ليس كفرًا بالوجود من عدمه بقدر الكفر بما يجب أن يترتب عنه القيم والمبادئ والمظاهر وكل الممارسات التي نتعايش معها يوميًا، بكل المواقف التي نمر بها والارتباطات الشخصية والاجتماعية التي نجاري تبعات أدائنا تجهاها سلبًا وإيجابًا.

كفر العصر ليس كفرًا بوجود الله، فهذه مسلمة تجاوزنا الجدل فيها، فالله متجل في كل حجر وشجر وبحر وسماء، متجل في كل نظام وكل ظاهرة كونية، وهو موجدها وموجد كل شيء سبحانه تعالى، ليس كمثله شيء وهو رب الكون أجمعين الرحمن الرحيم.

كفر العصر كفر بالقيم، كفر بالأنا، وما الأنا إلا التقاء مجموعة من القيم والمبادئ التي تميز ذات أحدنا عن الآخر: في قوله، وفعله، وحركته، وسكونه، تكوين الشخصية في الإنسان التي يتميز بها ويحاسب بها ويحاسب عليها، الوحي الذي يحتفظ به في عالمه ويتجلى في واقعه بين الناس من حوله، وترابط عالمين الواقع والروح وتوافقهما.

العين نافذة الروح فمتى ما كانت العين تعدو إلى إبصار الطيب فهذا من طيب روحها وعطرها واستمساكها بالحق، والقلب مقياس يحقق التوازن في حكم الإنسان على الأمور، فإذا كان العقل يجزم جزمًا على القوانين ويكرسها فإن القلب يرجح بعض الاستثناءات لما فيها من كثرة الفائدة على حساب ما قد يتسبب من ضرر، لكن الفهم مع التطبيق في يومنا لا يعد ظاهرة ولا حرص للناس عليه، لذلك فالانسان كفر بجزء كبير من الفطرة التي ولد عليها متعلقة بالفهم والتطبيق.

الفصل بين الفهم والتطبيق كالفصل بين الجسد والروح، لذلك حياتنا اليوم أشبه بالانتحار البطيء كلما تعلمنا العلم وفهمناه ولم نطبقه، لماذا نتعلم ونسعى للفهم ما دمنا لا نمارس هذه المفاهيم على واقعنا ونلقي بها عرض الحائط؟

القيم التي تحكمنا أصبحنا نحكمها، والمبادئ التي توجهنا أصبحنا نوجهها، فتحول الثابت إلى متغير والمتغير إلى ثابت، ويبدو لنا من بعيد أن كل شيء انطوى تحت مسميات ومفاهيم ممزوجة بالباطل أكثر من الحق، ولم تعد الفطرة الإنسانية سليمة بل لا أقل من أن نسميها فطرة هجينة اختلطت فيها المفاهيم وامتزج فيها الصحيح بالخطأ.

البستان الذي كان كل شبر فيه يشد نظرنا بشكله ولونه وحتى طعمه أصبح اليوم بلون واحد يتملكه الفتور وتعتريه كآبة غريبة، والألوان التي كان يسحرنا بريقها أصبحت بطبيعتها لونًا رماديًا لا حياة فيه، مزجناها ببعض تحت شعارات تبدو في ظاهرها حقوقية عصرية، إلا أنها خبأت لنا تيها وشتاتًا داخليًا انعكس على نمط حياتنا وأدائنا وسلوكنا بعكس ما كان يبديه لنا بريق شعاراتها في البداية.

القيم التي نؤمن بها أو نكفر هي ميراث، وميراث الموت كله مكتوب بقدر للحي من بعده، لكن الحياة تكتب ميراثها للميت بقدر أيضًا ليأخذه معه لحظة الوداع الأبدي، والميت في حياته يعمل عملين فيكنز كنزين، أحدهما يرثه الحي من بعده والآخر تجمعه الحياة لتورثه إياه عند مغادرته، وكلاهما فيه الخير والشر، القليل والكثير، لذلك فكر أي العملين يأتي أولًا وأي ميراث ستعمل له أكثر، ميراث الموت أو ميراث الحياة.

لمن نقرأ؟ لمن نسمع؟ بمن نقتدي؟ بماذا نؤمن ونفكر ولمن؟ فوضى الأفكار ميل والمنهج المتبع كحاصل الركض وراء المجهول دون تفكير وتدقيق، لمجرد بريقها الساحر تبعناها لذلك لا ضير من إعادة النظر والتفكير العميق وتحليل المعطيات ثم إعادة تركيبها تركيبًا صحيحًا ثابتًا عكس ما كانت عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد