بادئ ذي بدء، فإنني رجلٌ أزهريّ، تتلمذت على مشايخ الأزهر جامعًا وجامعةً، وتمذهبتُ في صدر حياتي بالمذهب الحنفي، ثم تحولت إلى المذهب الشافعي بعد دخولي كلية أصول الدين وحضوري لدروس الشيخ علي جمعة مفتي الديار حينئذ، وعدد من مشايخ الجامع الأزهر الشريف!.

واليوم: وجدتُ نبرة عالية تخرجُ من جديد، تُعيدُ الأمورَ إلى سنوات خلت تتكلم عن الخلاف الأشعري الحنبلي – السلفي- وأن من لم يسلك هذا السبيل أو ذاك، فهو آثم ومخطئ، ولا يُعتدّ بقوله العلمي والفقهي! بل ربما يصل الأمر للتكفير والتفسيق بين أبناء الدين الواحد والملة الواحدة.

فالمعركة معروفة وتاريخية آنية، ومحتدمة بين الأشاعرة – الأزهر- وبين السلفيين، وكانت المعركة منحصرة في الأصول العقدية والكلامية، وما لبثت أن انسحبت إلى الأصول الكلامية العقدية والفروع الفقهية أيضًا؛ ففريقٌ يرى أن اتباع المذاهب الفقهية الأربعة واجبٌ، وفريقٌ يرى أنّ اتباع الكتاب والسنة فقط، هو الأصل، وأن ما سوى ذلك اجتهادٌ بشريّ! مع أن المسألة مذكورة في كتب أصول الفقه، ولا تحتمل اختراعًا جديدًا، أو إجبار الآخر على رأي بعينه.

سبب المشكلة؟

والمشكلة عندي ليست في اتباع هذا الرأي أو ذاك، بل في محاولة اتهام الآخر، بالفساد المنهجيّ، والنيل منه، والتشنيع عليه، ومحاولة حمل الخصم وإجباره على التحول عن منهجه، والنزول بكلّ ذلك الخلاف إلى العوام الذين لا يدركون طبيعة الاختلاف الفقهي والمعارفي، فيزداد البون اتساعًا، وتنفجر هوة الخلاف، والمستبدون في مأمن من أمرهم، فرحين بما وصل إليه رجال الدين من خلاف وشقاق وسب وتكفير وتفسيق!. فإنّ تلامذة ابن تيمية لم ينقلوا عنه جهاده عند السلاطين حتى سُجن بسبب مواقفه الأبية، وتلامذة التفتازاني لم يذكروا قوله في حاكم عصره: «وعن الشافعيّ رحمه الله أن الإمام ينعزل بالفسق والجور، وكذا كلّ قاض وأمير». –شرح العقائد النسفية 145-. ولم يذكروا قول حجة الإسلام الغزالي: «إن السلطان الظالم عليه أن يكفّ عن ولايته، وهو إما معزول أو واجب العزل». –الإحياء 2/ 111-.

ولم يذكروا قول الإيجي: «وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه». –المواقف 8/ 353-.

فلم يأخذوا عن مشايخهم ولم ينقلوا عنهم إلا سفسطة في الصفات وفروع العقائد! أمّا بواعث نهضة الأمة وحيويتها، فلم يبالوا!.

وكان الأمراء الذين سجنوا ابن تيمية، ومن سجنوا الإمام السرخسي الحنفي «الذي ألف كتابه المبسوط 30 مجلد في السجن بسبب كلمة حق»، يريدون أن يشتعل الخلاف، ويستمر، ويتسع، كي يبقوا في مأمن من الأمة ورقابتها!.

إنّ الحلّ الذي لا حلّ غيره هو احترام الآخر، بمنهجه بمذهبه، والتحول بالخلاف إلى الأطر العلمية، النقد المنهجي – التقويم والتفنيد والمناقشة- وليس النقض والهدم والاتهام!.

إنّ السلفيةَ كتلة كبيرة في المجتمع المسلم شرقـًا وغربًا، ولا يمكن إقصاؤها عن الحياة العامة، ولا يمكن كذلك تكميم أفواههم، وبعدما تأملت في مناهجهم وجذور أفكارهم، وجدتُ أنها نزعة نفسية في المقام الأول، فكثير من الخلائق يغلب عليهم هذا الطبع من الفهم، وهي نزعة موجودة أيضًا عند الشيعة الإمامية ولمستها بنفسي في كتابي: «ثبوت القرآن بين أهل السنة والشيعة الإمامية».

وكذلك الأشاعرة لهم مدارس عريقة وجذور ممتدة في تراث الأمة وعبقها: الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقيراون في المغرب، والأموي في سوريا، ناهيك عن الماتريدية في باكستان وأفغانستان والهند؛ فلا يمكن إخراجهم من جملة المؤمنين، أو محاولة إثنائهم عن منهجهم وتراثهم!.

وكلا الفريقين يقول نحن أهل السنة والجماعة!.

قلتُ: والإسلام يحتوي كلّ من قال لا إله إلا الله، ورحمة الله شاملة، والخلاف طبيعة بشرية، وسنة كونية، وخلقة إلهية، وإنّ الغرب وأوروبا استطاعوا تذويب الخلاف والتعايش معه، أما نحن فإذا انتهت معركة سنية شيعية اخترعوا معركة سنية سنية، أو شيعية شيعية، بل كتب التاريخ لنا، أن معارك قامت داخل المذهب الواحد! المهم: أن تكون هناك معركة!.

العز ابن عبد السلام، والمنهجُ التجميعي!

وكان سلطان العلماء رحمه الله العز بن عبد السلام، يفهم فهمًا أوسع، ويدرك أن ذلك الخلاف الممتد بين أجنحة الأمّة إنما هو في صالح العدوّ الخارجي، الذي يستفيد من إنهاك الأمة وشبابها في قضايا تشتيتية، لن تؤدي إلى تغيير قناعات، أو إطفاء حرائق، بل العكس هو النتيجة!.

يقول رحمه الله: «وقد رجع الأشعري رحمه الله عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلاً بالموصوفات، وقال: اختلفنا في عبارات والمشار إليه واحد»، وقال: «لازم المذهب ليس بلازم، لأن المجسمة جازمون بأنه في جهة، وجازمون بأنه قديم وأزلي وليس بمحدَث، فلا يجوز أن يُنسب إلى مذهب من يُصرّح بخلافه، وإن كان لازمًا من قوله». وقال: «والعجب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء والوجه واليدين والعينين، وفي الأحوال كالعالمية والقادرية، وفي تعدد الكلام واتحاده، ومع ذلك لم يُكفّر بعضهم بعضًا». وقال: «وقد كثرت مقالات الأشعريّ حتى جمعها ابن فورك في مجلدين، وكلّ ذلك مما لا يمكن تصويب المجتهدين فيه، بل الحقّ واحد منهم، والباقون مخطئون خطأ معفوًّا عنه، لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه، ولا سيما قول معتقد الجهة، فإنّ اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن، ولا منفصل ولا متصل، ولا داخل فيه ولا خارج عنه، لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة، ولا يُهتدى إليه إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المُدْرك، عسرة الفهم، فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حقّ العامة». – القواعد الكبرى للعز، 1/ 304، 306-.

فالعزّ رحمه الله يرفض التكفير، حتى لأولئك المخطئين في بعض الأمور العقدية، فمظلة الإسلام أوسع، ورحابة الدين متينة، والطباع مختلفة، والفهوم متباينة، والعقول متفاوتة، والبيئات تُربّي وفق طبيعتها، والمدارس تُعلم وفق مناهجها، فلماذا لا نعذر بعضنا بعضًا؟!

هذا المنهج لا يقول أحدٌ بأنه منهج تصويب الجميع، وهو باطل، بل تصويب طائفة واحدة والعفو عن المخطئين من باقي الطوائف، وفارق بين الأمرين فتأمل.

هذا المنهج هو منهج التعايش مع المخالف، ومحاولة تذويب الخلاف، والوصول إلى نقاط الالتقاء، وإلا فما البديل؟

البديل: هو أن يكفر بعضكم بعضًا، والتكفير يؤدي في أغلب الأحيان إلى تقاطر الدماء، وتخاصم الخلان، وفجور في العداوة، وملامزة ومنابذة وشقاق، ولن يقتنع فريقٌ بكلام الآخر! أهذا السبيل أيسر، أم قبول الآخر وتفنيد كلامه في الأطر العلمية والمنهجية، والتعايش معه في رحاب الدولة والوطن، والحقوق المتساوية، والدستور الواحد، والدين الواحد؟!

متى نفهم هذه المعاني التي فهمها غيرنا، فألقوا عداوات عشرات القرون خلف ظهورهم، ونحن ما زلنا نخترع العداوات، ونفتش عنها في مقالات الفلاسفة والمتكلمين، ونحملها على أسوأ محمل!.

أيها الأشاعرة، أيها الأزهريون: لا يمكن أن تحسموا الخلاف، فلو حُسم لحسمه الصحابة فيما بينهم، وما اقتتلوا وما أُريقت دماؤهم!

أيها السلفيون: إنّ التكفير والتفسيق والتبديع ليس حلاّ في الخلاف العلمي والمنهجي! ناقشوا لكن بهدوء العبارة، وجميل الألفاظ، ثم اتركوا شيئا للعناية الإلهية.

أيها الفريقان: اتفقتما على أن مرتكب الكبيرة مسلم وليس بكافر، وليس بمنزلة بين المنزلتين، بل مسلم فاسق، إن شاء الله عذبه ثم أدخله الجنة وإن شاء عفا عنه من أول الأمر!. فاتفقتما أن الأمر كله للمشيئة الإلهية، فلماذا تفسقون بعضكم بعضًا؟! ولماذا تظنون أن الله سيغفر لكم وحدكم بذلك اللجاج الذي تصنعونه، وذلك الشقاق الذي ترسخون له؟

اتفقتما على أنّ الحاكم وولي الأمر يجب عليه سدّ حاجة الفقراء لمدة سنة كاملة وبعضكم من قال بل يسدّ حاجة الفقراء العمر كله! واتفقتما على أن الحاكم يجب عليه إيجاد عمل وتوفير صنعة لمن لم يجد! فلماذا لا تنصحون الحكام والأمراء بذلك، وتقتتلون فيما بينكم؟!

اتفقتما على أن الظلم حرام، وأن القتل وإراقة الدم لا يجوز، وأنّ تعذيب الناس في السجون لا محلّ له في الشريعة المحمدية، حتى ولو كانوا من أهل الذمة، ورويتم عن الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا»، واتفقتم على أنّ تعذيب الناس حتى مع ذنبهم حرام، فلماذا لا تنشرون تلك المعاني بين الناس، ليرحموا بعضهم بعضًا؟! ولماذا ولماذا ولماذا؟!

إياكم أن يستعملكم غيركم من حيث لا تدرون، أو تؤججوا صراعًا يُفتت الأمة من حيث لا تشعرون، ركزوا في الأصول والثوابت، والكليات، وابتعدوا عن الفروع والشقاق واللجاج، واعلموا أنه لن يكون في كون الله إلا ما أراد الله!.

 

الإسلام أوسع وأرحب!

وذكر الشيخ أبو غدة في صفحاته قصة عن تعاون أحد أئمة أهل السنة مع الإمام النظّام المعتزلي وعطفه عليه، ثم قال: «فانحراف النظام في رأيه، لا يمنع من القيام بأداء حقّ المروءة إليه، فما أجمل الفهم للشريعة وأحكامها، وليمت كمدًا وحنَقَـًا أولئك الجهال المتفاقهون، والمتعالمون الفارغون). –الصفحات، ص221-.

وها هو الإمام ابن رجب الحنبلي يترجم في ذيل طبقات الحنابلة للشيخ عبد القادر الجيلاني، ويثني عليه، مع اختلافهما في الطريقة والمنهج.

وها هو الإمام الذهبي يتتلمذ على الإمام علي بن مسعود بن نفيس أحد أئمة التصوف في عصره، ويثني عليه ويترجم له.

وها هو الإمام الصوفي أبو محمد الجلودي أحد رواة صحيح مسلم يتتلمذ على السلفي أبي بكر بن خزيمة.

وها هو الإمام الدارقطني السلفي المحدّث يذهب إلى الإمام الباقلاني الأشعري المتكلم ويقبله بين عينيه ثم قال: «هذا يردّ على أهل الأهواء باطلهم ودعا له».

وها هو الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الأشعري شيخ الشافعية في عصره (مات سنة 467)، الذي غسله وصلى عليه عندما مات هو الإمام الحنبلي أبو الوفا ابن عقيل.

وقام الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله بجمع نماذج من فلسفة التعايش بين علماء المذاهب المختلفة والمشارب المتباينة في كتيبه الماتع: «رسائل الأئمة السلف وأدبهم العلمي»، وكذلك في عنايته بكتاب: «رسالة الألفة بين المسلمين» لشيخ الإسلام بن تيمية، وكذلك ما ذكره الشيخ محمد عوامة في كتابه: «أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين».

وأسأل الله أن يتعايش العلماء في ظلال الإنسانية، وظلال الدين الواحد، ويبحثوا عن نقاط الالتقاء، ويبتعدوا عن التفسيق والتكفير، والتفتيش في النوايا، وألا يقابلوا عنتـًا بعنت، ولا صدودًا بصدود، وأن يتعلموا كيف يعيشون مختلفين، لا يحمل أحدٌ أحدًا على عقله، ومشربه، ولا يجبره على فهمه ومذهبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد