أعود لكتابة رأيي في قضية اختفاء ضابطة الاستخبارات المختفية إكرام تهليل فارح، التي أطاحت قضيتها بمدير المخابرات وأثارت حتى يومنا هذا ضجةً في البلاد، وأزمة سياسية في وقتٍ دقيق جدًّا، ومهم كانت تستعد الدولة بخوض الانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا بدؤها في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2021م.

وذلك مع إعلان الدولة أن ضابطة مفقودة وأن نيسا (المخابرات الصومالية ) ليس لها أي علاقة في اختفائها، واختلاف بعض الحقائق السابقة، لذلك وددت في كتابة وجهة نظري والاستنتاجات التي توصلت إليها عبر اطلاعي على المواد الإعلامية الكثيرة بخصوص هذا الموضوع والفيديوهات التي قامت والدتها ببثها عبر القنوات؛ وكتابة أفكاري ككاتبة رأي بطريقة شفافة هذه المرة أملًا في حل هذا اللغز المحير وإرضاء جميع الأرواح الفضولية والفضول الذي تملكني منذ سماع قصتها، وعلى الرغم أنني بكثرة تساؤلاتي بدوت، وكأنني المحقق المسؤول عن قضيتها، فإن قصة اختفائها أحجية صعبة تحتاج فعلا الاستعانة بالمحقق كونان!

عند بداية كتابتي حول التحليلات التي توصلت إليها شعرت بقليل من الرهبة وتذكرت أغنية بعنوان «أفكر بصوت عالي» للمغني إيد شيران؛ فأنا أشارك نتائج وتحليلات شخصية من وجهة نظر خاصة ربما تكون خطيرة سواء كانت واقعية، ليست واقعية أم بها نواقص، لذلك وجب إيضاح أنني لا أملك أدلة أو براهين حقيقية ولا ألقي اتهامات فعلية، ولكن أطرح تساؤلات جدية واقتراح احتمالات حسب المواد المتداولة والحقائق المعلنة ربما قد تساعد على نحو ما في إيجاد الظابطة المفقودة وخصوصًا أن الأزمات السياسية بين رئيس الوزراء روبلي والرئيس فرماجو أصبحت مألوفة الآن فتارة هم على وفاق وتارة أخرى هم على خلاف.

كيف تطورت الأحداث منذ انضمامها إلى وكالة المخابرات؟

بداية عند مراجعة واختصار حياة إكرام قبل انضمامها للعمل في وكالة المخابرات، من المعروف أنها من مواليد عام 1996 في شهر أغسطس(آب) اليوم 24 ترعرعت في مانديرا-كينيا، تلقت تعليمًا ممتازًا فهي تخرجت من مدرسة آغا خان الثانوية وجامعة الولايات المتحدة العالمية في نيروبي بتخصص العلاقات الدولية، توظفت بعد ذلك في إحدى بنوك كينيا وفي قسم المحاسبة والمالية، كان عمرها تقريبًا في ذلك الوقت 20 عامًا وأعتقد أن ذلك كان في 2016، لا أعلم سبب تركها لهذه الوظيفة ولكنها لم تترك الوظيفة فقط بل تركت كينيا بأكملها حتى تستقر في الصومال وفي بداية عام 2017م.

يتم توظيفها في نيسا بتوصية للعمل مع مدير المخابرات في ذلك الوقت عبد الله سانبلوشي الذي قال إن لا أحد يتم توظيفه أو يعمل في المخابرات بدون فترة ربما قد تكون طويلة لمعرفة عادات وطبائع العميل لذلك أعتقد أن من قام بتوصيتها يعمل داخل جهاز المخابرات الصومالية وبمنصب كبير أو أنه على علاقة قوية مع مدير المخابرات لتبدأ مهامها وتعمل سكرتيرة للمدير الذي في الأصل كانت فترة إدارته ستنتهي في غضون أشهر قليلة (السبب ربما يعود إلى أن كل حكومة جديدة تقوم عادة بتغير المسؤولين) لذلك بعد 10 أشهر من بداية عملها وخمسة أشهر من عملها مع سان بلوشي تحصل إكرام على منصب أكبر في قسم حقوق الإنسان وشؤون المرأة والنوع وذلك لأسباب عديدة منها:

●أنه سيترك الوكالة على أية حال.

● استطاعت إكرام بوعيها الأمني العالي وانضباطها وعملها الدؤوب كما وصفها سان بلوشي أن تترك انطباعًا جيدًا وخصوصًا أنها متخصصة في مجال العلاقات الدولية وقام بترقيتها نظرًا إلى مؤهلاتها رغم صغر سنها.

●اعتبار سان بلوشي عمًا لإكرام من جهة القرب القبلي، وربما من قام بتوصيتها ساعد في ترقيتها.

المهم تبدأ إكرام وظيفتها الجديدة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017م ويكون لها تعاملات وعلاقات مع السفارة البريطانية وهيئة أميصوم في مقديشو ومن ها هنا ربما لفتت الأنظار إليها فهي ذات كفاءة عالية فيما يخص عملها بشؤون الأمن وشؤون حقوق الإنسان والمرأة، فهي 21 من عمرها، ذكية، متعلمة، لديها منصب مهم في أهم وكالة في الدولة؛ من وجهة نظري أن ذلك شيء مثير للاهتمام والإعجاب حقًّا، ولذلك مع بداية العام التالي ربما حصلت على فرص عمل أثارت اهتمام الظابطة أم أن هناك سببًا آخر مقنع جعلها تترك الوكالة في أبريل (نيسان) من عام 2018م، ثم بعد خمسة أشهر من العام نفسه غير معروف ما كانت تفعله إكرام خلال تلك المدة ولماذا تركت الوكالة، أو هناك احتمال أنها كانت في إجازة طويلة لتبدأ العمل في بداية أكتوبر (تشرين الأول) 2018م، بمكتب عمدة مقديشو المغتال على يد حركة الشباب في 25/7 ويتوفى في بداية أغسطس (آب) من عام 2019م في دولة قطر؛ بمنصب أغاسيمي أي مسؤول، هل تعرفت على العمدة خلال تلك أشهر أو أنها وظفت بتوصية في مكتبه؟! الغريب في القصة ليس سبب توظيفها في مكتب العمدة رغم التساؤلات الكثيرة حول هذه النقطة، وإنما بسبب عودتها السريعة لمكتب المخابرات وحصولها على منصب آخر كبير مديرة الأمن السيبراني الذي ليس له علاقة بتخصصها مع وجود ذوي كفاءات والخبرات في الوكالة طبعًا، وكذلك حصولها على منحة دراسية لتكملة الماجستير بحقوق الإنسان وليس الأمن السيبراني بما يتناسب مع المنصب الجديد في جامعة نوتنجهام في لندن التي من المفترض أن تبدأ الدراسة فيه سبتمبر من عام 2019؛بمعنى أن كل ذلك حدث تقريبا في غضون شهر أغسطس فقط، هل كانت مستعدة نفسيًّا لهذا المنصب وكذلك سرعة تسجيلها بالجامعة ومسؤوليات ليست ضمن تخصصها في الأساس بعد كارثة اغتيال مديرها السابق وخصوصًا لصغر سنها أم أنها كانت متدربة على مثل تلك الضغوط، وكما أنها كانت غائبة عن الوكالة فترة تقدر بعام وأربعة أشهر لتحصل على ذلك، أم أن هناك مسؤولًا في الوكالة بعد تلك الحادثة الأليمة التي كانت ستفقد بها حياتها هي أيضًا أراد إعادة إكرام للوكالة ومساعدتها أم أن نيسا ببساطة تعد أفضل وكالة مخابرات لموظفيها وكانت سعيدة لانضمام إكرام لهم مرة أخرى وكان ذلك يعد هدية لعيد ميلادها 23 من قبل المخابرات؟!

تسافر إكرام إلى لندن لتبدأ دراسة الماجستير وتغيب عن الصومال فترة تقدر بسنة وستة أشهر قضت منها سنة وثلاثة أشهر في بريطانيا حيث عند انتهائها من درجة الماجستير قامت إكرام بتسجيل في جامعة كينجز لدراسة كورس آخر لمدة سنة ويبدو أنها تسجلت فور انتهائها من الأول أي في بداية السنة الدراسية؛ السؤال هنا لماذا قامت بتسجيل على الفور، هل ذلك بسبب عدم رغبتها في العودة إلى الصومال؟ هل كان ذلك ضمن المنحة الدراسية التي وفرتها لها المخابرات، ولماذا لم تعد لمنصبها الجديد الذي يبدو إلى الآن شكليًّا حيث إنها لم تمارس عملها بشكل رسمي إلى الآن؛وبسب فرض الحجر الصحي وانتشار وباء كورونا تقرر إكرام الخروج من لندن، ولكنها لا تعود إلى الصومال وإنما تذهب إلى تركيا لتقضي أول ثلاثة أشهر مع عائلتها وتعود إلى مقديشو بتاريخ 27 مارس (آذار) 2021.

هذه مجرد فرضية أولى حسب المتداول، ولكن هناك فرضية أخرى أن إكرام لم تنه الماجستير في لندن حيث عادت إلى الصومال في يونيو (حزيران) 2020، وذلك للسبب نفسه الحجر الصحي هناك، لتقوم بإنهاء دراستها عبر الإنترنت وكذلك تبدأ الكورس الآخر عبره، وتبدأ مهامها الذي نصبت له منذ 2019م لأول مرة لمدة ستة أشهر الباقية من عام 2020م.

ثم تقضي إكرام الثلاثة أشهر الأولى من عام 2020م في تركيا مع عائلتها هل كانت في إجازة أم دورة تدريبية من قبل الوكالة لأن ثلاثة أشهر فترة طويلة للغياب عن مهامها التي بدأتها للتو وخصوصًا أنها كانت غائبة أيضًا؟!

وبعد ثلاثة أشهر بالضبط من هذا التاريخ تختفي الضابطة ولا يوجد أثر لها لتبدأ رحلة البحث عنها من قبل عائلتها، وتصل قصتها إلى رئيس الوزراء تقريبًا بعد ثلاثة أشهر أخرى، لتحدث الأزمة السياسية في البلاد التي كانت نتائجها معروفة ومعلنة للجميع.

إكرام اليوم مفقودة لمدة 7 أشهر من تاريخ اختفائها ويرجح الكثير أنها قتلت بسبب ما يشاع عن حوزتها لسجل القوات الصومالية المرسلة لتدريب في إريتريا، وبسبب المعلومات التي بحوزتها عن طريقة اغتيال عمدة مقديشو المرحوم عبدالرحمن يريسو؛ هل كانت إكرام على علم بعملية إرسال القوات إلى إريتريا؛ الجواب هو بالطبع لا؛ فقد تم إرسال القوات بشهر يوليو (تموز) 2019 وإكرام لم تكن تعمل في الوكالة في ذلك الوقت؛ هل يمكن أن تحصل على السجلات بعد عودتها من بريطانيا وبدأ مهامها في الوكالة؟ ربما نعم كون صلاحيتها تسمح لها كمديرة أمن السيبراني، ولكن ما حاجتها لسجلات عملية عسكرية تبدو سرية لاحتفاظ المخابرات بسجلاتها وتدخل بها، وخصوصًا أنها حدثت قبل توظيفها أي تقريبًا منذ سنة كاملة من بدئها لمهامها في الوكالة؟!

أما بالنسبة لطريقة اغتيال العمدة كيف لها أن تعرف هل اطلعت على التحقيقات بعد عودتها أي في فترة 6 أشهر، وخصوصًا أن الاغتيال نسب لحركة الشباب؟!

يحيط الكثير من الغموض حول طبيعة عمل الظابطة إكرام، وهناك الكثير من التساؤلات للمساعدة في إيجاد المفقودة، واستيعاب أسباب اختفائها، وكذلك أسباب الإطاحة بمدير المخابرات الدولة والأزمة السياسية في البلاد، وتحول القضية لقضية سياسية تؤثر بشكل كبير في الرأي العام .

لذلك سأضيف بعض التساؤلات الأخرى المهمة ولها علاقة بقصة اختفاء ظابطة الاستخبارات إكرام تهليل فارح:

● مع إعلان نتيجة التحقيق أن الاستخبارات ليست لها علاقة باختفاء الظابطة، من هم الأشخاص أم الدول (نظرًا لتدخلات الأجنبية العديدة ) الذين قاموا باختطاف إكرام واستغلوا قضيتها لإحداث خلل داخل الحكومة، فجوات في البلاد وإثارة حالة من الغضب الشعبي ضد الحكومة وإخلال بمصداقية وكالاتها؟

●هل إكرام ضحية مفقودة وظابطة استخبارات وطنية أم أنها كما يشاع عميلة مزدوجة؟ إذا كان ذلك حقيقيًّا فهذا بحد ذاته أزمة أخرى!

●ملفات القوات الصومالية في إريتريا هذا بحد ذاته موضوع غريب لا يوجد الكثير من المعلومات حوله؛ نظرًا لكونها سرية، ولكن يشاع أنه من المفروض إرسال القوات في البداية إلى قطر، ولكن بعد ذلك تم إرسالها إلى إريتريا؛ لذلك كون العملية عسكرية فإنها طبيعية؛ فالقوات يتم ارسالهم لتدريب إلى دول مختلفة ولكن كيف يكون ذلك سبب لاختفاء الظابطة؟!

● مدير المخابرات كان الهدف الأساسي وسبب إثارة الأزمة، لماذا الإطاحة به بهذه السرعة، لماذا لم يقم فهد ياسين بتوضيح للشعب حول قضية اختفاء الظابطة؛ التي اتهم بمقتلها أم أنه كان ينتظر انتهاء التحقيقات المعلنة ؟!

●أين هي إكرام الآن هل هي ميتة أم حية، هل يمكن أنه قد تم اختطافها على يد حركة الشباب التي نفت ذلك مرارًا؟ لا أستطيع الجزم بمكان وجودها الحالي ولكن هناك تخمينات كثيرة!

●تساؤل أخير أود إضافته وشد انتباهي عند كتابة المقال، ولحل لغز اختفاء الظابطة هو ما علاقة إكرام برقم 10 الذي يبدو كرقم حظ لها؟!

أنا شخصيًّا، وكذلك جميع الشعب متضامن مع عائلة إكرام، ونشعر بالألم الذي يشعرون به لفقدانهم ابنتهم ورغبتهم في تحقيق العدالة لها ولهم ولنا جميعًا بشكلٍ عام ، وأتمنى أن يقدم الجميع المساعدة من أجل ايجادها.

في الختام، آمل ألا ألحق بها أيضًا يومًا ما، وأختفي بلا أثر، أرجوكم، إن حدث، ابحثوا عني!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد