لم يقف العقل البشري عند تلك الأسباب القليلة (التي تحدثنا عنها في الجزء الأول من الثورة الزراعية) لتحقيق النهضة الشاملة بعلم الزراعة.

حب المسلمين للعلم والعمل كان دافعًا لإكمال ما بدأوه.

«إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَ» – النبي محمد ﷺ.

هل سألتم أنفسكم كيف تقوم ثورة زراعية شاملة بدون ماء! كيف استطاع المسلمون نقل الماء إلى داخل المدن، ووسط الأرض الزراعية البعيدة؟ دع رحلتنا تبدأ.

-رفع الماء!

كان الأمر أكثر تعقيدًا مما نظن، لم يرفع المسلمون بالشادوف الذي اخترعه القدماء المصريون، أو تلك النعاور التي استُخدمت في بلاد فارس، بل بذراع الكرانك!

دعني أشرح لك، استطاع الجزري اختراع تلك التحفة المكونة من عمودَيْ تدوير متعاكسين لاحتجاز الماء، يكبسها مكبس ثم يدفعها إلى الأعلى، ثم يتم نقلها في أقنية تحت الأرض إلى داخل المدن والحقول!

كانت تحتوي على دواليب، ومكابس نحاسية، أنابيب شطف وضخ، وصمامات ذات اتجاه واحد، كانت قادرة على تحويل الحركة الدائرية إلى حركة في خط مستقيم!

استطاعت رفع الماء دون أن يحرك أحد إصبعًا واحدًا (أوتوماتيكية)، وإن كان ما فات غريبًا، فالأغرب منه أن تلك التحفة «صديقة للبيئة»!

ومنها جاءت فكرة المحرك البخاري، نعم جاءت فكرة المحرك الذي يستعمل في القطارات والسيارات من اختراع الجزري الذي اخترعه قبل ألف عام تقريبًا! كان ثورة في تاريخ الاختراعات.

«من الصعب المبالغة في تأكيد أهمية عمل الجزري في تاريخ الهندسة. إنه يقدم ثروة من التعليمات المتعلقة بتصميم الآلات وتصنيعها وتجميعها»
المهندس البريطاني (دونالد ر. هيل).

– عبقرية السدود

لعل العنوان لم يدهشك، فقد تعودت على تلك العبقرية من العرب، نعم عبقرية السدود، لم يبنِ المسلمون السدود بشكل عشوائي، بل تبعًا لدراسات للنهر وتدفقه، والطبيعة الطوبوغرافية للأرض المحيطة بهِ، وطريقة بناء السدود المناسبة، فهذا عميق له قواعد وذاك ضحل، أو رقيق أو ثخين.

– عبقرية البناء

اِنتَشَرت السدود في الدولة الإسلامية، وتميزت بالتفنن وعبقرية المعمار.

هذا «سد البكري»:

بني بالقرب من القيروان يشهد عظمة التشييد، بشكله الدائري وضخامة حجمه، ونجد في وسطه برجًا ثمانيًا، تميز بأنه مغطى بفسطاط ذي أربعة أبواب.

في الطرف الجنوبي من الخزان سلسلة طويلة من الأوراق المقنطرة، ولقد بني في تونس أكثر من 250 خزانًا، لكل منها حوض، واحد لصفق الماء، وثانٍ لفصل الرواسب، وثالث لحفظه، والأخير لجر الماء لاستخدامه في المشروعات الكبرى.

كانت بُنيته الأساسية من الدبش المغمور في الملاط (مصنوع من الكلس المطحون مع رماد نبات صحراوي).

هذا الثاني «سد كيبار»:

بإيران يعد من أقدم السدود القوسية الذي بني منذ 700 سنة!

ودعني أقص عليك قصة السدود الثمانية:

تلك السدود التي بقيت على قيد الحياة منذ ألف سنة وحتى الآن، بنيت هذه السدود الثمانية على نهر «توريا» بقواعد عمقُها 16 مترًا!

مدعومة بصفوف من الأعمدة الخشبية تتميز بقواعدها المتينة لتتحمل اضطرابات الماء، وارتطام الصخور والحجارة.

لم يكن الهدف مجرد بناء سد ليحمينا اليوم، وإنما بناء سد يحمي أممًا من بعدنا، وبالفعل ما زال إقليم «بلنيسا» يُروى من ماء تلك السدود دون الحاجة إلى أي إضافات تذكر!

«تجاهل تاريخ الهندسة المدنية في الفترة الإسلامية كليًا، وخصوصًا فقد تجاهل مهندسي السدود، إذ لا يرد ذكر أو الإشارة إلى أعمالهم أبدًا» نورمان سميث – في تاريخ السدود.

هل فهمت لمَ تحققت تلك الثورة؟ لأن العرب قبل 14 قرنًا ونصف القرن، قرروا أن يقفوا مع أنفسهم ويسألوها: هل نحن على الطريق الصحيح؟!

أأخبرك بكلمة سر أي نجاح؟ الإنسان، والعلم، والعمل!

دعني أقل لك شيئًا في الختام، كان أجدادنا حقًا عظماء، فهل سيفخرون بنا إن رأونا اليوم، هل حافظنا على ثمرة عملهم وجهدهم أم ضيعناها فضعنا؟

هل أنت سعيد بيومك الضائع أغلبه، فقط ضع قول الحسن البصري في أذنك: «إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك».

فقط أفق من غفلتك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات