إن العقل البشري يتصرف وفقًا لما تغذيه من معلومات، فإن كانت مدخلات العقل معلومات صحيحة سيكون النتائج في الغالب صحيحة، وإذا كانت تفتقد للدقة والصواب؛ فبالتالي يكون الناتج غير صحيح، فعلى سبيل المثال إذا ظننت بأحد الأشخاص شيئًا خطأ وتصرفت بناءً على ذلك الظن ولم تتبين من صحة معلوماتك، فسوف تقوم بظلم ذلك الشخص عندما تكتشف أن ما جاء لك من بيانات عنه غير صحيحة، وهذه الحالة نقع كثيرًا فيها فنحكم أو نتصرف وفقًا لمعلومات خاطئة، ونكون نحن أول الخاسرين.

ماذا لو كانت المعلومات المدخلة إلى العقل تخص شيئًا خطيرًا في حياتنا أو يكون عليها تحديد مصير كبير في المستقبل كمعلومات عن زوج أو زوجة أو عمل أو غير ذلك يؤثر حتمًا فينا، فضلًا عن سوء المعلومات فهناك شيء أخطر من ذلك، وهو سوء الفكر أو كيف تدير هذه الأفكار لتخرج هذه النتائج، وهذه التصرفات التي تفعلها وفقًا لطريقة تفكيرك، يقول جيمس آلان أنت اليوم حيث أوصلتك أفكارك، وستكون غدًا حيث تأخذك أفكارك، ولو مررت شريط حياتك تجد هذا الشيء صحيحًا بنسبة كبيرة جدًّا؛ لأن غالب ما تفكر فيه تتحرك نحوه وتهيئ نفسك وعقلك لإنجاز هذا الشيء حتى ولو مررت ببعض المشاكل والهموم، ستجد نفسك في النهاية تسير حيث تريد وحيث ما يشغل تفكيرك ليلًا ونهارًا.

بعضهم يُشير إليك أن ما أنت فيه الآن نتيجة طبيعية لذنوب ارتكبتها وتراكمت عليك، والحقيقة ليست ذنوبًا فقط، فقد تكون هناك بعض الذنوب تحول بينك وبين توفيق الله لك، ولكن هناك أيضًا سوء فكر تتبعه دائمًا ينقلك من سيئ إلى أسوأ، طالما لم تغير مدخلاتك ستكون النتائج حتمًا واحدة، ورحم الله الرافعي حينما قال أشد سجون الحياة فكرة خائبة يسجن المرء فيها نفسه، لا يستطيع أن يدعها، ولا هو قادر أن يحققها.

الفكر السلبي أيضًا يجلب العداوة الوهمية لمجرد نظرة أو موقف يمر عليك تأخذك مخيلتك لجلب العداوات الوهمية، التي ليس لها أساس من الصحة، وتتفاجأ فيما بعد بأنك تعيش في وهمٍ كبير، وليس للطرف الآخر أي شيء في قلبه من ناحيتك، فالظن السيئ دائمًا يأتي من الفكر السيئ فعليك التحكم في عواطفك التي تجلب لك العداوات دون مبرر، فكل ما تُحدث به نفسك من أفكار سلبية تؤثر في قراراتك، وفي حياتك بشكلٍ عام، والعكس صحيح كلما حدثت عقلك بأفكار إيجابية كلما كانت النتائج طيبة للغاية، وهذا ما تبينه الدراسات الحديثة أن أكثر من 70% مما نحدث به أنفسنا عبارة عن أفكار سلبية، فالأفكار التشاؤمية تبطئ عمل العقل، وقدرته على التفكير والإبداع.

وعلى الجانب الطبي تقول إحدى الباحثات بكلية الطب جامعة هارفارد، إن الصحة الجيدة لا تقتصر فقط على غياب الأمراض، وإنما تمتد إلى الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة ومتغيراتها، إن التفاؤل والسعادة والمرح ممكن أن تحمي القلب والشرايين من الأمراض، فيتصرف المتفائلون غالبًا بطريقة صحيحة، فيمارسون الرياضة، ويحرصون على اتباع حياة صحية في المأكل والمشرب والنوم، بعيدًا عن العادات الضارة، وهذا واقعي جدًّا لأن نظرة المتفائل للحياة مختلفة تمامًا عن نظرة المتشائم، والمتفائل يجد دائمًا حلولًا، عكس المتشائم الذي يخلق الأعذار في كل شيء يفشل فيه، فكل ذلك بدايته من الأفكار، وكيف تقودك دون أن تشعر.

وعلى الجانب الديني يستحضرني ذلك الموقف عندما أسلم سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقد تأخر إسلامه من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم عشرين عامًا، فقال له بعض الصحابة بعد إسلامه لماذا تأخر إسلامك وأنت من أنت في العقل والحكمة؟ فرد عليه سيدنا خالد وقال كان يسوسنا رجالاً نرى أن عقولهم تزن الجبال، وكنا نتبع أي نسير خلفهم دون فكر.

وهذا الحال يتكرر بالتفصيل الآن بين شباب المسلمين، نرى شباب يتبع من يرونهم على الحق في كل شيء وتفرض العصبية على قلوبهم، فيدافعون دون فكر ويسيرون دون وعي يغضبون إذا بيّنت لهم الحقائق، ويثرون وينصبون لك العداء فقط لأنك وضحت لهم أنهم على خطأ.

وأيضًا هل تتذكر كيف كان تفكير الكفار في الجاهلية ومنذ بدأ الخلق، كان تفكيرهم غريبًا للغاية وعقولهم لا تعمل مطلقًا، إذ كانوا يصنعون تماثيل من العجوة والخشب، يقومون بعبادتها ثم يأكلوها، والآخر يصنعونها ثم يبيعونها، فكيف يصنع الإنسان شيئًا ثم يقوم بعبادته، ومنهم من ينحته بيده ثم يسجد له.

وما أجمل ما قاله سيدنا إبراهيم لهم عندما كان طفلًا صغيرًا، وكان والده يعمل نجارًا، ويقوم بصنع هذه التماثيل، ويرسل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى السوق، فكان وهو طفل يقول للناس اشتروا ما يضر ولا ينفع، وظل يراود عقله ويرفض كل ما يعبدونه من أصنام وغيرها، حتى عندما رأى الشمس والقمر والكواكب كل ذلك قام برفضه عندما عرض على عقله، وقال إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، وإذا كان الكفار والمشركون تفكيرهم بهذا الشكل منذ قرون عدة، فاليوم مع كل هذا التقدم العقلي تجد من يعبدون البقر وغيره، وما زالوا مصدقين ومقتنعين بما يفعلون؛ بل تجد من يتهمك أنت بالكفر.

كل ذلك من سوءات الفكر التي تتحكم في حياة البشر، قد تكون أنت أيضًا من تحمل فكرًا به اعوجاج، أو فكرًا يؤدي بك إلى طرق مغلقة تدفع بها الثمن من عمرك ونفسك ومالك؛ لكي تعيد التوازن مرة أخرى، ولكن عليك التأني في أخذ القرارات، وإعادة الفكر أكثر من مرة، ولا تنسى الاستخارة والاستشارة لمن هم أعلم منك، واستفتِ قلبك، وفي الأخير وازن بين قلبك وعقلك، ثم توكل على الله.

سوءات الفكر

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد