يدخل مندوب شركة الأدوية على الطبيب المبجل في عيادته الخاصة بعد أن قطع مسافات طويلة متنقلا بين عيادات الأطباء في حرّ الشمس الملهبة مُنهكًا جسده متصببًا عرقه، يدخل على الطبيب ليعرض عليه دواء شركته، سيبدأ المندوب في حديث علمي عن دوائه ودواعي استخدامه وميزاته لعلّه يهزّ قلب الطبيب ويكسب إعجابه ليكتب له دواء شركته في وصفاته فيحقق المندوب هدفه المطلوب (the target) الذي سيثبّت قدمه في شركته ويُرضي مديره عنه!، فيبتسم الطبيب ابتسامة شيطانية صفراء ويقول للمندوب المسكين بصوت حزين: أتعرف أيها المندوب؟ أنت مسكين وحالك يحزنني! لأنني لن أكتب لكم هذا الدواء في وصفاتي للمرضى!، فيتساءل المندوب باندهاش: لماذا يا دكتور؟ هل هناك شيء يغضبك في شركتنا؟ يتنهد الطبيب ويمد ظهره على أريكته متمطيًا ويشير لأحد الأجهزة في العيادة قائلا: أتعرف؟ هذا الجهاز أهدته لي شركة كذا! والتلفاز الذي رأيتَه في غرفة الانتظار أهدته لي شركة كذا! و… و… فماذا ستهديني شركتكم؟! بدأ العرق يتصبب من المندوب بعد أن شحب وجهه وامتقع لونه وقال بصوت متردد: شركتنا تحت أمر حضرتك فماذا تطلب؟ يبتسم الطبيب ابتسامة الانتصار ويعود ليتكئ على مكتبه مرة أخرى هامسًا في أذن المندوب: أريد (لاب توب)!

يسكت المندوب قليلا من هول الصدمة؛ فهو غير معتاد على هذا النوع من الأطباء ولكنه يتمالك نفسه ويرد على الطبيب قائلا: سأقدم طلبك لمديري في الشركة وانتظر مني ردّا، وانصرف المندوب يجرّ أذيال الخيبة!

يذهب المندوب المثير للشفقة إلى مديره ويعرض عليه طلب الطبيب ولكن المدير يرفض فيبدو أن إمكانيات الشركة المتواضعة لا تسمح بتلبية طموحات هذا الطبيب فتطير الصفقة من يد شركة الأدوية المسكينة! وينتظر الطبيب عروض شركة أخرى لعلها تستطيع تلبية طموحاته!

يأخذ المندوب حقيبة مفاوضات جديدة ليذهب بها إلى طبيب آخر ليجرّب حظه! يدخل المندوب على الطبيب في عيادته فتتهلل أسارير الطبيب الذي ينتظر عروضًا جديدة ويعرض المندوب دواءه على الطبيب فيطرق الطبيب قائلًا: ولكن لي طلب عندكم، أريد أن أذهب إلى فندق ريكسوس! – وهو لمن لا يعلم فندق سياحي في العلمين تكلفة الليلة الواحدة فيه أكثر من 6000 جنيه! وبعد الدفع كل خدماته في تلك الليلة متاحة لك بلا مصاريف جديدة! – لم يندهش المندوب هذه المرة فقد اعتاد على هذا النوع من الأطباء المتطلعين! ووعده بإبلاغ مديره بطلباته الجديدة.

لم يكن للشركة أن تقدم خدماتها للطبيب دون أن تتأكد من صدقه وولائه لها، لقد عُقدت الصفقة وأبرم الاتفاق، ولكن كيف تتأكد الشركة من إخلاص ذلك الطبيب؟ لا بد هنا من عمل المخابرات الخاصة للشركة، فيذهب المندوب – الذي ذاب حذاؤه من كثرة الإرساليات! – إلى الصيدلية التي أسفل عيادة الطبيب ويسأل الصيدلي: هل يكتب الطبيب دواء شركتنا أم لا؟ يَسْعَد المندوب حين يعلم أن الطبيب كان صادقا في وعده فهو بالفعل يكتب الدواء للشركة فقد جاءت وصفات كثيرة من الطبيب للصيدلية مكتوب فيها الدواء المطلوب.

ولكن كان هنالك مفاجأة! أخبر الصيدلي المندوب أن هذا الطبيب يكتب الدواء المنافس لدواء الشركة أيضًا في وصفات أخرى بنسبة 1:1 للدوائين! يا للصاعقة! إنها خيانة عظمى! يبدو أن الطبيب يلعب على كل الحبال ويعقد الصفقات مع الشركة ومنافستها ليجني أكبر قدر من الربح! ثارت ثورة المندوب المخدوع! وذهب غاضبا للطبيب ليواجهه بحقيقة خيانته، ولكن الطبيب أصرّ بتعجرف على أنه من حقه أن يكتب أدوية كل الشركات! ولكن المندوب أصرّ على أن الشركة لا تقدم عروضها السخيّة له لوجه الله، حدثت المشاجرة، وانصرف المندوب تاركا هذا الطبيب المخادع للأبد، ويا للخسارة! لقد ضاعت من الطبيب فرصة الإقامة في فندق ريكسوس الفاخر! لقد تحطمت كل آماله الحالمة بسبب طمعه وجشعه وصدق من قال: الطمع يقل ما جمع!

هاتان القصتان ليستا مشاهد من فيلم مصري أو مسلسل تركي بل هي قصص حقيقية أخبرني عنها مندوب شركة أدوية مقرّب تلخص لنا واقعا أليما صرنا إليه بعد أن أصبحت كتابة الدواء في بلدنا خاضعة للصفقات والمساومات بين الطبيب وشركات الدواء لتكون مصلحة المريض الصحية والمادية هي آخر شيء يفكر فيه الطبيب – إلا من رحم الله -.

لقد صارت الهدايا – الرشاوى إن صح التعبير – شيئا عاديا في المجال الطبي ليستفيد الطبيب وشركة الأدوية سواءً بمبدأ (نفّع واستنفع!)، فلا مانع أن يذهب الطبيب هو وزوجته وأولاده لمؤتمر طبي في محافظة أخرى على حساب شركة الأدوية متضمنا مصاريف الإقامة والوجبات في أفخر الفنادق السياحية! والمبرر واضح، إنها مؤتمرات علمية تعود بالخير والنفع على الطبيب والمريض!

ولكن الأمر قد يتطور حين يتم دعوة الأطباء لمنتجع سياحي في أحد الشواطئ على البحر الأحمر وفي أفخر الفنادق ولكن هذه المرة لا توجد مؤتمرات طبية فما المبرر؟ أعتقد أن الهدف النبيل من ذلك هو تشجيع السياحة وزيادة الدخل القومي للوطن! وقد يتطور الأمر لتتم دعوة الأطباء الكبار – ومقياس الكِبر هو مدى شهرته ومعدل حالات عيادته وعملياته ومراكزه الخاصة!- إلى مؤتمرات في أوروبا وأمريكا مدفوعة الأجر! تتباين الهدايا العينية التي تقدمها شركات الأدوية للأطباء بين أقلام ودفاتر ووجبات فاخرة ثم أجهزة تلفاز وأجهزة رسم قلب وربما جهاز تكييف للعيادة ليوفر للطبيب الجو الأمثل للتشخيص السليم وتوفير عناية طبية جيدة للمريض! ولا تنقطع الهدايا ما دام الطبيب ملتزمًا بكتابة أدوية الشركة لينتفع الطبيب بالهدايا والرحلات وتنتفع شركة الأدوية بالمكاسب المالية الجبارة أما المريض فهو من يدفع من جيبه ثمن كل هذا، فلك الله أيها المريض المغبون.. لك الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد