منذ صدور وعد بلفور وهو يُطلق عليه وعد بلفور المشئوم، حيث أنه أعطى أرض فلسطين لليهود لإقامة وطن قومي لهم، فهذا الشيء يعني أنه أعطى من لا يستحق ما لا يستحق، ولم يكن اتفاق إعلان المباديء المُوقَّع في أوسلو عام 1993م أفضل حالا ، فهو أيضا اتفاق يمكن لنا أن نصفه بالمشئوم، لِمَا عليه من علامات استفهام كثيرة .

 

في 13 أيلول عام 1993م تم توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل ، وهذا لم يأتِ من فراغ أو محض صدفة، بل جاء نتيجة تغيرات كثيرة على أرض الواقع أدت في النهاية إلى توقيع أوسلو.

 

لو عدنا إلى الأسباب لوجدنا أن أول سبب أوصلنا إلى أوسلو هو منظمة التحرير التي تغير برنامجها السياسي بشكل كبير منذ عام 1967م إلى عام 1993م ، فمنظمة التحرير كان هدفها قبل حرب الأيام الستة تحرير ما تم احتلاله في حرب 1948م .

 

لكنها أصبحت تبحث عن تحرير ما تم احتلاله في حرب عام 1967م، ولكنها لم تقف هنا، بل أصبحت تبحث عن دولة أو سيادة على أي منطقة يتم تحريرها وهذا تم طرحه في برنامج النقاط العشرة في بداية سبعينات القرن الماضي، إضافة إلى وجود تغيرات في المنطقة العربية وخصوصا اتجاه الثورة و القضية الفلسطينية .

 

أوسلو، بين المعارضين له والمؤيدين، هو ليس أكثر من اتفاق أعطى الفلسطينيين سيادة على دولة وهمية،  فعلى أرض الواقع الأمر مختلف، فهذه المستوطنات هي نتاج أوسلو، وكذلك التهويد والقتل والعبثية والسيطرة على المياه ، والاعتقالات، والحصار والحروب على قطاع غزة والذل الذي وصل إليه الشعب الفلسطيني هو نتاج اتفاق أوسلو.

 

فهذا الاتفاق كان غامضا ، ويحتوي على فترة انتقالية تم تحديدها بخمس أعوام، ولكن كما يبدو أنها فترة انتقالية لا نهائية ، وبعد اثنين وعشرين عاما ما زلنا نعيش أوسلو، ولعنة أوسلو، وكلما طرقنا بابا نعود لاتفاق أوسلو الذي قيد أي تقدم يمكن أن يتم تحقيقه ، فهذا الاتفاق في حقيقته لم يُعطِ الفلسطينيين أي شيء ، بل سلب كل شيء بطريقة قانونية الشكل.

 

أوسلو بين المنظمة التي تخلت عن فكرة الثورة منذ خروجها إلى تونس وبين إسرائيل التي وجدت ضالتها بالتوصل إلى اتفاق كاتفاق أوسلو يُحقق لها ما تريد ، فهناك داخل المنظمة يوجد تيار مُعارض لفكرة التفاوض وعلى رأس هذا التيار أبو إياد وأبو جهاد .

 

ولكن كان مصيرهم واحد، الاغتيال والقتل ، ليُصبح الطريق أقل صعوبة أمام إسرائيل للتوصل إلى اتفاق مع المنظمة على أساس لا أساس له.

 

الطريق إلى أوسلو كان مُيسرا ولا عقبات فيه، فمنذ اعلان الاستقلال في عام 1988م في الجزائر، من قِبل منظمة التحرير الفلسطينية ، أصبح التوصل لاتفاق آخر أسهل مما كان في الماضي ، فإعلان الاستقلال كان له وجه آخر وهو الاعتراف بإسرائيل، ونبذ الإرهاب والوقوف ضده بعد سنوات الثورة، يعني القضاء على الثورة الفلسطينية.

 

يكمن الخطأ في التحول في التفكير والنظر للعدو، فقد كان النظر لإسرائيل أنها عدو، وكانت القضية الفلسطينية هي أهم قضية في المنطقة العربية، ولكن لم يعد هذا الأمر موجودا، فالنظر إلى إسرائيل أصبح يختلف وكأنها دولة يمكن التعامل والتفاوض معها، وإقامة علاقات معها كأية دولة أخرى في هذا العالم وهذا تغير خطير، والشيء الآخر حق العودة الذي هو أساس القضية الفلسطينية، أصبح حق شبه منسي ومُهمش.

 

بعد هذه الفترة الطويلة من الاتفاق يمكن أن نصل إلى أن إسرائيل لا يمكن أن تُنفذ أي اتفاق، أو أنها لن تعطي الفلسطينيين ذرة رمل عن طريق التفاوض والاتفاقيات.

 

و أننا لا يجب أن نركض خلف أوسلو جديد بنكهة إسلامية لرفع الحصار عن غزة، لأن هذا يعني القضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية التي يتم القضاء عليها رويدا رويدا بأشكال مختلفة وطرق مُمنهجة، وأنه يجب أن نُدرك أنَّ إسرائيل لا تُعير اهتماما للقانون الدولي، ولا لمجلس الأمن أو الأمم المتحدة، فلو كانت تهتم بالقانون الدولي لكانت توقفت عن بناء المستوطنات والقتل والجرائم، و لو كان القانون الدولي يقف مع الحق، ويُنصف المظلوم، لكان القانون الدولي قد اتخذ الكثير من الإجراءات والعقوبات ضد إسرائيل.

 

إن لم تكن فلسطين هي أهم من المناصب والأحزاب في تفكيرنا وفي توجهاتنا وعملنا، لن نصل إلَّا إلى القضاء على القضية الفلسطينية وعلى ما تبقى من فلسطين، والقضاء على كل التضحيات، ففلسطين أهم من جميع الاتفاقيات بغض النظر كيف نتجت أو كيف ستنتج، وبغض النظر مع مَنْ تمت أو سيتم توقيعها .

 

عندما أنظر إلى ما وصلنا إليه أتذكر الكثير من رسومات ناجي العلي الذي استطاع من خلال التفكير و التحليل الصحيح أن يتنبأ بما نحن فيه و كأنه رسمها للتو و ليس قبل عشرات السنين، في النهاية، “إنَّ أخطر شيء ممكن أن نتعرض إليه قتل الروح وليس الجسد، فالجسد إلى فناء، ولكن إن تم القضاء على الروح فلن يتبقى شيء، وأتمنى أن لا تُقتل الروح الفلسطينية”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد