يشيخ شمس الدين في الحكاية الثانية، يتفقد سنين عمره التي تسربت منه، ويفقد “عجمية” زوجته، وتؤنس وحدته أناشيد التكية التي عادت من جديد تغني:

صلاح کار کجا و منِ خراب کجا؟
ببین تفاوت ره از کُجاست تا به کجا!

أين صلاح الحال من خراب حالي، أين؟
فانظر تفاوت الطريق من أين وإلى أين؟

لا تورد الرواية تتمة أي من الأبيات التي استحضرها نجيب محفوظ في ملحمته، وعلينا أن نعود نحن للديوان نبحث فيه إن إردنا أن نعرف شيئًا لم يتح الكاتب لأبطاله أن يعرفوه، إذ كان اللحن وحده هو الهادي لهم كما قال في مفتتحه للحكاية الثانية:

“في ظل العدالة الحنون تطوي آلام كثيرة في زوايا النسيان، تزدهر القلوب بالثقة وتمتلئ برحيق التوت. ويسعد بالألحان من لا يفقه لها معنى, ولكن هل يتوارى الضياء والسماء صافية؟”.

العدالة من جديد إذًا، روح الملحمة وميزان الحياة، وباب سر اللحن ذي الكلمات غير المفهومة.

لنتجاوز هذا الآن ولنكمل الأبيات السابقة، لنجدها تصدنا بعد أن طمعتنا:

قرار و خواب، ز حافظ طمع مدار ای دوست
قرار چیست؟ صبوری کدام و خواب کجا؟

فيا أيها الصديق، لا تطمع أن تجد في “حافظ” استقرارًا أو سكينة
ما هو الاستقرار، وما الاصطبار، وما السكينة.. وأين؟

* * *

إيراد اسم الشاعر في ختام القطع الشعرية هو عادة فارسية في هذا النوع من النظم، وقبل أن نستأنف الحديث عن الحرافيش وإمامها، لابد أن نمر سريعًا على الإمام الحاضر في الرواية حضور اللحن والغائب فيها غيبة المعنى.

أكان شعر حافظ شيرازي معروفًا في مصر التي عاصرت أحداث الرواية، وله تكية تنشد شعره، ليجعله نجيب محفوظ الذي لم يخرج بالحرافيش أبدًا عن مصريتها، في أي من تفاصيلها، رمزها الذي سيرحل معها حكاية حكاية حتى يفتح الباب.

ومن حافظ الذي يبدو غريبًا عن هذا العالم، عالم الحارة المصرية في الحسين؟

حافظ هو شمس الدين!

هذا ليس رمزًا، بل هو اسم الشاعر صاحب الأبيات، فحافظ لقبه الذي اكتسبه حين أتم حفظ القرآن أما اسمه فشمس الدين محمد بن بهاء الدين، ولد في شيراز ونسب إليها، وقيل إنه من أصفهان.

لا شك إذًا في أن عاشور كان يعرف شيئًا من أسرار التكية، ولو اسم ناظم هذه الألحان الغريبة غير المفهومة، لذا اختار اسمه لابنه الذي نبت من فلة، الفتاة التي أفرغ فيها حبه، حتى تعلمت به الإيمان والطهارة. عل الاسم يمنح الفتى شيئًا من المعاني التي قالها صاحبه.

عمل حافظ شيرازي خبازًا، بعد وفاة والده، كان يدخر من أجره ما يدفعه لمعلمه حتى أتم حفظ القرآن، أحب فتاة لم يفلح شعره في استمالتها، فحزن وانقطع إلى ضريح في شمال شيراز يصلي ويدعو الله أن يمنحه البلاغة والبيان. وهناك، بعد أربعين يومًا من الانقطاع أوحي إليه.

دوش وقت سحر از غصه نجاتم دادند
واندر آن ظلمت شب آب حیاتم دادند
بیخود از شعشعه پرتو ذاتم کردند
باده از جام تجلی صفاتم دادند
چه مبارک سحری بود و چه فرخنده شبی
آن شب قدر که این تازه براتم دادند

ليلة أمس وقت السحر، أعطوني النجاة من الألم
وناولوني ماء الحياة وسط ظلمات الليل
منحوني النجاة، أخرجوني من نفسي ومنحوني الضياء

من فعل هذا؟ تقول الأسطورة أنه الإمام علي كرم الله وجهه، جاءه ومنحه النجاة، من أي شيء نجا؟
سنعرف..

سواء صحت الحكاية أم لا، وهو الغالب بالطبع إلا أنها لا تخلو من فائدة. الانقطاع، التضرع والرجاء، العزلة التي تُنضج الأحلام، العزلة التي تزكو فيها النفوس المحملة بعبء الأيام. النفوس المثقلة لا ترى النور. أو كما قالت الحرافيش “المتخمون لا يبصرون”.

كان حافظ مرهقًا. أتعبه الكد في العمل ليعول أمه، وليعلم نفسه. ثقل عليه فشله في نظم الشعر، وبعد محبوبته عنه. في حضرة الصلاة والرجاء فتح له الباب، باب الألحان التي ستسير بها الركبان في العالم، حتى يصبح ديوانه أشهر الكتب الفارسية، وأقدسها لدى قومه. يفضلون اقتناءه مخطوطًا باليد عن شرائه مطبوعًا. وستزخر المكتبات التركية بشروحه، قبل أن تنتقل للعالم.

في أي شيء كتب حافظ؟
في الغزل!
أمن الحكمة أن يكتب شاعر كل شعره في الغزل، وحوله صليل السيوف يملأ وديان بلاد فارس؟

أليس الحب يعلو بالنفوس حتى يريها الجنة؟!
ويهبط بها حتى تضج بصاحبه النار!
وهذا سر جديد فاضت به الحرافيش، الحب الذي ينبت الإيمان، وذلك الذي تحل به اللعنات.

والفرق في الإشراق.

“لا يفهم عاشور إلا من اشتعل قلبه بالشرارة المقدسة”.

أي شرارة؟

هي تلك التي مست روح حافظ شيرازي في اعتكافه، النور الذي يغسل القلب من السماء حين تنقطع عن هذا العالم. وهو النور الذي مس كل الذين غابوا من آل الناجي عن الحارة وصراعاتها زمانًا، انشغلوا فيه بأنفسهم ثم عادوا.

غب، تصفو.. ثم عد لتضيء.

* * *
آنان که خاک را به نظر کیمیاکنند
آیا بود که گوشه چشمی به ما کنند* // * ثالث الأبيات التي وردت في الحرافيش.
دردم نهفته به ز طبیبان مدعی
باشد که از خزانه غیبم دوا کنند

أولئك الذين يحيلون التراب بنظراتهم إلى كيمياء
ليتهم ينظرون إلينا بطرف عيونهم ليحيا فينا الرجاء

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد