أدهشتني فلسفة المخرج الراحل محمد خان في كتابه «مخرج على الطريق»، الذي يقول فيه: «السينما يجب أن تنقل الواقع حتى لو كان صادمًا، فهي ليست مجرد فن خُلِق للمتعة»، فوجهة النظر هذه تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الرجل لم يكن مجرد مخرج فحسب، وإنما مؤلف ومفكر بارع، حيث إنه من القلائل الذين انتهجوا الواقعية في أعمالهم، فقدم أفلامًا سينمائية ترصد الواقع بمره قبل حلوه، ويأتي ذلك في الوقت الذي لم يكن حلم خان أن يكون مخرجًا، بل كان يرغب في أن يكون مهندسًا معماريًا، ولكن شاءت الأقدار أن يكون مهندسًا سينمائيًا، استطاع أن يترك بصمته في صناعة السينما العربية، حيث يعدّ كتابه الذي يعتبر بمثابة سيرة ذاتية سنيمائية مرجعًا للمهتمين بالسينما وصناعتها، كما أن مقالاته التي كتبها في الفترة من «1972 – 2015» تعدّ دروسًا في قراءة الفيلم وكيفية تسويقه، إذ غالبًا ما يعتمد صنّاع السينما في مصر والوطن العربي على تسويق النجم الأوحد وليس العمل نفسه، لكن العبقري «محمد خان» الذي ينتمي إلى الجيل القديم بعمره ولكن ليس بأفكاره المتجدّدة، يتطرّق في كتابه بشكل خاص إلى أهمية السينما الشابة التي تحتوي الكثير من الأفكار المبتكرة والتجارب الأصيلة.

يتحدّث الرجل المدهش في أفلامه وكتاباته بحرية، متخلصًا من الرقابة الذاتية التي يرى أنها تكبّل الكثير من المبدعين، ويكشف للقارئ معارك ومشكلات جيل كامل من الفنانين والسينمائين الذين تجمعهم الرغبة المستمرة في التجريب من دون التقيّد بحسابات الربح والخسارة من أمثال «داوود عبد السيد»، و«عاطف الطيب» و«خيري بشارة»، وكيف كانت تواجههم دائمًا مشاكل إنتاجية أو مشاكل في التصوير، أو حتى قلق النجوم الكبار من المشاركة في أفلامهم خوفًا من فشل الفيلم جماهيريًا، كون السينما التي اقترحها الجيل الذي دخل الساحة مع محمد خان مرآة صافية عن ذلك الزمن، كانت صدامية وحالمة في آن، لعلنا لا نملك اليوم إلا أن ننظر بحسرة وحنين إلى ذلك العصر الذهبي في تاريخ السينما العربية، وقد لا نملك تفسيرًا محدّدًا لسرّ ارتفاع أصوات تلك الأعمال وهي تدين الجو السائد، وتتتبّع في حكايات صغيرة تفاصيل الحياة اليومية والعقليات التي تحكمها.

بعد أكثر من ثلاثة عقود، تطوّرت أدوات السينما وتقنياتها في البلاد العربية، وتشعّبت مواضيعها وأنماطها، ظهرت أجيال من السينمائيين احتكّوا بكواليس الفن السابع في العالم، وبعضهم تخرّج في أبرز معاهده، وأنتجوا أفلامًا كثيرة، لكن لا يزال الجمهور العربي متعلقًا بأفلام الثمانينيات بلغتها البسيطة وشفافيتها العالية واندماج جمالياتها في المضامين، من المفارقات العربية أن ذلك الزمن الذي برع فيه المخرجون والكتّاب في مقاومة التردّي العام، كان فيه الجمهور غير قادر على الاحتجاج حيث كان الفضاء العام مغلقًا أو يكاد، أما اليوم، فتبدو الآية وقد قلبت، إذ تتحرّك الحشود على الأرض أو في الفضاءات الافتراضية بعد أن جرى تعميم أدوات الضغط وجعلها شعبية، لكنها قلما تجد تعبيرات فنية راهنة متبلورة ومندمجة في خطابها أو مستبقة للتعبير عنه كما حدث في سينما جيل الثمانينيات، وحتى إن وُجدت بعض الأعمال التي تتبنّى مقولات فإنها لا تحقق شعبية كاسحة، ولعلها حالة من التشظي أصابت مجمل السينما العربية، سينما قد لا تكون سوى مرآة انكسرت حين انكسر كل المشهد العربي بفعل الهزّات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي سادت معظم البلدان العربية بفعل ما يسمى بثورات الربيع العربي، التي اجتاحت معظم دول المنطقة وقضت على الأخضر واليابس فيها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد