كثيرًا ما يعبّر المتحدّثون باللغة الإنجليزية حسب الذي يفتينا به المترجمون عن رأيهم في أحداثٍ معيّنة بعبارة تفيد بأنّهم يشعرون بخيبة أملٍ تجاه كذا أو نحو فلان، ولا أدري أينَ تقع هذه الجملة من إعراب البرتوكولات الإعلاميّة للمسئولين الناطقين باللغة اللاتينيّة، إلا أنّني مضطّر لأن أحملَ في مقالي هذا أملًا لكي أصلَ إلى ما يرمون إليه.

سمعتُ تصريحات كثيرة من الناطقين الرّسميين للبيت الأبيض ونظرائه من البيوت الأوروبّية بأنّ هذا الرئيس أو ذاك الوزير أو تلك المستشارة يشعرُ كلٌّ منهم بخيبة أمل حيال فشل مساعٍ معيّنة، أو تعثّر مفاوضات خاصّة، أو حدوث كارثة بفعل إنسانيّ معيّن في عالمنا العربي والإسلامي، ودومًا كنتُ أقول لنفسي إنّني أستوعب مفهومَ الخيْبَة، لكنّني لم أقفْ على مستوى الأمل في صدر هذا المسئول أو ذاك.

من الطّبيعي أن يكونَ لدى أيّ إنسانٍ مقدمٍ على مشروع بذاته أو عملٍ يرغبه أملٌ في الوصول لبُغيته وظهور نتائج إيجابيّة لمقصده، ولكن كيفَ استطاعَ هؤلاء العمليّون في نظرتهم للحياة أن يختاروا لفظ «الأمل» الموغل في الرومانسيّة والشّاعريّة ليفتتحوا به تصريحاتهم الأوليّة حيالَ موضوعات سياسيّة بهذا القدر من الأهميّة.

من ذلك يمكنُ أن أفهَمَ أنّهم يداعبوننا بهذه اللغة اللطيفة صيفًا وشتاءً سِلْمًا وحربًا ليقطفوا ثمرةً لا يملّون انتظارها أو ترقّبها مهما كانت البوادر السلبيّة التي أشعرتْهم حسب الذي يقولون بخيبة الأمل، ونحنُ أفضلُ من تُسبَرُ أغواره باستدرار العواطف وإعادة برمجة الأحاسيس والتأثير على معطيات الأمزجة والنفسيّات، ولو كانت الأمور متعلّقة بمصائر الشعوب ومستقبل الأوطان وحقوق الإنسان.

إذا كانَ المسئول الغربي في أيّة دولة تعتبر نفسها رقيبة على جزءٍ من العالم يتجمّلُ في حديثه بمثل هذه الكلمات وهو متأكّدٌ بأنّها ناجحةٌ ناجعةٌ في ترويض الثائرين وجلب الأصوات، فما بالُنا ونحنُ نملكُ قلوبًا تحبّ التفاؤل وتعيشُ على نفحاتِ الأمل لا نملكُ مثلَ هذه الخطابات لا في النّواحي الإيجابيّة ولا في المواقف السّلبيّة، فنحنُ دومًا نشجبُ ونستنكر ونرفضُ ونعترض، أو نسكتُ ونخنَسُ وكأنّ شيئًا لا يعنينا ممّا يجري حولنا.

خيبةُ الأمل لا محالةَ تعني بأنّ هناك أملًا كانَ موجودًا فخابَ، وتلك هي المحطّةُ التي يجبُ الوقوف عندَها والتزوّد من وقودها لنمضي آملينَ إلى ما نُريد، صحيحٌ أنّ ظواهرَ الأحداث ومظاهر الشارع العربي والإسلامي الكبير لا يوحي للمبصرين بخيرٍ كثير، إلا أنّ قاموس الأملِ مليءٌ بالفرص التي تنتظرُ من يغتنمُها والبدايات الرائعة التي تترقّبُ من يسبِقُ إليها، وإلا لما كانَ أبناءُ العم سام قادرين على اكتشاف هذه الطريقة في التعبير بالغة التأثير في مسامع كلّ عربيّ يمتهنُ السّياسة.

أزعمُ أنّ امتلاءَ القلبِ بالأملِ المبرّر يجعلُه دافعًا رئيسًا لدماءِ العمل والإنجاز في العقل البشري والتّعامل الإنساني، وحيثُ وجدَ الأمل الذي ربّما يتعرّضُ لخيْباتٍ وأخواتِها وجدَ من يحرصُ على المحاولة مرّاتٍ ومرّات ليُثبِتَ للعالم بأنّه صاحبُ نظرةٍ تفاؤليّة وأملٍ غير محدود يفرحُ بالنّجاح ولو بعدَ حين، ويظهرُ هذا جليًّا حينَ نُراقبُ هؤلاء الحُمْر وهم يعبّرون عن خيبةِ الأمل في المحافل ومعَ ذلك لا يفتؤون يفتّشون عن ألف طريقة وطريقة للوصولِ إلى تحقيق آمالهم، لذلك أجدُني لا أستهينُ بعبارةٍ تُرجمَتْ لي أنّ «أوباما» يشعرُ بخيبة أملٍ لإصرار «محمود عبّاس» على الاستمرار في طلب العضويّة الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدّة.

عددٌ لا بأسَ به من العرب والمسلمين يحرصونَ بجدّية واستنفار على مشاعر الأوروبّيين والأمريكيّين سياسيًّا، فلا غرْوَ إذًا أن يستغلّ هؤلاء المرهفين في أحاسيسهم السياسيّة قدرَهم عندَ هؤلاء ويقولون لهم بينَ الحين والآخر «نحنُ نشعرُ بخيْبة أمَل»، وهؤلاء في كلّ أحوالهم متوازنون في تصريحاتهم عن مشاعرهم لتجدَهم فيما يرغبون يعبّرون بسيلٍ جارف من مصطلحات الأمل، وفيما يرفضون أو يستاؤون منه يعبّرون بعبارة اتّحدوا عليها وتوافقوا فيها «نحنُ نشعرُ بخيبة أمَل».

في المُقابل تصدُر التّصريحاتُ فاقعة الألوان ناصعة التزويق عن أمَلٍ كبير وعريض وأكيد في أيّ مشروع أو حادثٍ يُعجبُ الزّرّاعَ ليغيظَ بهم الكُفّار، وحينَ تسيرُ الأمور على عكس ونقيضَ ما راقَ لمن تحدّثَ بالأمس عن قناعتِهِ بهذا الأمر أو ذاك صبَّ جامَ غضبه على كلّ شيء وكلّ أحد ونسيَ ما قدَّمَتْ يداه وما نطقَ به لسانه لتُصبَحَ مساحاتُ الأمل المصطنع حصيدًا كأن لم تغْنَ بالأمس.

لو كانَ الأملُ منطقيًّا لرَافقَ كلّ تصرّفاتِ حياتنا ولبقيَ حتّى ولو خابَ كما بقيَ في تصريحاتِ من نزعمُ أنّهم يتآمرونَ علينا ليلَ نهار، لكنّنا وفي الغالبُ نُبالغُ لدرجة الكذب، ونكذِبُ لدرجة التّزوير، ونزوّرُ لدرجة التّصديق، ثمّ نقعُ على رؤوسنا حائرينَ بينَ أملٍ بالأمس ونقمةٍ وانتقام اليوم.

حقيقةً إنّي أشعرُ بخيبةِ أملٍ كبيرة وأنا أكتبُ هذه السّطور لأنّني بالأمس القريب كانَ لي أملٌ بسيط في أنْ أرى للعالم العربي وجهًا آخر غير ما هو عليه اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أمل, خيبة أمل
عرض التعليقات
تحميل المزيد