عرف النظام الاقتصادي البشري الذي سارت وفقه أمور القاطنين على سطح هذا الكوكب تطورات عديدة على مدى القرون والسنين الماضية، تطورات حتمية حكمتها عوامل عدة أدى تغير معطياتها مع الزمن لظهور نظريات اقتصادية تتماشى وهذا التغير، وتحاول قدر المستطاع تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح أو التوزيع العادل للربح.

 شكل هذان العنصران قطبية تتصارع حول قمة أولويات الأنظمة الاقتصادية، وكان تحقيقهما الهاجس الأول لكل الفاعلين والمفكرين في المجال. وإن مررنا بسرعة ودون تعمق على المسار الزمني لتطور الاقتصاد العالمي سنجد ثلاث محطات أساسية متباينة الهدف والنتيجة.

 أولها الإقطاعية، حيث حاول ملاك الأراضي تحقيق الربح الأكبر لهم وحدهم دون مراعاة العمال ولا حقوقهم ولا وضعيتهم المالية المتردية، لتتركز الثروة في يد فئة قليلة، بينما تقبع البقية في فقر مدقع.
تلتها الشيوعية، القائمة على تقسيم الربح كاملًا على الجميع بالتساوي، ربما خلق النظام رضا اجتماعي نسبي، لكنه كان نظامًا ذا ربح قليل بدلالة ما يمكن تحقيقه بنفس الموارد والقدرات.
لتأتي أخيرًا الرأسمالية، النظام القائم على المنافسة وتفوق من يبذل مجهودًا أكبر – أو أذكى – حيث يتناسب الأخذ مع العطاء.

 مخطئ من يظن أن التطور البشري يسير في اتجاهات مختلفة ومتفرقة، أو أن المجالات المعرفية، الاجتماعية، الثقافية، التاريخية، السياسية أو الاقتصادية لا تتقاطع مع بعضها البعض ولا تتشابه.
إن أكبر معضلة اجتماعية والأكثر نقاشًا حول العالم حتى صارت مقباسًا لتقدم الشعوب والدول في متم القرن الماضي والخُمس الأول من القرن الحالي – والحيز الزمني لا زال مفتوحًا – هي التمييز بين الجنسين.

 الجندرة حسب الكثيرين درب من دروب العنصرية ولربما أوحشها وأظلمها على مقياس ضخم، حيث يحاول نصف المجتمع السيطرة وأخذ زمام الأمور على حساب النصف الآخر. نسبة التمييز عرفت اختلافًا يوازي تطور الأنظمة الاقتصادية الذي تحدثنا عنه في البداية.

 فقد كانت البشرية في معظمها ذكورية النزعة، حيث جسد الرجال حكم الإقطاعية مع مواراة المرأة والمهام الشاقة التي لطالما تحملتها من طرف العادات والتقاليد أو تلك التي فرضتها عليها الطبيعة. التمييز الإقطاعي اندثر من معظم أرجاء المعمورة، لكن بتفاوت يتناسب مع الخلفية الإثنية والثقافية لكل مجتمع على حدة لنجدها تطفو مجددًا من حين لحين، هنا وهناك.

 لننتقل بعد ذلك للدعوة إلى المساواة، أو ما أحب تسميته بالتمييز الشيوعي. تمييز! نعم، فالمساواة ليست سوى تكريس لتمييز قائم على النصف بالنصف دون النظر لمتغيرات أخرى قد ترجح كفة أي من الطرفين للتفوق في أخذ منصب معين. مقاربة تقوم على قبول كلا الجنسين بأقل ما هو ممكن من الكعكة ما دامت موزعة بينهما بالتساوي. الكم قبل الكيف، وهنا تقبع الخطورة، حيث صارت معظم الهيئات والمجالس أو المؤسسات توظف عددًا من الأشخاص (ذكورا أو إناثًا على حد سواء) فقط انصياعًا لقوانين التقسيم المتساوي أو لتعاملها مع منظمات أو دول عالمية تأخذ المساواة بعين الاعتبار لتقييم المتعاملين معها.

 قبل شهور قليلة وخلال فعاليات منتدى عالمي، وفي طاولة تناولت موضوع المساواة بين الجنسين في القارة الأفريقية قام أحد الحاضرين بتدخل ملفت، حيث أكد على أن الكفائة قد تكون المعيار الأمثل للحضور وأخذ الفرص عوض مجرد النسب التمثيلية ليكون رد رئيسة الهيئة العالمية صادما لي شخصيا عندما خالفت رأي المتدخل مؤكدة أن النساء اليوم في حاجة للحضور بغض النظر عن القدرة والكفاءة في الأداء.

وتبسيطًا للرؤية الاقتصادية السابقة، لنأخذ مثالًا بسيطا من واقعنا المعاش. ففي إطار أزمة البطالة التي تعرفها البلدان اليوم نرى الشباب يضعون صوب أعينهم الوظيفة العمومية كمنتهى الأماني عوض العمل في القطاع الخاص، السبب – وإن كانوا يخفونه – هو في الأساس أن الوظيفة العمومية أكثر مرونة مع الموظفين، حيث لا ربط بين المسؤولية والمحاسبة، والترقية تخضع للأقدمية فقط، والراتب ثابت دون أدنى اعتبار إن كان الموظف يقوم بواجبه أم لا. الرضى هنا بأقل الأرباح طالما لا نبذل المجهود اللازم. بينما العمل في القطاع الخاص يتطلب مجهودًا أكبر، فرئيسك في العمل لن يقبل أي وهن أو تقاعس قد يسبب في نقص أرباحه، وبالمثل تقابل المجهودات بالترقية الأسرع نسبيًا، وبالتالي راتب أفضل، وقيمة اجتماعية أهم.

والمثل بالمثل، المبدأ الرأسمالي في التعامل مع الجندرة قد يكون ذو هامش مخاطرة أوسع بكثير من المساواة، لكنه يستحق أن يؤخذ بعين الاعتبار، فالنساء هنا خاصة المقتنعات بأنهن أكفأ من الرجال في معظم الميادين ستكون لهن الفرصة في الحصول على نصيب أكبر من النصف الذي يطمحن لبلوغه اليوم، وبالتأكيد سيكون العمل بنظام الكفاءات أفضل للمجتمع، ووقودًا أكثر فاعلية لقاطرة التنمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عنصرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد