بلاد تحرم الخمر وتنتج كل الأسباب التي تدفعك لشربها، مقولة الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي، لم تكن بعيدة كثيرًا عن الكاتب الصحفي، إبراهيم عيسي، وهو يطالب بأن يكون هناك حق للمواطن في المعرفة، أشاهد الإعلان وأضحك، كيف يمُارس هذا الزيف علنًا، لماذا يحجبون الحقيقة إلى هذا الحد، يخافون منها إلى تلك الدرجة.

 سخافتهم وصلت إلى إنتاج إعلان يحثك على المعرفة، لكنهم رفضوا الإجابة عن ممول تلك الحملة، تمامًا كما حجبوا الأسباب الحقيقية لتلك الحرب الضروس بين بعض الدول العربية وقطر، الأسباب المعلنة واهية، دخول واشنطن على الخط السياسي يجعلك إنسانًا مشوشًا، ليس السؤال من على حق، لكن لماذا يكون الحق مجتزئًا، جميعنا – بشكل أو بآخر – نشجع الإرهاب على تماديه وبقائه.

 ماكينة الأخبار لا تهدأ، جلسة تيران وصنافير لن تكون علنية، لن يراها الشعب الذي انتخب نوابه، لن نعرف من البائع ومن الشاري، بودنا أن نقول: «يفتح الله» لكن حتى تلك الكلمة لم تعد من سلطتنا، القوة فوق الحق، والحكومة فوق الشعب، المقولة لم تكن مقلوبة في أي وقت من الأوقات تلك حقيقتها، لولا أننا نراهن دومًا على المستقبل على طريقة: الأمل واهن، لكنه موجود.

ليس من حقك أن تعرف أي شيء، الغوص في التفاصيل مرهق، الحقيقة الغائبة تؤرقك ولا تجعل منك رأيًا، بالأمس قالوها صريحة: ليس لك رأي، اليوم يتبعون طرقًا جديدة، قليلون لديهم القدرة على استخراج الإبرة من كوم القش، وكثيرون سيتوقفون طوعًا وهم يرددون نكات قيلت مائة مرة، لكن الرغبة في الضحك كفيلة بمنحهم قهقهة لا تتوقف إلا على حزن أليم.

 أنا مواطن لا أعرف شيئًا، لماذا يفعلون كذا، من العدو ومن الصديق، لماذا يخوفونا دومًا من أمريكا وروسيا وإسرائيل ودول أوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، لماذا يلعنون كل دولة على حدة؟ ولماذا لا يقطعون العلاقات معهم؟ لماذا لا يردون على أسئلتي الساذجة بأجوبة ساذجة؛ لتكون الكفة معتدلة، شرط أن تكون أجوبة لا مزيد من الأسئلة أو التكتيم والتعتيم.

 تترك الحقيقة وراءك، الخونة كثيرون والمنافقون أكثر، سنتنازل عن الحقيقة مقابل التوهة في الغيبيات، سنتعلق بالسحر والدجالين، بالطبع سيملكون الحقيقة، الدولة نفسها تسير في هذا الاتجاه، مسلسلات رمضانية بملايين الجنيهات لإثبات وجود الجن والعفاريت، لتغذية الشعور بأن هناك عالمًا آخر يراقبك، وعلى طريقة إعلان الحق في المعرفة، فإن تلك الدولة هي نفسها التي تخرج سنويًا لتقول: إننا نصرف مليارات الجنيهات على أعمال الدجل والشعوذة ويخرج بعض المراكز التي تصرف عليها الدولة؛ لتؤكد أن لديها علاج لتلك الظاهرة.

 الحقيقة الغائبة تؤدي إلى التعلق بالغيبيات، الحلم المنشود والفارس العادل لم يكن بعيدًا عن تلك النظرية، الخذلان مرة بعد مرة يؤكد ذلك، الإنسان عبد اليقين، لن يرتاح إلا حين يعلم، تلك فطرة الله، نبيه إبراهيم طلب أن يطمئن، وكان الله به رحيمًا، فأخبره بما يريد معرفته حتى يهدأ باليقين ويمارس دعوته، الله أيضًا أخبرنا بالجنة والنار، الثواب والعقاب وأكد أن رحمته وسعته كل شيء، لم تكن عبادته سُتبني على شك، لم يقل لنا أنا الله فصدقناه، لكنه جاء بمعجزة تلو أخرى ليرتاح عقلنا بأنه خالق كل شيء.

النهاية فتح باب للكثير من الأهواء والقليل من الآراء، الجميع متخبط، مشوش، والكثيرون يستغلون الحالة للعب على كل الأوتار، ومن صنعوا ذلك فرحين بإنشائهم مواطنًا مزيفًا، سيسكت أمام كل حدث خطير، المعلومة الواجب توافرها غائبة فلن يتحرك، سيستمع لكل من يقول لها انظر هناك؛ هذا ما حدث، سيظل أثير كل شيء، لكنه لن يتخذ قرارًا، سيظل عاجزًا، وكلنا كذلك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد