يبدو أن شعوبنا قد حسمت خياراتها ومطالبها في ظل إشكالية الأمان أو الحريات التي أثارتها ثورات الربيع العربي، بطرحها لأجندة تتضمن مطالب الديمقراطية وتداول السلطة والحريات وحقوق الإنسان، بديلاً عن ذاك الوضع الراكد السلطوي التي عانت منه لعقود.

بعد أربعة أعوام يبدو أن الإرادة الجمعية للمجتمع المصري حسمت موقفها واستقرت على انحيازها لمطالب الأمن والغذاء على حساب الأجندة التي طرحتها الثورات.

في المقابل يبدو أن الكتلة الحرجة التي حركت ثورة يناير في مصر، لم تفلح في إقناع الناس بأثر وأهمية القضايا القيمية المتعلقة بالحقوق والحريات وتداول السلطة على احتياجهم الأولي للأمان والغذاء وسلمية العيش.

من بديهيات الديمقراطية، ليس من الإثم بحكومة في أن تفشل في أن تحقق رخاءً اقتصاديًّا مرجوًا أو مطالب اجتماعية ما، طالما أنها خاضعة لقواعد اللعبة السياسية القائمة على مدى الرضا الشعبي عن أدائها، فمسلمٌ بأن سلمية تداول السلطة وديناميكية المشهد السياسي هو الضامن الأفضل على الإطلاق لإفراز ما هو أفضل، وإن أصابت تاريخ الديمقراطية بعض النكبات فهذا ليس إلا نتيجة للخروج عن المسار السلمي لقواعد اللعبة الديمقراطية.

ليس تقديسًا لقيم غربية، ولا امتثالاً غير مبرر لدول ناطحات السحاب وشعوب البشرة البيضاء، ولا هو بالترف الفكري القيمي عندما نقول إن الديمقراطية ما تزال بعد ما عانينا منه الضمان الوحيد للخروج من الأزمة، لأنها في الحقيقة شريطة أساسية لتحقيق الأمن الاجتماعي والقومي ورغد العيش كذلك إن أراد شعبنا.

يومًا تلو الآخر يشهد الناس ما تذيعه قنوات الإعلام عن تقدم الحكومة نحو تحقيق نمو اقتصادي ما، أو إطلاقها لمشاريع قومية متفائلين ومستبشرين بالمستقبل في ظل وجود ما يظنوا بأنها القيادة الحكيمة الرصينة التي (تستحق أن تخلد على رأس الحكم) وهو ما يعتبر توفير شرعية للاستقرار السلطوي الذي يبدو أنه اتجاه الحكومة الأساسي، خاصة وبعد تصريح سيادة الرئيس بأنه ليس من المبتغى لدى الحكومة أو من المفترض منطقيًّا أن يكون هناك نظام يتغير!! وأن من المفترض أن يكون فقط هناك (دولة) مصرية.

وهذا يعنى أن السلطة الحالية تهدف لتأسيس نظام سياسي ثابت مقوّم لذاته له طابعه الفكري والثقافي أيضًا غير القابل للتغيير، خاصة وبعد انفتاح الحكومة وتوطيد علاقتها مع دول تعتبر نماذج للنجاح السلطوي مثل الصين وروسيا.

على الجانب الآخر غابت الكتلة الحرجة التي تبنت أجندة الديمقراطية والحقوق والحريات وأختفى عمليًّا أي ملامح لتشكيل معارضة مدنية سياسية تستطيع في المقام الأول أن تدعو لأجندة مختلفة عن أجندة السلطة الحالية، ثم المنافسة على طموح الوصول للسلطة.

 

حدث ذلك عن طريق انسحاب بعض القوى طوعًا من المشهد، وعن طريق انضمام البعض لمعسكر السلطة أو تلثمه في صورة معارضة هي في الحقيقة مستأنسة، وعن طريق بعض السياسات الأمنية التي فرضتها الحكومة، والتي نجحت في تقويض المجال السياسي.

يتلازم مع حسم المواطن لخياراته أن يكون معيار الرضا الشعبي وانحياز الرأي العام للمجتمع المصري هو لمن يحقق نموًا اقتصاديًّا وتوزيعًا عادلاً للثروة، لا مباليًا بحقوق الإنسان والحريات السياسية وحق تداول السلطة، وإنما الأهم هو (لقمة العيش)، لا يدرك مواطنونا بأنه بدون الحريات والحقوق المدنية لن يكون هناك تعايش سلمي اجتماعي، وأنه بدون حق تداول السلطة ودستور متفق عليه يلزم الجميع بمعايير معينة لهذا التداول لن يكون هناك فرصة تصحيح سلمي للمسار، وما سينجم عنه بديهيًّا اضطراب أمني في لحظة ما، والذي بطبيعة الحال يتبعه اضطراب اقتصادي.
في المقابل أيضًا لا يدرك نخبتنا ومفكرونا المنحازون لقيم الحداثة أهمية ربط توجههم القيمي نحو الديمقراطية والحرية بأولويات المستوى الاقتصادي للمواطن، وأنه لا ينبغي الحديث عن الاثنين بشكل منفصل، وأنه لا بد من توجيه وعي المواطنين لتلك العلاقة الوثيقة التي تربط كلاً منهما.

بشكل أكثر وضوحًا، لا بد أن نعترف بأن كل تقدم تحرزه الحكومة على المسار الاقتصادي، أو الاجتماعي يصب في المقابل في دعم تأسيس استقرار سلطوي يعفي الجميع، أو يحرمهم في مقابل نجاحه من مشاركتهم في السلطة السياسية، أو طرح رؤى بديلة دون الامتثال لمواقفه وأفكاره، وذلك تدريجيًّا ينقص من آمال بناء الدولة الديمقراطية التعددية، لأنه يعزز من ثقة المواطنين في جدوى السلطوية والاستبداد في انتشالهم من الفقر والجوع.

لست هنا بصدد تبرير لفعل فوضوي وعنيف، أو طرح يهدف إلى تخريب المنشآت وتعطيل الإنتاج لإثبات عدم جدوى اتجاه السلطة، ولكني أرى بأنه من الضروري عودة معارضة مدنية ميدانية تبدأ خطابها للمواطن من أولوياته، وليس من أولوياتها.

تستطيع أن تحلل وتنتقد وتطرح ما هو أفضل من تحركات الحكومة على المسار الاقتصادي والاجتماعي، والتخلي نوعًا ما عن خطاب الحقوق والحريات الذي لا يبالى به المواطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد