إن رائحة الموت هي الرائحة التي تملاء أجواء هذه المنطقة والأعلام السوداء وصور الشهداء هي أول ما يطالع العين أينما توجهت – د/غسان سلامة

هذا هو الجزء السادس من مقالي البحثي عن السياسة الخارجية السعودية أكمل الحديث عن علاقة السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية الحليف والحامي الأكبر للسعودية وأكمل الحديث عن المحطة الثالثة وهي (حرب تحرير الكويت وتدمير العراق في آن واحد).

وقبل أن أبدأ أحب أن أذكر بعض الملاحظات:

  •  إن ما أكتبه ليس كتابة في التاريخ بل كتابة في السياسة فما كتبته عن أحداث وقعت لا زالت طاغية على حاضرنا وأغلب الظن سوف تظل مؤثرة على مستقبلنا أيضًا وذلك الفرق بين الكتابة في السياسة والكتابة في التاريخ وللتوضيح أسوق طرف حوار وقع بين جنرال فرنسا العظيم الجنرال (شارل ديجول) وقائد الثورة الصينية الفذ (ماو تسى تونج).
    في ذلك اللقاء النادر بينهم أراد (ديجول) أن يُحدث (ماو تسي تونج) عن تاريخ الثورة الفرنسية ولحظتها قاطعه (ماو تسي تونج) وقال له: “عزيزي الجنرال شارل من الصعب أن تتحدث عن الثورة الفرنسية كتاريخ لأن عمرها لا يزيد عن مائتي عام فقط!”.
  •  إن عددًا من الأصدقاء والمتابعين لما أكتب اعترضوا على فقرة في مقالي الماضي قلت فيها: “إن أمريكا قد فوجئت بالثورة الإيرانية” وأستأذنهم في الرد عليهم في آخر مقالة عن الموضوع قريبًا.
  • إن البعض أرسل لي متسائلًا عن السبب الذي يجعلني أعود للماضي في تفسير الحاضر؟ والإجابة باختصار (لأن ذلك الحاضر الذي نعيشه هو ابن لذلك الماضي الذي جرى وتدفقت تحت جسوره مياه كثيرة! وللتدليل فإن ما يحدث في اليمن اليوم لم يبدء منذ أشهر حين قرر الملك السعودي (سلمان بن عبد العزيز) ونجله، قيادة عاصفة الحزم، ضد شعب اليمن المسكين.

    بل إن الممعن والمدقق سيعرف أن البداية كانت في الستينات من القرن الماضي حينما كانت السعودية ولا زالت تقف في وجه أي حركة إصلاحية ولكنها في ذلك الوقت بتقاسيم وتعابير وملامح وجه الملك (فيصل بن عبد العزيز) بدون نجله!
    “إن عائلة الصباح عائلة تجار وليست لهم هوية سياسية محددة والكويت كلها أقرب إلى أن تكون شركة منها أن تكون دولة”. الأمير (بندر) لكولين باول.

إن للخلاف العراقي الكويتي أبعاد كثيرة ففيه التاريخي وفيه السياسي وفيه الاقتصادي وفيه الأمني بل وفيه النفسي! والمشكلة أنه ما أن يبدأ الحديث عن بعد من ذلك الخلاف إلا وتأتي بقية الأبعاد مباشرة دون انتظار أو دعوة من أحد فمثلا:

بغداد تقول: “إنهم في الكويت نسوا أننا حاربنا ثماني سنوات دفاعًا عن الخليج وتحملنا في سبيل ذلك ما تحملنا”.
وترد الكويتبـ: “إنهم في العراق نسوا أننا ساعدنا، فبعد أسابيع قليلة من الحرب قدمنا للعراق 5 بلايين دولار قرضًا يساعد على أغراض الحرب ثم لم تتوقف مساعدتنا فقد كنا نصدر لحسابهم 125 ألف برميل وفاء لالتزامات تعاقدوا عليها في الأسواق ثم توقفوا عن الوفاء بالتزاماتهم نتيجة ظروف الحرب”.

وبغداد تقول: “إن المال أرخص تكاليف الحرب، ولقد كان ما أعطوه لنا دينا مازلنا مطالبين بسداده ومع ذلك فإن تكاليف الحرب على العراق كانت بمئات البلايين ولم تدفع الكويت سوى قدرًا يسيرًا من التكاليف الحقيقية ومع ذلك فإن المال أرخص شيء”.
وترد الكويت بـ: “أن تكاليفنا لم تكن مالًا فقط، فقد طالتنا الصواريخ الإيرانية ودليل دمارها قائم على منشآتنا البترولية كما أن استقرارنا الداخلي اهتز، وسال الدم على أرض الكويت”.

وبغداد تقول: “أنهم لم يساعدوا بشيء في مجهودنا الحربي ولقد طلبنا منهم تسهيلات في جزيرتي (بوبيان) و(وربة) ولو حصلنا على هذه التسهيلات لأمكن تحرير (الفاو) قبل الموعد الذي تحررت فيه بكثير”.
وترد الكويت بالإشارة وبما معناه: “لو أنهم أخذوا مثل هذه التسهيلات لما تركوا الجزيرتين بعد الحرب فنحن نعلم أن لديهم مشروعًا لتعميق مجرى ملاحي حول الجزر يخدم ميناء شحن في خور عبد الله”.

وبغداد تقول: “إن هذه جزر عراقية وليس هناك شك في ملكيتنا لها”.
وترد الكويت بأن: “العراق يكاد يفصح عن مطامعه!” (1)

” الحقيقة إنني أكثر من غاضب في لحظة من الحظات أحسست أن النار على وشك أن تخرج من خشمى ولكنى أمسكت بأعصابي “. الرئيس العراقي صدام حسين للملك فهد

إن كل ما قيل سابقًا زاد عليه الأزمة المتصاعدة بين العراق والغرب بسبب الصواريخ والأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية والمدفع العملاق ومحاكمة الصحفي الإيراني (بازوفت) وإعدامه وهنا ارتفعت الأصوات تنادي بعقد قمة عربية وأقترح أن تكون بغداد مقرًّا للقمة لتكون مظاهرة تأييد للعراق في مواجهة تهديدات أمريكية وإسرائيلية ضده.(2)

وانعقد المؤتمر وفي أثناء انعقاده في المشهد الافتتاحي طلب الرئيس العراقي (صدام) جلسة سرية تقتصر على الملوك والأمراء والروءساء فقط دون معاونيهم وقد حاول الملك (فهد) معارضة هذا الاقتراح بهدوء إلا أن طلب الرئيس العراقي فرض نفسه عندما قال الرئيس (صدام): “ينبغي ألا يسمع مساعدونا ما يقوله بعضنا لبعض”، وبالفعل خرج جميع الحاضرين من معاوني القادة وظل القادة بمفردهم.

وكان أول المتحدثين الرئيس العراقي نفسه وبدأ بمهاجمة دول الخليج بعنف شديد يضرب الطاولة بقبضته: “إنهم في الخليج يستخرجون البترول بأكثر من اللازم لتخفيض أسعاره وكل انخفاض يوازي دولارًا واحدًا من سعر البرميل يجعل العراق يخسر مليار دولار في السنة، إنكم تخوضون حربًا اقتصادية حقيقية ضد العراق”.

سيطر الذهول على الحاضرين جميعًا وكان الشيخ (زايد) رئيس الإمارات العربية أول المتكلمين المدافعين عن أنفسهم وما كاد الشيخ (زايد) ينتهي من رده حتى قال (صدام): “اشكر الإمارات على مواقفها الإيجابية وعواطفها تجاهنا وأنا أحذركم أنني لم أنسَ الأسلحة والعتاد العسكري الذي شحن من الإمارات إلى إيران خلال الحرب وذات يوم سيكون الحساب عسيرا”.

وفي تلك اللحظة توجه الرئيس العراقي بحديثه إلى أمير الكويت قائلًا: (حسب اتفاقيات الأوبك ينبغي ألا تتعدى حصة الكويت 1.5 مليون برميل يوميًّا ولكنها تستخرج 2.1 مليون برميل وهذا يحصل ضد مصلحتنا أن العراق يريد أن يعود الوضع الاقتصادي عام 1980 وفي الوقت الراهن بحاجة ماسة إلى عشرة مليارات دولار بالإضافة إلى إلغاء 30 مليار دولار من الديون التي منحتنا إياها الكويت والإمارات والسعودية أثناء الحرب) ثم مضى يقول: “إن العدوان على شعب من الشعوب واستعباده لا يحدث فقط بالدبابات والمدفعية ولكنه يمكن أن يتخذ أشكالًا أكثر مكرًا ودهاء كإغراق السوق بالنفط والضغوطات الاقتصادية”.
وهنا تدخلك الملك (حسين) وقال:  “ينبغي ألا يحصل ما يضر العراق اقتصاديًّا”. (3)
و في نهاية المؤتمر قال الملك (فهد) للرئيس (صدام): “إنني لاحظت طوال المؤتمر أنك غاضب؟”.
ورد عليه الرئيس (صدام): “الحقيقة إنني أكثر من غاضب في لحظة من اللحظات أحسست أن النار على وشك أن تخرج من خشمي ولكني أمسكت بأعصابي”.
ثم سأله (فهد) عن “علاقته مع الكويت؟”.
فرد (صدام): “غير قابلين بشيء حتى الآن لا حصص البترول ولا تخطيط الحدود وهم الآن يخربون في الداخل عندنا”.

وحدثت نفس المحاولة من أمير الكويت فقد تحدث إلى الرئيس صدام وهما متجهان إلى المطار للوداع.
وقال أمير الكويت لصدام: “إن كل المشاكل لها حل ونحن أخوة وأول من يتفهم ظروف العراق”.
ورد صدام: “بأن العراق حائر معكم حين نطالبكم بمساعدات تطالبوننا بالديون، وحين نذكركم بحصص البترول المتفق عليها حتى لا تنخفض الأسعار تطلبون توقيعنا على التنازل عن أرض عراقية نحن في حاجه إليها لكي نجد منفذًا على البحر).
ورد أمير الكويت: “هل طالبكم أحد بأن تدفعوا الديون؟ نحن لم نطالبكم؟”.
ورد صدام: “لماذا لا تتنازلون عنها صراحة؟”.

ورد أمير الكويت: “لسببين: سبب يتعلق بمصالحنا لأننا لو تنازلنا عن ديوننا لديكم فسوف نجد كل مدين للكويت يطلب المعاملة بالمثل، ونحن لنا ديون كبيرة عند أطراف كثر”.

والسبب الثاني: يتعلق بمصالحكم أنتم فلو أننا أعفيناكم من الديون فسوف تبدو مديونيتكم أقل في صندوق النقد الدولي وسوف يضغط عليكم آخرون ليتقاضوا منكم ديونهم ومن مصلحة العراق أن يبدوا دينه كبيرًا على الورق”.
وغادر أمير الكويت بدون اتفاق محدد مع الرئيس العراقي. (4)

إن الولايات المتحدة ليست لديها التزامات أمنية حتى الآن تجاه مشايخ الخليج – السفيرة الأمريكية للرئيس العراقي

لعله من الممكن أن يقال باطمئنان من خلال قراءة الأحداث والوثائق المتاحة أن الدور الأمريكي تمثل في أزمة الخليج في التحريض والغواية والتسهيل والاستغلال بعد ذلك كانت أمريكا التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة ضد غريمها (الاتحاد السوفيتي الشيوعي).

ولكن الإمبراطورية الأمريكية قد خرجت منتصرة من جانب ولكنها مستنزفة اقتصاديًّا من جانب آخر على الناحية الاقتصادية
وكان جنرال فرنسا العظيم (شارل ديجول) هو من لمح ببصيرته الإستراتيجية الأمريكية وتوقع ما سيحدث بقوله:
“إن الأمريكيين يريدون جر السوفييت إلى سباق تسلح تقطع أنفاسهم به ولكنهم في نهاية الطريق بعد أن يسقطوا السوفيت سيسقطون هم أيضًا من الإفلاس”.

إن المتتبع لموقف الولايات المتحدة يجد الآتي:

إن إدارة ريجان وعن رغبة في استطلاع كل ألوان الطيف العربي ومع رغبة عراقية في استطلاع النوايا الأمريكية عُقد لقاء في ضاحية “أرانخويز” سنة 1982 با لقرب من مدريد بين الرجل الذي أصبح فيما بعد رئيس الاستخبارات الأمريكية “وليام كايسي” مع المسؤول عن المخابرات العراقية وقتها الدكتور (فاضل البراك) في هذا الاجتماع تحدث الاثنان عن تسوية ما بعد الحرب العراقية الإيرانية.

وألمح الطرف العراقي إلى: “رغبته في ضم مقاطعة (خوزستان) الإيرانية للعراق بعد الحرب باعتبار أصلها العربي”.
ولكن “كايسي” اعترض بحجة أن ذلك يُخل بالتوازن الجغرافي الإستراتيجي للمنطقة وتأثيره إذا حدث يمكن أن يتشابه مع فصل إقليم (كردستان) عن العراق.

وفي هذه الجلسة أشار ممثل العراق إلى: (مطالب العراق التاريخية في الكويت).
وكان رد “كايسي”: (أن ذلك موضوع آخر ليس الآن مجاله ثم ألمح بسرعة إلى أن الولايات المتحدة ليست لديها التزامات أمنية حتى الآن تجاه مشايخ الخليج). (5)

في 25 يوليو 1990 حدثت مقابلة بين السفيرة الأمريكية بالعراق (أبريل جلاسبي) والرئيس العراقي (صدام حسين) وقد
قالت السفيرة في حوارها مع الرئيس العراقي في تلك المقابلة: (إن الذي لا يتوافر لدينا رأي حوله هو الخلافات العربية العربية ومنها مثلا خلافكم الحدودي مع الكويت وأنا خدمت في أواخر الستينات في سفارة أمريكا في الكويت وكانت التوجيهات لنا في تلك الفترة هي أننا لا ينبغي أن نبدي رأيًا حول هذه القضية ولا علاقة لأمريكا بهذه القضية).(6)

و حتى تاريخ 30 يوليو لم يكن البنتاجون الأمريكي يؤمن بإمكانية الغزو العراقي فبحسب محلليه لا تتوافر لصدام الشروط الأربعة التالية: شبكة اتصالات جيدة ومدفعية قوية وذخائر هامة ودعم لوجيستي قادر على مساندة هجوم.

“إن احتلال الكويت لا يحتاج إلى حجم الحشود العراقية ويستطيع صدام أن يحتل الكويت كلها بقوات البوليس” – الجنرال كولين باول

إلا أن المخابرات المركزية كانت أسرع من تنبه يوم 28 يوليو إلى أن الخطط العراقية هي عملية غزو كامل، وكانت إدارة الاستطلاع بوزارة الدفاع قد أعادت قراءة آخر صور أرسلتها الأقمار الصناعية وقد أظهرت هذه الصور يوم 31 يوليو: إن القوات العراقية غيرت مواقعها وأن الدبابات تقدمت إلى قرب خط الحدود بفاصل قدره ما بين 50 و75 مترًا بين كل دبابة وأن المدفعية أصبحت وراء المدرعات وكان معنى هذا الوضع إن الأمر النهائي بالهجوم قد اتخذ وأن ساعة الصفر أصبحت معروفة للقوات. (7)

وبعد ظهر نفس اليوم اتصل الجنرال (كولين باول) رئيس هيئة أركان حرب الجيش الأمريكي بالأمير (بندر بن سلطان) سفير السعودية في واشنطن وطلب إليه أن يمر عليه لحديث غير رسمي.

كان الأمير(بندر) سفيرًا غير عادي في واشنطن وبحكم أنه سفير السعودية بأهميتها الكبرى بالنسبة للولايات المتحدة وبحكم أنه من أبناء الأمير (سلطان) وزير الدفاع وبحكم أنه متزوج من الأميرة (هيفاء) إحدى بنات الملك (فيصل) وبحكم أنه يتمتع بصلاحيات سياسية ومالية غير محدودة فإن صلاته بالبيت الأبيض ووزارتي الدفاع والخارجية ووكالة المخابرات المركزية كانت وثيقة لدرجة غير عادية بالإضافة إلى أن بندر كان ممثل السعودية في العمليات السرية التي كانت الإدارة الأمريكية تحتاج فيها إلى اعتمادات لا تمر عن طريق الكونجرس.

وحينما وصل الأمير بندر إلى مكتب الجنرال (كولين باول) بادره باول بسؤال: (عن رأيه في الحشود العراقية؟).
ورد (بندر) بقوله: “إنه يتصورها عملية استعراض عضلات لتخويف الكويتيين”.
وسأل (باول): “عن الكويتيين ومدى صلابتهم؟”.
ورد (بندر): “إن عائلة الصباح عائلة تجار وليست لهم هوية سياسية محددة والكويت كلها أقرب إلى أن تكون شركة منها أن تكون دولة”.

ويوم 30 يوليو طرأ جديد على أوضاع القوات العراقية وكتب (والتر لانج) المسؤول في المخابرات العسكرية عن الشرق الأوسط تقريرًا مختصرًا يقول فيه: “إن تقارير الاستطلاع تظهر أن الحشد العراقي ليس مجرد استعراض عضلات يهدف إلى تخويف الكويت”. وعندما وصل تقرير (لانج) إلى (باول) كان تعليقه: “إن الذي يحيره أن احتلال الكويت لا يحتاج إلى حجم الحشود العراقية ويستطيع صدام أن يحتل الكويت كلها بقوات البوليس”.(8)

باول يقترح تحذير العراق وبوش يرفض

وهنا اقترح (باول) على وزير الدفاع (تشيني): “أن تصدر الولايات المتحدة تحذيرًا إلى العراق من مخاطرة قيامه بأي عمل عسكري”، وكان (باول) قد اطلع على تقرير السفيرة الأمريكية في بغداد والتي طمأنت الرئيس العراقي في مقابلتها معه مؤخرًا إلى أن الولايات المتحدة لن تتدخل في أي نزاعات عربية عربية واستمع (تشيني) إلى وزير الدفاع وقال إنه سوف يرد عليه بعد الاتصال بالرئيس (بوش)، ثم عاود ورد عليه بأن: (الرئيس لا يحبذ فكرة إصدار تحذير علني لصدام حسين).(9)

ثم قام (باول) بعد ذلك بالاتصال بالجنرال (شوارتزكوبف) في مقر القيادة المركزية ويسأله عن حالة استعداد القوات طبقًا للخطة (1002 – 90) وهي الخطة الموضوعة للطوارئ العسكرية في الخليج من وقت طويل وقد روجعت أكثر من مرة وجرى تعديلها وفق تطورات الحرب العراقية الإيرانية واحتمال أن تحاول (إيران) أو (العراق) دخول مناطق البترول في ظروف تراه مناسبًا لها. ورد (شوارتزكوبف) بأن القوات المخصصة للخطة مبعثرة وهي في معظمها خارج المنطقة ولا يوجد منها قريبًا من الخليج إلا عشرة آلاف جندي معظمهم من البحرية. (10)

“لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح بالزواج بين مليون جندي عراقي وثلثي إنتاج البترول في الشرق الأوسط” – وزير الطاقة الأمريكي

كانت أول إشارة ببدء الغزو العراقي للكويت وصلت إلى واشنطن رسالة من كلمتين بعث بها الأميرال (بيل أوينز) قائد الأسطول الامريكى السادس في البحر الأبيض كانت الرسالة موجهة إلى (تشيني) ونصها: (العراقيون اخترقوا) وصلت الرسالة إلى (باول) الذي استدعى على الفور مساعديه إلى الاجتماع بهم لتقدير الموقف وكان الرئيس الأمريكي (جورج بوش) قد أبلغ بما وقع من مستشاره للأمن القومي (برنت سكوكروفت) وقد دخل بوش إلى مكتبه في البيت الأبيض حوالي الساعة التاسعة مساءً وخلفه مجموعة من المساعدين على المستوى الأعلى في الإدارة الأمريكية

وقد انتهى الاجتماع إلى القرارات التالية:

1- بيان باسم الرئيس يدين الغزو ويطالب بسرعة الانسحاب بلا قيد أو شرط ولا يقبل بديلا عن ذلك بشيء.
2- قرار بإرسال قوة من الطيران إلى السعودية فورًا (24) طائرة من طراز إف 15.
3- قرار بتجميد كل الأموال الكويتية والعراقية في كافة البنوك.
4- قرار بتشكيل لجنة طوارئ دائمة لمتابعة الأزمة.( 15).

في يوم 2 أغسطس وهو ثاني يوم للأزمة اجتمع (بوش) مع كبار المسؤولين في إدارته وما كاد يجلس إلا وقد أعلن موقفه وقد بلوره في ثلاث نقاط:

1- لا يمكن قبول ما حدث وليس هناك فيه شيء قابل للتفاوض أو لحل وسط.
2- لا بد من تعبئة الرأى العام الأمريكي والعالمي في صف الولايات المتحدة.
3- إن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن العمل وبالتالي فإن ما هو مطروح للبحث الآن هو خطط العمل.

– وكان ذلك معناه إعلان حالة الحرب ضد العراق برغم كل ما سيُطرح دبلوماسيًّا من مبادرات بعد ذلك (الكاتب).

ثم تبع (بوش) في الحديث وزير الطاقة (جيمس واتكنز) الذي قال: “إن ما حدث سوف يحدث فوضى في أسواق البترول إنتاجها وإمدادها وأسعارها فضلًا عن أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تسمح بالزواج بين مليون جندي عراقي وثلثي إنتاج البترول في الشرق الأوسط”.

ثم تطلع الرئيس (بوش) تجاه العسكريين ونظر (باول) إلى (شوارتزكوبف) الذي قام على الفور بعرض الاحتمالات المتاحة ولخصها في احتمالين:

الأول: ضربة جوية قوية موجعة: وكان تقديره أنه مهما بلغت قوة الضربة فإنها غير مؤثرة.
الثاني: التدخل العسكري الشامل على أوسع نطاق طبقًا للخطة (1002 – 90) ثم وصل للنقطة المحورية في عرضه

وهى: “إن هذه الخطة هي الخيار الحقيقي المؤثر ولكن شرطها الرئيسي هو وجود قاعدة لحشد القوات وهذه القاعدة لا يمكن أن تكون إلا السعودية”.

ثم تدخل وزير الخزانة (ريتشارد دارمان) فعلق قائلًا: (بدون قاعدة عربية نعمل منها فإننا نواجه فيتنام أخرى).
واختار (بوش) في نهاية المناقشات الحل الثاني وهو التدخل الشامل طبقًا للخطة (1002 – 90).

ثم خلصت المناقشات إلى ثلاث نقاط محددة رآها الجميع ضرورية:

الأولى: أنه لابد من الاتصال بالملك (فهد) لتأمين وجود القاعدة الوحيدة الممكنة لتنفيذ الخطة.
الثانية: هي أنه يستحسن بالمسارعة على الفور إلى إغلاق خطوط أنابيب البترول العراقي عبر تركيا والسعودية.
الثالثة: أنه لابد من ترتيبات خاصة يتحمل بمقتضاها العرب المنتجون للبترول تكاليف الخطة العسكرية فميزانية الولايات المتحدة لا تحتمل عجزًا فوق ما تعانيه من عجز ثم إن المستفيد من أي عمل لابد له وأن يتحمل تكاليفه. (11)

وقام (بوش) بالاتصال بالملك (فهد) وحينما أنهى مكالمته لخص لمساعديه تفاصيل المكالمة كالتالي:
“إن فهد في حالة صدمة ثم هو غاضب إلى أقصى درجة.
وهو يطالب بضرورة إجبار صدام حسين على الخروج من الكويت.
لكنه (أي فهد) فوجئ بمفاجأة بدت غير سارة حينما طرح عليه (بوش) ضرورة السماح للقوات الأمريكية بالنزول في السعودية لأن وضع المملكة الحساس يجعل شيئًا من هذا النوع مستحيلًا فالمملكة هي موطن للأماكن المقدسة ونزول قوات أجنبية فيها يثير ثائرة الدنيا ويعرض مركز عائلة سعود لخطر شديد”. (12)

وفي يوم 3 أغسطس عقد اجتماع خاص لمجلس الأمن القومي وقد بدأ الاجتماع في السابعة صباحًا بتوقيت واشنطن وافتتحه الرئيس (بوش) بقوله: “عندما نتفق على حجم مصالحنا الحيوية في المنطقة فإننا يجب أن نتوصل على الفور إلى أن الغزو العراقي للكويت غير مقبول وإذا كان ذلك قرارنا فالنقطة التالية هي ماذا يجب أن نفعل؟ وكيف؟ ومتى؟”.
وكان الدور على وزير الدفاع (تشيني) الذي قال: “إن الهدف من وضع الخطة (1002 – 90) للتنفيذ ويمكن تقسيم الخطة إلى ثلاث مراحل”.

مرحلة أولى: تستهدف ردع القوات العراقية عن أي تفكير في غزو السعودية وهذا الجزء من الخطة يستغرق شهرًا ويقتضي إرسال فرقة مدرعة ومجموعة حاملات طائرات مزودة بصواريخ (توماهوك) وعشرة أسراب جوية من المقاتلات والقاذفات حوالي (180 – 200 طائرة).

ومرحلة ثانية: تستطيع تحرير الكويت كهدف محدود وهذه تستغرق فترة ما بين 3 إلى 4 شهور وبها تكون القوات في السعودية قد وصلت إلى 100 ألف جندي غير الطيران والأسطول.

ومرحلة ثالثة: تستطيع ضرب العراق كهدف مفتوح وهذه تستغرق فترة ما بين 6 إلى 8 شهور وبها تكون القوات في السعودية وصلت إلى 200 ألف جندي غير الطيران والأسطول.

ثم جاء الدور على إدارة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وقال مديرها: “إنه لا يتدخل في توقيتات التخطيط العسكري ولكن وكالته تطلب تفويضًا مفتوحًا بالعمل في العراق سواء لإسقاط النظام أو لاغتيال صدام”. ووافق بوش على الفور في إعطاء الوكالة تفويضًا مفتوحًا للعمل في العراق ووقع القرار مكتوبًا بعد الجلسة. (12)

لكن المشكلة التي ظلت معلقة في الجانب العسكري هي موافقة المملكة العربية السعودية على أن تكون قاعدة لحشد القوات وفور انتهاء الاجتماع استدعى السفير السعودي الأمير (بندر بن سلطان) ليقابل مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي (برنت سكوكروفت) الذي عاجله فور دخوله بسوأل قال فيه: “إننا لم نتلق ردًّا من الملك فهد حتى الآن على طلبنا إرسال طائرات إلى السعودية ثم إن الرئيس اتصل بالملك أمس واليوم ولكن الملك يتخذ موقف الصمت فيما عدا إظهار غضبه على صدام وهذا لايكفي”.

ورد الأمير (بندر): “إنني بصراحة أستطيع أن أفهم موقف الملك، المشكلة أنكم تسحبون أصدقائكم وراءكم ثم تتركونهم في منتصف الطريق نحن نريد أن نضع أيدينا في أيديكم وإنما ما الذي يضمن أنكم سوف تستمرون إلى النهاية ثم لاتتركوننا وحدنا أمام الأعداء؟ وهذا وضع جربناه معكم من قبل”.

وفي هذه اللحظة دخل الرئيس (بوش) نفسه إلى مكتب مستشار الأمن القومي قائلا (لبندر): “علمت أنك هنا في مكتب
(برن) فقلت أمرًا وأسمع منك وأتحدث معك”، وأكمل: “إن الكويت لم تطلب مساعدتنا إلا قبل نصف ساعة من سقوط بلدهم في أيدي العراقيين فهل تنوون أنتم أيضًا أن تنتظروا إلى هذه اللحظة؟”.

وعاد (بندر) يكرر على بوش نفس ما قاله من قبل لـ (سكوكروفت)، وفجأة اتخذت ملامح (بوش) تعبيرًا جادًّا فقال (لبندر): “اسمع، إنني أعطيك كلمة شرف بأني سوف أتابع هذا الأمر إلى النهاية.. نحن مستعدون وقد اتخذت القرار ولا رجعة فيه مهما حدث”.

ومن أجل أن يطمئن بوش (بندر) طلب من مستشاره للأمن القومي أن يتصل بوزير الدفاع ويرتب لـ (بندر) أن يطلع على الخطط.
واتصل (سكوكروفت) بـ (تشيني) وقال له: “إن الرئيس يريد لبندر أن يطلع على الخطة حتى يطمئن ودعاه أيضًا أن يشاهد صور الأقمار الصناعية”.

وعلى الفور توجه (بندر) إلى مكتب (تشيني) في البنتاجون وقابل هناك في مكتب (تشيني) (باول) ودخلوا جميعًا إلى غرفة العمليات وهناك عرض باول هيكل الخطة (1002 – 90) وعدد القوات التي استخدم فيها:

(4 فرق – 3 حاملات – قوة جوية تقارب 800 طائرة) وسأل (بندر) عن عدد الأفراد الذين تضمهم هذه القوة؟
ورد عليه (باول): (من 100 إلى 200 ألف).

وأطلق (بندر) صفيرا من بين شفتيه وقال: “هذا كلام جديّ”.
وعقب باول: “جديّ جدًّا ولكنه بدون قاعدة على الأرض يصبح هزلاً”.

واتصل (بندر) بـ (سكوكروفت) وقال له: “إنه قرر أن يذهب بنفسه إلى السعودية لكي ينقل صورة لما رأى وسمع فلا الرسائل ولا البرقيات يمكن أن تنقل ما هو كاف وهو يعتقد أنه يمكن أن يؤدي دورًا مفيدًا في هذه اللحظة فهو يشعر أن المملكة تحس بحالة عري كامل إزاء هذا الموقف الذي واجهته فالأسرة والدولة في حالة انكشاف وكلهم مصاب بحالة من الخوف والهلع وعاجز عن اتخاذ قرار”.

انتهت المساحة المخصصة للمقال ولكن القصة لم تنتهِ بعد، ولازالت الوثائق تبوح بأسرارها وتكشف المسكوت عنه وتفضح المخفي منه.

في الجزء القادم:

ما قصة الهاتف الذي رن في فجر يوم 2 أغسطس بجوار سرير الملك (فهد)؟

وماذا جرى في مكالمة الملك (فهد) والملك (حسين) فجرًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- حرب الخليج – محمد حسنين هيكل
2- حرب الخليج – الملف السري – إريك لوران وبيار سالينجر
3- حرب الخليج – محمد حسنين هيكل
4- تقرير بالكونجرس عن العلاقات مع السعودية في آخر 30 عامًا
5- المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل 3 – محمد حسنين هيكل
6- الكونجرس لجنة تشرش في التحقيق بفضيحة إيران كونترا.
7- مذكرات والتر لانج
8- مذكرات الأمير بندر بن سلطان.
9- مذكرات جورج بوش الأب
10- مذكرات كولين باول
11- اللعبة الأمريكية قناع وضباع – قاسم البغدادي.
12- مذكرات الأمير بندر ومذكرات سكروسوفت.
13- مذكرات الأمير بندر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد