داعش هي حركة سياسية وليست دينية، ففي حين نجد أن الحركات الدينية تقوم من أجل محاربة معتقد خاطئ أو نشر معتقد تراه صحيحًا، مثل الحركة الوهابية التي قامت أساسًا لمواجهة بعض آثار الشرك التي ظهرت في أرض نجد ودعت لإخلاص التوحيد لله، فإن داعش لم تقم من أجل محاربة معتقد خاطئ أو نشر معتقد صحيح، ولكنها قامت من أجل إقامة دولة تسيطر على أراضٍ وتحكم شعوبًا وتدير موارد، وهي حركة ذات مرجعية إسلامية تتبنى أفكارًا متطرفة وتميل إلى الغلو والمغالاة في التكفير لكل من يخالفها، وهذه المغالاة في التكفير هي ضرورة سياسية أكثر منها اجتهادات فقهية خاطئة.

فالشريعة الإسلامية تمثل قيدًا على عمل السياسي، مثلها في ذلك مثل الدستور والقانون، وفي حين تستطيع الأنظمة المستبدة التحايل على الدستور بتغيير نصوصه واستبدال نصوص مرنة بها تحتمل أكثر من تفسير، فإن الشريعة لا يمكن تغيير نصوصها، ولهذا نجد أغلب الأنظمة المستبدة في العالم الإسلامي تتبنى فكرة الفصل بين الدين والسياسة، لتتهرب من القيود التي يفرضها الدين على العمل السياسي، فتمنعها من قتل معارضيها أو سجنهم أو الاستيلاء على الأموال بدون وجه حق، مما يعيقه عن إحكام قبضته على الدولة.

إن مقاصد الشريعة الإسلامية هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وليس منها حفظ النظام الحاكم بل إن الشريعة ربما أتت لحماية تلك المقاصد من الحاكم نفسه، وتكبيل يده في انتهاكها. ورغم محاولات علماء السلطان على مر العصور لمحاولة إسباغ قدسية على الحاكم، تحرم الخروج عليه، وتحبب للناس الرضا بظلمه، والصبر على بطشه، إلا أن قوة الشريعة ووضوح نصوصها التي تدعو لمقاومة الظلم والتصدي للظالم حالت دون اطمئنان أغلب المستبدين لها فأصبحت الشريعة الإسلامية هدفًا لكل حاكم مستبد لا يستطيع أن يعمل من خلالها فيسعى لإقصائها حتى لا تحول بينه وبين تحقيق أهدافه.

فلو أن محمد علي مثلًا خضع لأحكام الشريعة الإسلامية في التعامل مع المماليك فهل كان سيستطيع أن يقتلهم بدون محاكمة كما فعل؟ ولو أنه امتثل لأوامر الشرع ولم يقدم على قتلهم فهل كان سيستطيع أن يبسط سيطرته على الدولة بأكملها؟ ومن ثم يحقق أهدافه ومشروعاته السياسية؟

إن التخلص من قيود الشرع والدستور هو أمر ضروري للسياسي الفاشل الذي لا يمتلك الحنكة والدهاء السياسي الذي يمكنه من تحقيق أهدافه دون الاصطدام بقيود الشرع والقانون. ولأن طبيعة النظم المستبدة تفرض وصول الأقوى إلى سدة الحكم وليس الأكفأ، فإنهم يسعون للتخلص من القيود الشرعية والقانونية ليستطيعوا أن يحققوا أهدافهم السياسية بسهولة ويسر.

وداعش بوصفها حركة سياسية ليست بعيدة عن تلك الأنظمة المستبدة، فالشريعة تمثل لها أيضًا تضييقًا يعوقها عن بلوغ أهدافها، فهي مثل باقي الأنظمة المستبدة تحتاج إلى قتل معارضيها أو قتل مدنيين عزل لتحقيق انتصارات عسكرية سريعة عن طريق بث الفزع والرعب في نفوس خصومها وغيرها من أمور يحرمها الشرع ويجرمها، لهذا كانت في حاجة إلى التخلص من قيود الشريعة الإسلامية الصارمة في الحفاظ على النفس البشرية، ولكنها باعتبارها حركة ذات مرجعية دينية لم يكن من المعقول أن تتبنى مبدأ فصل الدين عن السياسة، ولكنها تخلصت من القيود الدينية باتباع سياسة الغلو والتطرف والتوسع في التكفير، فبدلًا من تجاهل النصوص الشرعية قررت أن تتبنى أفكارًا واجتهادات فقهية متطرفة تكفر كل من يخالفها باعتبارهم من المرتدين الواجب قتلهم، ثم أجلت تنفيذ القرار لحين تكون هناك ضرورة للقتل، فإذا أرادت أن تهاجم مدينة واقتضت الضرورة أن يسبق عملية الهجوم قتل عدة مئات من المدنيين لإحداث الصدمة في نفوس أعدائها وإثارة حالة من الفوضى في صفوفهم، فلن تجد لديها مانعًا شرعيًا من القتل لأنهم كفرة مرتدون قتلهم واجب ولكنه كان مؤجلًا لحين وجود ضرورة تستدعي قتلهم.

إن التكفير عند داعش هو هروب من الضوابط الشرعية يعطيها مساحة أكبر في التعامل مع أعدائها ومرونة في تنفيذ مخططاتها العسكرية والسياسية، مثله مثل فصل الدين عن الدولة عند الأنظمة المستبدة العلمانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التكفير, داعش
عرض التعليقات
تحميل المزيد