق بأن الناظر إلى أي محتوى مُقدم للطفل ببعض الانتباه سيدرك من تلقاء نفسه ما يجب أن يشاهده الطفل وما يجب أن يُحجب عنه، تفاديًا للأثر السيء الذي سيتركه عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد