رواق ممتلئ عن آخره، ترتفع ضجة عالية منه. في عناد صبياني يرفض أحد الأطفال النهوض من على الأرض بعد أن أبت والدته اقتناء لعبة له، وآخر يركض فرحا غير مصدق أنه حصل على نفس اللعبة التي تعرض على شاشات التلفاز. أشيح نظري عنهما وأعرج به ناحية الرف المخصص للدمى والعرائس، فيسترعي انتباهي تفاوت سعر دميتين بالرغم من تماثلهما واشتراكهما في الخصائص جميعها (القطع المكونة لكلتيهما، الشركة المصنعة…) باستثناء خاصية واحدة؛ لون السحنة. أي منطق ذاك الذي يجعل سعر دمية “بيضاء” أغلى من نظيرتها سوداء البشرة؟!

إنه نفس المنطق ـ منطق الاضطهاد والمَيْز ـ الذي عانى منه الأمريكيون السود والذي دفعهم إلى تنظيم sit-ins خلال الستينيات تعبيرًا عن رفضهم لمثل هذه السلوكات العنصرية. كان أول من ذهب إلى هذه الصيغة من الاحتجاج السلمي أربعة طلاب جامعيين عام 1960 بعد أن امتنع مستخدمو مقصف الجامعة عن تقديم الطعام لهم في القاعة المخصصة لأصحاب البشرة البيضاء، فما كان منهم إلا أن جلسوا أرضًا احتجاجًا على هذا التعامل.

بعد ستة أشهر من النضال اليومي تم إلغاء العزل بين الطلبة السود والبيض. لكن وعلى الرغم من حظر الفصل العنصري داخل المؤسسات التعليمية منذ سنة 1954، وتوالي انبثاق حزمة من التشريعات القانونية التي رامت إلغاء التمييز بين الأعراق من قبيل قانون الحريات المدنية لعام 1964، وقانون حقوق التصويت لعام 1965، وقانون الإسكان العادل لعام 1968، إلا أن الواقع الحالي يظهر تفاوتًا في مستوى المعيشة والتعليم ومنظومة العدالة الجنائية، وغيرها من الأبعاد الأخرى بين البيض والسود.

قد يذهب البعض إلى أن ما تحقق من مكتسبات حقوقية في مناهضة المَيْز العنصري على المستوى الدولي والمحلي إلى حدود الساعة إشارة إلى قطعنا أشواطًا متقدمة في حسم هذا الداء، والحال أننا ما نزال في بداية الطريق، فالمَيْز بتعدد تلاوينه موجود في معظم المجتمعات الإنسانية وإن بدرجات متفاوتة.

تمثيلية السود داخل المشهد السمعي البصري بالعالم العربي (إشهارات، سينما، برامج تلفزيونية…) – على سبيل المثال لا الحصر – تبقى جد ضئيلة، والأكيد أن السبب وراء ذلك غير مرتبط بانعدام كفاءة هذه الفئة ولا بقلة عدد ممثليها، بل يرجع الأمر في أحايين عدة إلى هيمنة قوالب نمطية على أذهان بعض القائمين على هذا القطاع.

من ناحية أخرى، سجلت بعض الدول العربية تأخرًا في منح المرأة حقها في الترشح والتصويت. ومنع المرأة دون الرجل من حقوقها المدنية ومن المشاركة في الحياة السياسية فيه من الميز الشيء الكثير، فبدون هذه الضرورات الإنسانية ـ الحقوق المدنية ـ لا سبيل ليتمتع المواطن ذكرًا كان أم أنثى بمواطنته وكرامته الكاملتين .

وعلى الرغم من المنع القانوني، لا تزال جماعة الداليت ـ أدنى مكون داخل النظام الطبقي الهندي ـ تعاني بدورها من أبشع أشكال الاضطهاد والميز داخل بعض المناطق الريفية؛ أن تكون فردًا من جماعة “المنبوذين” يعني حرمانك من التردد على مطاعم أو معابد ترتادها باقي مكونات المجتمع، أن تكون منبوذا معناه عدم مخالطتك غير المنبوذين أو استعمال نفس طريقهم أو دخول منازلهم أو حتى الجلوس إلى جانبهم داخل المؤسسات التعليمية، أن تكون منبوذا يعني خضوعك لطقوس وممارسات إجبارية من قبيل نزع الحذاء في حضور أفراد الطوائف “العليا”، قد يعني أيضًا انتماءك إلى فئة الداليت قبول تأدية أعمال دونية يستحقرها الآخرون تشمل جمع الفضلات البشرية يدويًّا.

والحال أن العديد من الفئات ما تزال ضحية لهذه الموروثات الاجتماعية المشينة كما هو الأمر بالنسبة لأخدام اليمن وبوراكو اليابان، وغيرهم من الجماعات البشرية الأخرى.

قصارى القول، يبقى تشريع قوانين وعقوبات للحد من الممارسات التمييزية القائمة على أساس إثني أو جنسي أو ديني أو غيرها من الأسس، خطوة ناقصة ما لم يقترن بعملية الاشتغال على الصورة الذهنية للمجتمع وإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع النصوص الحقوقية المتقدمة، ما يلقي على مؤسسات المجتمع جميعها مسؤولية العمل بشكل متسق لترسيخ ثقافة حقوقية متينة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد