هو مسلسل تاريخي رائع بحق، يحكي عن حياة أرطغرل والد عثمان خان مؤسس الدولة العثمانية (يقال أن تمويل المسلسل من حزب العدالة والتنمية كَرد فني على مسلسل القرن العظيم أو حريم السلطان).

ولكنه ككل المسلسلات التاريخية كان هذا المسلسل دراما تاريخية تستلهم الواقع في قراءة التاريخ فقد تحدث هذا المسلسل عن الصراع بين السلاجقة وأحفاد صلاح الدين (يقصد الكرد)، وأنها صراع يصب في صالح الصليبيين، وتحدث أيضا عن اختلاف المسلمين في العراق والشام ومصر، وعن الحكام الخونة الذين تسلطوا عليهم، وعن حقيقة اختراق الصليبيين للصفوف الدول والإمارات الإسلامية أيضا تحدث عن هجرة قبائل الترك من حدود الصين إلى العراق والشام، ولكنه ركز على قبيلة كيالي التركمانية والتي كان زعيمها سليمان شاه والد أرطغرل والتي كانت تتمنى أن تحصل على مرعى ومحل آمن؛ ليتم توطينها لذلك أرسلت الرسل إلى سلطان السلاجقة علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو السلجوقي الذي كان يحكم مناطق سلاجقة الروم المحاذية لإمارة أنطاكية الصليبية.

 
وهكذا بدأت قصة المسلسل وتمر أحداث هذا الجزء والصراع قوي وشديد بين خال السلطان السلجوقي الذي كان يعمل مع وزيره المدعو ناصر الذي كان مواليا للصليبيين، ويتدخل أرطغرل لينقذ حياة خال السلطان من الموت بمؤامرة من ناصر وتستمر الأحداث حتى ينتهي الجزء الأول بمشاهد سقوط القلعة الصليبية وتدميرها ومشهد غرق سليمان شاه في نهر الفرات قرب كوباني، ولكن هذا العمل الرائع الذي يتصدر سوق المسلسلات التاريخية يحتوي على نقاط ضعف يعرفها كل من يقرأ التاريخ العثماني وتاريخ هجرة الشعوب التركية إلى الأناضول وكذلك احتوى هذا العمل على مغالطات تاريخية عميقة، لكن هذا لا يؤثر في العمل فهو عمل رائع بنسبة كبيرة ولكن للفائدة فقط سوف أتحدث عن هذه النقاط وعن المغالطات

أولا: البداية الخطأ

لم يتحدث المسلسل عن الغزو المغولي التتري الذي دخل ديار المسلمين الأتراك، والذي تسبب في تهجير مئات الآلاف من الناس إلى إيران وبلاد الشام، وهذا التغاضي عن التحدث في هذا الموضوع ليس من فراغ، ولكن إرضاءً للقوميين الأتراك المتعصبيين الذين يرفضون الحديث السلبي عن المغول باعتبارهم برابرة مجرمين بل يعتبرونهم أبطالًا ودائما ما كانت الصحف التركية تحتوي على مقالات مدافعة عن السفاح تيمور لنك مثلًا ويعتبرونه بطلا تركيا رغم ما فعله من جرائم بالسلطان با يزيد الصاعقة يلدرم با يزيد، ولذلك عدم حديث المسلسل عن الغزو المغولي يظهر مدى التعصب القومي عند كاتب المسلسل لأن السبب الرئيس في تهجير الترك من آسيا الوسطى إلى آسيا الصغرى كان في الغزوات المغولية البربرية من جنكيز خان ومرورا بهولاكو وقازان.

ثانيا: إسلام قبيلة سليمان شاه كيالي

لم يتحدث المسلسل عن حقيقة إسلام قبيلة كيالي التركية بل لم يطرح هذه القصة من الأساس، رغم أن جمهور من المؤرخين يعتقد أن هذه القبيلة كانت وثنية عندما دخلت بلاد الشام، وأنها أسلمت عند السلطان علاء السلجوقي.

ثالثا: دور الإمام محي الدين بن عربي

يعتبر ابن عربي شخصا ذا رمزية في العقلية التركية فهو عند الأتراك كابن تيمية عند العرب، فلن تجد كتابا تركيا لا يتحدث عن ابن عربي حتى في كتب ملاحدة الترك فهم يستدلون على آرائهم بكتب ابن عربي، أو يتحدثون عن جبل قاف الذي يحيط بالأرض الذي كان يتحدث عنها ابن عربي، الغريب أن يحدث لقاء وصداقة بين ابن عربي والأمير أرطغرل، وهذا أمر لا تحويه لا كتب التاريخ ولا الجغرافيا، فابن عربي طوال إقامته في المشرق كان يقيم في دمشق، وكان أرطغرل يقيم في أطراف حلب، وربما تعاصر الرجلان فكانا في عصر واحد، ولكن لا يوجد مصدر واحد يتحدث عن لقائهم ناهيك عن صداقتهما.

رابعًا: شخصية الأفشين

هو شخصية تشبه رجل المستحيل يقوم بعمل اختراقات خلف صفوف العدو، فيتنكركمقاتل في القبيلة التركية أو كشرطي في مدينة حلب أو كراهب كاثوليكي في صفوف الصليبيين، ويقوم غالبا بأعمال فدائية والإشكالية في هذه الشخصية هي أنها تقوم بأعمال غير منطقية من الأساس، فعندما تنكر بزي راهب ودخل على الأسير التركي المسلم تورغوت وسمح له السجانون بالدخول إلى زنزانة تورغوت رغم أن تورغوت في زنزانة انفرادية وحسب كلام قائد الصليبين الكاهن فمن غير المسموح بالدخول على هذا السجين تحديدا، لكن الأفشين المتنكر بزي الراهب دخل على تورغوت وانفرد به، وأخذ يكلمه بعد أن أقنع سجانيه بأنه لا يريد سوى تبشيره بالمسيحية، وأثناء حديثه مع تورغوت دخل الكاهن قائد الصليبيين على الأفشين وتورغوت فتعجب من وجود الراهب ولم يعاقب السجانيين الذين خالفوا كلامه ولم يعاقب الراهب كذلك، بل سمح له بالخروج فكانت هذه رواية غير منطقية وغير موفقة، وكذلك طريقة هروبه بعد أن اكتشف أمره في عربة يجرها الحمار مع جثث القتلى من فرسان القلعة الصليبية.

خامسًا: أرطغرل الرجل الخارق

بالغ المؤلف والمخرج على حد سواء في إظهار شجاعة أرطغرل ومعاركه مع شرطة حلب ومع فرسان المعبد وكذلك مع مقاتلي التركمان؛ فقد أظهروا الصليبيين وشرطة حلب بشكل ضعيف وأن بضعة مقاتلين تركمان يستطيعون إبادة عشرات من فرسان المعبد الصليبيين في مغالطة تاريخية كبرى، ففرسان المعبد عُرفوا بشدتهم وقوتهم وقاتلوا قتال الأبطال في الحملات الصليبية وحتى في جزيرة رودوس، فلم يكن من المناسب هذا التمجيد في إظهار قدرة الترك على استخدام السيف رغم أنهم تاريخيا لم يشتهروا بإجادة القتال بالسيف مثلما اشتهروا برمي النبال وخصوصًا أثناء جري الخيل.

سادسا: تجاهل العرب

تجاهل المؤلف العرب تماما لقد أظهر مدينة حلب كمدينة تركمانية لم يتحدث عن العرب رغم أن العرب هم من أكثر أهل حلب، ولم يظهر طبيعة العلاقة بين التركمان والعرب وتجاهل كذلك وضع الخليفة العباسي رغم أنه كان شخصا مهما، كذلك أهمل التحدث عن من سماهم في بداية المسلسل بأحفاد صلاح الدين؛ فغاب عن المسلسل أي دور لأبي الفداء الأيوبي أمير حماة، والصالح أيوب أمير مصر، والناصر يوسف، أو أي ذكر لأي أمير أيوبي بالاسم، بل تم التركيز فقط على مدينة حلب ربما لأن حاكمها تركي العرق!

سابعا: المشاهد العنيفة

بصراحة لا أنصح بمشاهدة الأطفال لمثل هذا المسلسل، لأن هذا المسلسل مليء بالعنف اللفظي، ومشاهد القتل والقتال وفي الحلقات الأخيرة يقوم سليمان شاه والد أرظغرل بعملية قطع رأس للكوركوت أوغلو المتحالف مع الصليبيين في مشهد داعشي بامتياز يشبه إصدارات مؤسسة الفرقان.

وفي الختام لا يسعني سوى الثناء على العمل بالعموم فهو عمل جيد ركز على فترة نغفلها من تاريخنا ومن تراثنا، وهي فترة سلاجقة الروم وهجرة الشعوب التركية إلى الأناضول قبل 700 سنة، واحتوى كذلك العمل على شيء من سيرة الشيخ المظلوم محي الدين بن عربي الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، الذي تم تشويهه في التراث الإسلامي المعاصر بسبب صراعه وصراع تلاميذه مع ابن تيمية الذي يسميه معاصروننا بشيخ الإسلام، وكذلك تحدث المسلسل عن تسامح المسلمين مع النصارى والصليبيين، بينما كان الصليبيون يردون على التسامح بالتعصب ويبذلون طاقتهم في تنصير الأسرى المسلمين، والمجيء بمزيد من الحملات الصليبية لقتل أهالي الهلال الخصيب، وأيضا المسلسل وعلى خلاف الأعمال الفنية التركية محافظ جدا؛ فلا توجد مشاهد خادشة للحياء مما يكثر في المسلسلات التركية، ولا توجد جلسات خمر ورقص للنساء سوى بعض الرقصات الشعبية بالسيف، وهذا مما عزز فرضية أن المسلسل يقف وراءه حزب أردوغان العدالة والتنمية خصوصا زيارة الرئيس التركي لموقع التصوير وأخذ الصور مع أبطال المسلسل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد