أصل الحكاية

لا تزال تلك الكلمات للدكتور «مرسي» الرئيس المصري المختطف، ترن في أذني وعقلي ووعيي، وتستدعي جميع جوارحي، وكل فهمي، عندما قال: «إذا استمر السيسي حيجيب لكم من قعر الزبالة»، وبغض النظر إذا كنت أتفق أو أختلف مع سياسات الدكتور «مرسي»، ومن المؤكد لكل من يعرفني، أنني لا أنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، ولكنني أحترم الرجل، وأكنُ له كل تقدير، فلا خلاف ولا اختلاف على كونه أول رئيس مصري منتخب، بل والوحيد الذي جاء للحكم عن طريق انتخابات حرة نزيهة في عصر مصر الحديثة، رجل لم يقصف في عهده قلم، ولم تصادر عنده حرية، ولم يعرف مؤيد أو معارض طريقًا لمعتقل، أو دربًا لسجان، خلال فترة حكمه.

وعودة لكلمات الدكتور «محمد مرسي»، فقد كنت أعتقد ومعي الكثيرون حينها، بأن التفسير الواضح للخطب الفادح، يرتبط باستشراف الرئيس لمدى الدمار السياسي والاقتصادي، وكذلك الاجتماعي، الذي سيلحق بالبلاد نتيجة اغتصاب أول تجربة ديمقراطية، ووأد الحياة السياسية المصرية الوليدة في مهدها، وعلى فراش طفولتها، وفي أحضان ابتسامتها؛ نتيجة لعودة الحكم العسكري بديكتاتوريته، ودمويته، وفساده، وإفساده.

ولكن مع مرور الأيام والسنين، ومع تبدل الظروف والمعطيات من حين إلى حين، ومع زيادة المحن والاختبارات للأفراد والمجموعات لجميع المصريين من مؤيدين ومعارضين، بات التفسير لا يناسب التوصيف، وظهر أن المعنى أدق وأشمل، وأن التفسير أعم وأكمل، فرأيت أن التوصيف يستمد تعريفه من عواقب وتوابع كارثية، لحالة التدني الأخلاقي والديني، والتي أنتجها الانقلاب، وتوابعه بين المؤيدين والمعارضين.

تشخيص الداء

فعلى صعيد المؤيدين للنظام، وبين حاشيته، وخدمه، والمسبحين بحمده، وكهنة معبده، وحماة عرشه، من شيوخ السلطان، وشياطين الإعلام؛ ظهرت علينا مخلوقات في خَلق الإنسان، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تعرف إن كانت من بني الإنس، أو من مردة الجان، فعمَّ النفاق، والتطبيل، والتهليل، والفساد، والإفساد، وبلغت الاستهانة بالدين، والأديان، وبالأخلاق، والأعراف، والقرآن مبلغًا لم تعرف له مصر مثيلًا، ولم تحكِ عنه الكتب، ولو حتى أساطير، فباتت حثالة البشر، وأئمة الفُجر، وقادة الغجر أعلامًا تتطاول على الدين والأخلاق، وتُحقّر من رموز الأمة، ومن أصحاب العمة؛ فانتشرت الفتن، وعمت المحن، ولكن لا عجب ولا عجاب، فقد زادت الزبالة، وكثرت على القوم الحثالة، ولكنه تاريخ طويل عفن، من القتل والتعذيب والتنكيل، ومن كل قاع نتن.

ولكن العجب العجاب، هو ما صار إليه حال الجسد المعارض، وما آلت إليه دار الفكر المناضل، ولعل هذا يأخذنا إلى بيت القصيد، وإلى جذور الداء الوليد، فمن العلم، وبالعلم نعلم، ومن أصول الطب، والأمراض نفهم، أنه إذا أردت أن توصف الداء، وتتعرف على سر الداء، فيجب أن تدرس الجسم، وطبيعته في كمال صحته، وسلامة تركيبته؛ لكي ترى تأثير المرض وجرثومته، وتتعرف عن أطواره وكينونته.

ولهذا فأجل الأخطار، وأشد الأطوار، يتمثل في الحالة المتدنية لمعايير الأخلاق والتعاملات، والتي ضربت جسد المعارضة والأخلاقيات، فتأثر بها ذلك الجمع النقي، وهذا الفريق الأبي، فرغمًا عن كون المعارضة المصرية لم تجتمع على هدف، وجلّ تاريخها السياسي في مصر هو درب من الخرف، إلا أن الثورة قد غيرت المعايير، وولدت من بطون الميادين أشاوس ومغاوير، فمعارضة اليوم على ضعفها ووهنها، تضم وبلا شك خيرة الناس، ومن أطهر الأنفس والأناس، فلا أدل على وطنية ولا إخلاص، ولا على جهاد إلى خلاص من رئيس قد اُختُطِف، وشهيد قد قُتِل، ومظلوم قد اُعتُقِل، ومناضل حر قد دفع الثمن في أهله وأخيه، وآخر قد فر بنفسه أو أهليه لغربة بلا أمل، وأرض بلا عمل، أو بطل محكوم، أو مطارد في بلاد قد عمّها الظلم، وغشيها خيبة الحلم.

لأن العلاج والحل يكمن في معرفة أصل الداء؛ لكي يوصف الدواء، فيجب علينا أن نعي أن آفة المعارضة المصرية هي في بيئتها السياسية، ومكوناتها الهيكلية، تلك البيئة التي تعرضنا لها من قبل بالشرح والتفصيل، وبالتعريف والتأويل، وتشتمل على عدة مكونات وكثير من المحتويات، يأتي على رأسها، ودرة تاجها، المكوّن الأخلاقي، والمعيار التعاملي بين المجموعات.

ويأسف القلم ويتأسف، ويتألم الكاتب حين يكتب عن واقع مرير يعلمه، أو يتعلم بأن المعايير الأخلاقية داخل محراب المعارضة المصرية قد وصلت لحالة غير مسبوقة من التدني في التعامل، والتواصل بين الأفراد والمجموعات، وأن المكوّن الأخلاقي قد تردى، وتغير في خمس سنين، من بعد الانقلاب إلى يومنا هذا؛ فتبدلت الأصول، وتغيرت معايير الرفض والقبول.

بات الجميع أعداءً، وصار الكره طريقةً ونبراسًا، وتلاعبت بالناس الأهواء، تشتت الجمع، وانفض الصف، فأصبح الكل مشغولًا بلقمة العيش، وبقوت اليوم، صار الأمثل هو البعد عن الجميع، والالتزام بالمنظومة الفردية والشخصية في أضيق نطاق، وأقل عدد من الأصدقاء، فباتت الغرف المغلقة ملاذًا للشرفاء، ومحرابًا للنبلاء، فتحولت المنظومة إلى وحدات شخصية مكلومة، لا يرجى منها نصر، ولا ترى فيها مددًا، ولا تغييرًا لأي عصر.

أصبح من المقبول أن تسمع أو ترى مجموعات وأفراد لا تجد قوت يومها، ولا ما تكفل به أهلها، بسبب الخلافات والمشاحنات، وصار من الطبيعي أن يتوقف الجميع باعتبارهم مشاهدين أو مراقبين، فإذا تدخلت قد يصيبك من المهانة والإهانة، ما لا يخطر على بال صغير أو يحلم به كبير.

توصيف الحازل ووصف الدواء

تبدلت معايير الخلاف والاختلاف، وتُحدثنا التجارب عن مدى تبدّل الأخلاق، وتغيّر المعايير والموازين عند النزاع أو الاختلاف، حيث الفُجر في الخصومة والأحقاد المكتومة، بلا علم ولا عمل، وبجهل طافح يسبقه الصراخ، والذم، وسوء الكلام، وغياب الدماثة، والحُلم، أو تقديم العفو والفهم.

وهنا يتجلى قعر الزبالة، وتتكاثر جراثيم القمامة، فعندما يضعف الجسد أو تصاب مناعته؛ تنشأ بيئة قميئة، تمنح الفرص، وتعطي الطريق لمخبري النظام وجواسيسه، وأذنابه وحملة أمراضه وكوابيسه، لكي ينشروا الفتن ويشوهوا الرموز والقمم، ويعملوا من أجل وقف العمل والقضاء على الأمل.

فهؤلاء الجراثيم تمت زراعتهم وتحضيرهم وتلقيحهم منذ فترات كبيرة، وداخل مجموعات عديدة، لكي ينطلقوا مع توفر البيئة المناسبة، بيئة قليلة الخُلق والأخلاق عند التنازع أو الاختلاف، فتراهم في كل محفل وجمع، وقد انطلقوا سبّابين لعّانين بلا سبب واضح، وبلا أي وازع خلقي، أو عرفي، وبأخلاقيات خنزير بري جامح، فهم مثل الجرثومة المتحوصلة، يتخفّون في ثياب العفة والنضال؛ لكي ينشروا المرض والدمار، فالهدف كل الهدف هو إيقاف المسيرة، وإنهاء المحاولات المستمرة والمريرة، من أجل تحرير بلادنا المغتصبة الأسيرة، هم الخطر كل الخطر، فاحذروهم، وقاوموهم، فلا خيانة أدهى، ولا أحقر، ولا أمرّ من استغلال ضعف الجسد الصالح، للانقضاض عليه مثل الشيطان الأشر.

فأخطر الأخطار، وقعر الزبالة المحتضن للجراثيم والمدمر لكل الأخيار، هو تلك البيئة الأخلاقية المتدنية، وذلك المكوّن البيئي الهدام، فلا بد لنا بصفتنا معارضة مصرية من تحصين أنفسنا، وأعمالنا، وكل نضالنا ضد هذا المرض وحامليه، وضد ناشريه وحاضنيه، نحن في حاجة ملحة وعاجلة إلى ميثاق أخلاقي واضح، يلزم الجميع بآداب الخُلق والأخلاق، ويقضي على الجراثيم المسببة لتلك الأمراض، تلك الجراثيم التي تنمو من قعر الزبالة؛ لكي تهاجم الجسد المعارض، مستترة وراء أهداف نبيلة، وصور مزيفة، وقصص وضيعة، تهاجم الجميع والكل، وتشككّ في أي فرد أو محاولة، وتعمل على القضاء على كل حلم أو مبادرة، تخشى الكلمة، وتفر من الحكمة، فعدو المرض هو الطهارة، وقاتل الفتنة هو الحكمة، والكلمة، والخُلق، والعفو.

ولقد أثبتت الخبرات، والتجارب في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، أن الأساس هو بناء البيئة الأخلاقية السليمة؛ فالمكوّن الأخلاقي هو أساس بناء أي منظومة تغييرية صالحة، يتحرك فيها الأفراد بوازع إنساني داخلي، مراقبين الله في أعمالهم، ومخلصين له في كل نضالهم، فيجب علينا الحفاظ على هذا المكوّن وتدعيمه، وتأصيل جوانبه داخل مجموعات المعارضة وأفرادها.

ولهذا فأنا أدعو جميع رموز المعارضة، ونخبها، وأهلها وكل عمومها، بأن يجتمعوا من أجل إخراج هذا المنتج الأخلاقي، ومن أجل التأصيل لميثاق أخلاق يوضح منهج الخِلاف ويحدده، ويمنع التدني عند الاختلاف ويُحجِّمه، ميثاق أخلاق يحافظ على الاحترام المتبادل، ويضع معايير للتخاطب، والتحاور بين الأفراد، والمجموعات، وفي المحافل والمنتديات، وبين كل المجاميع والمجموعات، ميثاق أخلاق تراقبه لجنة حاكمة عادلة، ترتفع عن الأهواء الشخصية والجماعية، ولكن تعمل من أجل الخير للجميع.

متى يتحقق الأمل؟

يتحقق الأمل عندما نستمع لبعضنا البعض باحترام واهتمام، وتقدير واحترام، عندما نساند المظلوم، ونتصدى للظالم بمهنية، وحرفية، وحب، ومفهومية.

يتحقق الأمل عندما يكون لدينا منهج ونهج؛ لكي تتعافى الروابط بين مجموعات المعارضة في الخارج، وعندما يشعر كل فرد بأنه عضو في أسرة كبيرة تعنى بهمه وتهتم لألمه، ولا تتفرج عليه، أو تشمت في مصيبته، أو غمه، لا تنتظر له خطأ، ولا تتصيد له هفوات، لا تحكم عليه؛ لأن لديه حلمًا مختلفًا، أو أنه يرى أن الحل في غير الخط المستقيم، أو داخل شبه المنحرف، فأصل النجاح وأساس الإبداع في اختلاف الأحلام، وفي تنوّع الطرق، وكثرة الإسهام، يتحقق الأمل عندما نرتقي بأخلاقنا، فنوقّر كبيرنا، ونحتضن صغيرنا، ننصح بلا تطاول، ونختلف بلا فُجر، ولا تشويه.

نحن في حاجة ملحة وعاجلة إلى ميثاق أخلاق؛ ينتشل الجميع من قعر الزبالة، ويحصن الجسد من شر تلك القمامة، قبل أن يفوت الآوان، وتتحكّم بنا مقادير الأيام والأزمان، فيموت المريض، ويشيع الجسد من جديد، ويتحول الأمل إلى أوهام، وإلى بقية من أضغاث أحلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد