في البداية عليّ أن أعترف أنني في المقال السابق توهمت خطأ، وخلطت بين حاكم حلب الأيوبي «العزيز»، وبين السلطان «علاء الدين كيقباذ» سلطان سلاجقة الروم، ولكن المحتوى النقدي الذي طرحته كان حقيقيًا في غير هذا الخط.

في الجزء الثاني انتقلت أسرة «أرطغرل» إلى حدود تركيا الجنوبية، بعد أن توفي «سليمان شاه» زعيم قبيلة «الكابي»، وانتقلت زعامة القبيلة إلى زوجته «هايمة هاتون»، والتي أرسلت القبيلة إلى مضارب قبيلة «الدودرغا»، والتي يتزعمها شقيقها «السيد كوركوت»، وأثناء رحلة القبيلة تهاجمهم قوات من «المغول»، وتقتل العشرات من أفراد القبيلة، وينشأ صراع بين أرطغرل والمغول.

توجد ملاحظات عديدة على قصة أرطغرل في هذا الجزء، أبرزها:

1. تجاهل العالم الإسلامي

يستمر هذا المسلسل في تجاهل أوضاع العالم الإسلامي، ويركز على صراع القبائل التركية، ويتعامى ـ مثلًا ـ عن جرائم المغول في أنحاء العالم الإسلامي، بصراحة كنت أنتظر في هذا الجزء كلامًا عن جرائم المغول في «آسيا الوسطى» و«الهضبة الإيرانية»، ويبدو أن المؤلف والمخرج قررا أن يكون فضح الجرائم المغولية محصورًا في هذا الصراع المحدود بين قبيلتي «الكابيي» و«الدودرغا» مع كتيبة «نويان» المغولية.
في رأيي كان يجب على القائمين على المسلسل تنبيه المشاهد على الصراع الدامي بين دولة «العادل الأيوبي» مع «السلطان علاء الدين السلجوقي»، وكيف كان هذا السلطان يعد العدة لغزو بلاد الروم، والإستيلاء على دولة علاء الدين السلجوقي، والمراسلات التي كانت مع «الخلافة العباسية»، والصلح الذي تم بين العادل الأيوبي، والسلطان علاء الدين، وكذلك كيف أن الأمير «سعد الدين كوبك» أقنع السلطان علاء الدين السلجوقي بتغيير علم الدولة، من السواد (شعار العباسيين) إلى اللون الأزرق، كما فعل «الأيوبيون» الذين اتخذوا العلم «الأصفر» عوضًا عن الأسود.

2. التعصب القومي لكتاب المسلسل

أعترف أن المسلسل في مجمله عمل هادف، ورائع، ويستحق وصف «أنه عمل جميل»، ولكن ما يشوه المسلسل هو النعرات القومية «الطورانية» الموجودة فيه؛ ففي إحدى الحلقات يصف أحد المتحدثين المدن التركية في آسيا الوسطى أنها مدننا المقدسة، وفي حلقة أخرى يدعي أحدهم أن الشيخ الرئيس «ابن سينا» كان تركيًا، «مع العلم أنه فارسي من بلخ، واستوطن أهله مدينة بخارى»، وفي حلقة أخرى مليئة بالتعصب القومي كانت رحلة أرطغرل إلى مدينة «أخلاط»؛ إذ التقى بزعماء الأتراك، وكانت تلك الجلسة جلسة في التربية القومية، ولم تكن حقيقية؛ إذ وضع الكاتب رأيه كثيرًا، بل إنه ذكر على لسان «السيد أرتوش» إعادة «نيران القيامة»، (طقوس وثنية ). وكذلك كلام عن أن حلم الدولة في روح الأتراك،  و أن كل تركي دولة، وإن عاش في الأرض تركي واحد، فلابد أن يقيم دولة!

وكانت النكتة؛ عندما طالب المتحدث باسم زعماء الأتراك أن يفتحوا أوطانًا جديدة بسيوفهم؛ لإعلاء كلمة الله، بعد هذه الجلسة في التحريض القومي.

3. «أرتوك» رجل المستحيل

لقد كان «الأفشين» رجل المستحيل في الجزء الأول، وأما رجل المستحيل في هذا الجزء، فهو «أرتوك»، فهو سياسي بارع، وطبيب وقاض و…

النكتة الحقيقية ـ في رأيي ـ هي في حلقة استدراج «نويان» لـ«توتكين»؛ وذلك بهدف قتله، ثم إلقاء المسؤولية على أرطغرل. في هذه الحلقة أدخل المؤلف نفسه في ورطة؛ فتوتكين كان يفترض أن يموت من النزيف، بعد أن أدماه نويان، ولكن الكاتب اختار له أن يعيش، وأن يجده «ابن عربي»، ويأخذه للمغارة؛ للعلاج، وهناك كانت كارثة أيضًا، لم ينتبه لها المؤلف، فإنه جاء برجل المستحيل أرتوك، الذي قام بعملية معقدة؛ لإنقاذ حياة توتكين هي عملية انتعاش «السي بي آر»، أو ما يسمى بـ«انتعاش القلب الرئوي»، وهي عملية تم اكتشافها في أوائل القرن العشرين، وفي 1958 في جامعة «جوبنز هوبكنز» في أمريكا، عندما استطاع عالم «وليام كونهفين» من إنعاش قلب كلب بالضغط على صدره.

ما كان ينقص المهزلة لتكتمل أن يقوم السيد أرتوك بتركيب أكياس لنقل الدم للسيد توتكين؛ ليعوض الدم الذي فقده من النزيف لمدة يوم كامل.

4. العنف الشديد

كنت انتقدت الجزء الأول، وما احتواه من عنف، ولكنني أعترف أنني كنت مخطئًا؛ فقد كان الجزء الأول أفضل من الثاني؛ فقد ازدادت المشاهد الداعشية في المسلسل، وقطع الرؤوس؛ فقطعت رأس «كوجاس» و «كومشتاكين» و… وقد قام مؤلف المسلسل من حيث لا يدري بتشويه التاريخ الإسلامي، وإظهار أرطغرل وأصدقاءه «بامسي» و«تورغوت» و«دوغان» كمجموعة من «الساديين»، الذين يقاتلون في سبيل المتعة، لا لكي تكون كلمة الله هي العليا، وجعلتهم مستعدين في سبيل أرطغرل للقتال مع أقرب الناس إليهم.

5. أدوار النساء غير واقعية

في هذا الجزء تم إعطاء النساء وصراعهن دورًا كبيرًا، لم يعط لهن في الجزء الأول؛ إذ كانت البطولة حكرًا على أرطغرل، وأصدقائه، ولكن كاتب المسلسل، وقع في شر أعماله؛ عندما أراد زيادة أدوار النساء، فدخل في مسائل مستحيلة في ذلك الوقت.
لن أجادل في مسألة استلام السيدة «هايمة هاتون» لزعامة القبيلة، بعد وفاة زوجها «سليمان شاه»، ومدى واقعية القصة، ولكنني سأجادل كثيرًا في مسألتين:

الأولى الاختلاط بين الرجال والنساء في المسلسل، وإمكانية حدوث مثل هذا الاختلاط بين التركمان قبل 900 سنة من اليوم؛ فكل الناس يعلمون أن الترك ـ قديمًا ـ كانوا قومًا شديدي الغيرة على نسائهم، وتصل غيرتهم حد إنشاء «الحرملك» للنساء، الذي لا يدخله الرجال، وكذلك كيف مرر المؤلف والمخرج مسألة تهريب «بانو تشيك» للمغارة، وأنها أصبحت تقيم مع الرجال فيها، وهذه المسألة مأزق كبير لمن يكتب مسلسلًا تاريخيًا؛ فهذه المسألة تاريخيًا غير مقبولة؛ بحكم الدين والعادات والتقاليد القبلية التركية.

وليهرب المؤلف والمخرج إلى الأمام، فقد جاء بمقاطع يتكلم فيها «ابن عربي» واعظًا من داخل المغارة؛ من أجل تمرير القصة دراميًا، ولكي لا يشعر المشاهد بعمق مأزق القائمين على المسلسل.
في رأيي: الأدوار النسائية كانت فاشلة جدًا، ومبتذلة، ولم تنجح أية ممثلة في ملء دورها، سوى التي كانت تقوم بدور «سلجان»، وأما الأم هايمة هاتون، فمن المستحيل عقلًا أنها كانت تستطيع مخاطبة الأمير «سعد الدين كوبك» بمثل هذه الجرأة، وتتحداه داخل قصره، وأمام وزرائه، كما فعلت، عندما هرب أرطغرل من جيش كوبك.

6. مهزلة المغول

لا أعرف ـ حقيقة ـ الشكل الذي تم به تصوير المغول في المسلسل، وأنهم مدمنون على شرب دمائهم، والذي أعرفه، وسمعت عنه أن «ماركو بولو»، الرحالة الشهير، قال إن المغول كان يشربون دماء خيولهم، عبر عمل ثقب في رقبة الحصان، وأما مسألة شرب الخمور بدمائهم، فبحثت عنها، ولم أجد لها سندًا تاريخيًا!

7. ابن عربي نجمًا للمسلسل

إنني أرى أن البطل الثاني للمسلسل، هو الذي أدى دور الإمام الأكبر، والكبريت الأحمر «محيي الدين بن عربي»، لقد كان دوره موفقًا جدًا، و كان مثالًا للتسامح الديني، وأن مثل هذا الدور بمواعظه الجميلة يمكن البناء عليه، والاستفادة منه في العالم العربي؛ إذ لا تعرف الأعمال الفنية العربية دورًا إيجابيًا للشخص المتدين؛ فإما أن تجعل هذا المتدين ملاكًا، لا يمكن تكراره في زماننا، وإما أن تجعل المتدين شيطانًا إرهابيًا.

وأنا عن نفسي أكثر ما جذبني للمسلسل هو دور محيي الدين بن عربي الحاتمي؛ فقد أجاد الممثل أداء الشخصية جدًا، حتى أنني في بعض المرات أحسست أن أمامي ابن عربي فعلًا.

لعل المسألة الوحيدة التي كانت تذكرني بأنني أمام مسلسل تركي، هي مسألة وضع الممثل يده على قلبه، عندما كان يذكر اسم سيدنا «محمد صلى الله عليه وسلم»، أو عندما يقوم بالتسليم على شخص، وهذه الصورة عادة تركية في تعظيم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتأكيد، لم يكن ابن عربي ليقوم بها؛ لأن الإمام الأكبر كان أندلسيًا، وليس تركيًا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد