«لا قيمة للحرف إذا لم يكن فيه نبض الحرية». أرسطو

انتهت الانتخابات الرئاسية المصرية، وفاز الرئيس عبد الفتاح السيسي بدورة رئاسية جديدة (كما هو متوقع سابقًا) في انتخابات بطعم الاستفتاءات! وكان سؤالي لنفسي بعدها في تلك الأجواء العاصفة والأخطار المُحدقة: تكتُب أم تصمت؟ تواجه أم تهرب؟ تقترب أم تبتعد؟

خصوصًا أن الشعور السائد في مصر اليوم هو شعور بالقلق ممزوج بالخوف المُريع، فهو قلق حزين أحيانًا، غاضب في أحيان أخرى، مجروح في معظم الأحيان، ومحسوس طوال الوقت بألم نافذ في العظام.

فكرت، ثم ترددت، ثم تجاسرت، ثم أمسكت بالقلم وأقدمت على الكتابة.

فلم يكن في استطاعتي أن أمثل دور «القردة الثلاثة» في اللوحة المشهورة: أحدها يُغطي عينيه فلا يرى، والثاني يغطي أذنيه فلا يسمع، والثالث يغطي فمه فلا ينطق!

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

خصوصًا أن هناك من يُريد أن يحول من رئيس الدولة ودوره السياسي «لأسطورة»، والأسطورة تشتمل على إيحاء غيبي، كما أنها تحمل لمسةً مما وراء الطبيعة، أو تجعله منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب منها إلا بإذن، والدخول إليها لا يكون إلا بتصريح، أو تجعله تابوهًا ممنوع الحديث عنه إلا بما يُرضي «ولي النعم»، أو يعظم ويفخم فيه وفي دوره، وإلا حل عليه سخط وغضب الآلهة!

هؤلاء منهم «الطامع» في عطية ما، ومنهم «الطامح» في دور يلعبه مع السلطة، أي سلطة لا يهم! وهم يطلون علينا ويخرجون لنا من كل اتجاه، من منشتات وأعمدة الصحف، ومن مذياع الإذاعات، ومن شاشات الفضائيات، ومن على منابر الخطابة في الجوامع، ومن أعلى منصات الوعظ والإرشاد في أبراج الكنائس. ومثل هؤلاء ينطبق عليهم قول رئيس وزراء بريطانيا الأسبق «لويد جورج»: «هؤلاء على استعداد لسلخ جلود بطون أمهاتهم يشدونها ليعزفوا عليها أناشيد أي سلطان»!

هؤلاء جميعًا (الطامعون والطامحون) يتشاركون في أنهم يحاولون إخفاء «القصور السياسي» بالعبارات الإنشائية ذات الرنين العالي التي تصنع ضجة مُجلجلة، ولكنها لا تستطيع بعد أن تتلاشى أصداؤها ترك أثر يبقى أو يدوم. وهم كذلك يحاولون تغييب العقول بترقيق القلوب، وهم كذلك يُلحون على العقاب الصارم بفرقعة السياط بغرض خلع القلوب من الخوف، وإيقاف العقول عن التفكير، وقتل أو شل الإرادة عن الفعل،لكل من توسوس له نفسه بالسوء الخروج عن الخط المرسوم من «الأخ الأكبر»! وهو نهج ومنهج الأساطير نفسه.

ولقد قررت بهدوء مناقشة مقولتين تحولتا بكثرة الإلحاح على ترديدهما لإسطورتين وهما:

الأسطورة الأولى: الرئيس السيسي «قاهر الإخوان»

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏شخص أو أكثر‏ و‏أشخاص يقفون‏‏‏

وأقول لمؤيدي الرئيس المتعصبين بأن الأمم والشعوب لا تعيش أسيرة فضل أحد من أبنائها، أو تظل تتغنى بماضيها ناسيةً حاضرها ومُنحيةً مستقبلها. فالنظم وقيادتها السياسة تُشبه «راكبي الدراجة عليهم أن يتحركوا بشكل مستمر وإلا وقعوا، واتجاه حركتهم هو الذي يحدد بوصلة توجهم هل هو للأمام، أو للخلف، أو هو دوران حول الذات والنفس بدون أي نفع أو طائل»؟! إن ذلك ما يقول به التاريخ وهو خير مُعلم.

وأسوق مثالًا من بريطانيا

برئيس وزراء بريطانيا الكبير «ونستون تشرشل» الرجل الذي قاد بريطانيا ومعسكر الحلفاء كله مع حليفه الرئيس الأمريكي «روزفلت» في الحرب العالمية الثانية.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

تشرشل

كان تشرشل هو صاحب الخطبة المعروفة للشعب البريطاني التي قال لشعبه فيها بأنه لا يمتلك شيئًا يقدمه لهم غير «العرق والدموع والدم». وسار خلفه البريطانيون، ونجحوا في كسر شوكة جيوش الفوهرر «أدولف هتلر».

وفي أول انتخابات برلمانية في بريطانيا بعد الحرب، دخل «تشرشل» الانتخابات وهو شبه موقن بأنه سيكتسح الصناديق (أليس هو البطل المغوار!)؟ الذي دكت جيوشه مخبأ «هتلر» في عش النسر على قمم جبال «برختسجادن» في بافاريا، ولكن المفاجأة كانت في هزيمة البطل المغوار «ونستون تشرشل» أمام منافسه «كيلمنت آتلي» الذي كان برنامجه الانتخابي شعاره «إعادة بناء عدالة اجتماعية من جديد».

مثال آخر: من الولايات المتحدة الأمريكية

دخل «جورج بوش» الأب الانتخابات الأمريكية بعد اكتساح جيوشه الجيش العراقي وتحرير الكويت، وكان هو على رأس التحالف الدولي الكبير الذي نشأ من أجل تأديب قائد حزب البعث العراقي في بغداد «صدام حسين» وإخراجه من الكويت، وكانت تلك خطوة مهمة لتعزيز الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وظن الرجل (بوش الأب) أنه سيكتسح الانتخابات الأمريكية اكتساحًا (أوليس هو قيصر أمريكا الجديد؟!).

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏يبتسم‏، و‏‏بدلة‏‏‏‏

بوش الأب

لكن غير المتوقع يحدث دائمًا (باستعارة عنوان قصة مشهورة لأديب فرنسا الكبير «أندريه موروا»)، وذلك ما جرى حين خسر «بوش الأب» معركته الانتخابية وسقط أمام مرشح آخر مجهول «بيل كلينتون» من ولاية «أركانساس» أطلق شعارًا سحريًّا لمس فيه نبض الشعب الأمريكي بقوله: «إنه الاقتصاد يا غبي»، موجهًا الخطاب بالطبع إلى الرجل الحالم بتعزيز الإمبراطورية الأمريكية دون أن ينتبه إلى أن الاقتصاد الأمريكي متعب ومرهق.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏بدلة‏‏‏

بيل كلينتون

وكان ذلك مثالًا آخر على أن الدول والشعوب لا تظل تتغنى بماضيها ناسيةً حاضرها ومستقبلها كما يريد منا البعض الآن، أو تعيش أسيرة فضل أحد أبنائها حتى لو كان بعظمة «ونستون تشرشل»، أو بقوة وحزم «جورج بوش الأب»، أو بسحر وجاذبية «بيل كلينتون»!

الأسطورة الثانية: الرئيس السيسي هو «البطل الكبير والأمل المنتظر للغد المرتجى»

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏نظارة شمسية‏‏‏

في البداية يجب أن يعلم الجميع أن مصر وشعبها أكبر من أي شخص مهما علا نجمُه أو حسن فعله، حتى ولو صار بطلًا من الأبطال؛ وذلك لأن حتى الأبطال ذوي الخوارق تُنجبهم الشعوب، ولكن البطل يعجز مهما امتلك من قوى خارقة عن إنجاب شعب!

فالشعب المصري هو الذي أسقط نظام مبارك، وهو الذي أزاح كابوس الإخوان، وبالتالي فهو البطل والمنقذ الحقيقي.

وعلى السادة مؤيدي الرئيس أن يعلموا كذلك أن النُظم ظواهر وأدوات عارضة في تاريخ الأوطان والشعوب، أي إن الوطن والشعب لا يخدم النظام والحكم ويفديهما، ولكن النظام والحكم هما الخدمة والفداء للشعب.

ولعلي أعتقد أن مصر وشعبها قادرون اليوم أن يقفوا ويصيحوا بأعلى صوت في وجوه الجميع بما قاله جنرال فرنسا الكبير «شارل ديجول» لمعاونيه في حركة فرنسا الحرة في المنفى التي واجهت الاحتلال النازي لفرنسا، وبعد عودتهم معه جميعًا إلى باريس يوم النصر، أن يقول لهم كلمته المشهورة:

«أيها السادة، إن فرنسا ليست مدينة لأحد».

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏جلوس‏‏‏

شارل ديجول

وكانت هذه صدمةً لهم، ولكن ديجول قصد أن يقول لهؤلاء الذين عاونوه في حركة فرنسا الحرة، طوال فترة الاحتلال النازي لأوروبا، إن سابق جهادهم من أجل الوطن لا يُعطي ميزة لأي منهم، وإنهم هُم المدينون لفرنسا أن تحملوا شرف الكفاح باسمها، وناضلوا تحت راياتها، ولكن فرنسا ليست مدينة بأي شرف لأسمائهم!

والشيء نفسه في اعتقادي ينطبق على الشعب المصري في علاقته ببطله الجديد ومن معه من أبواق.

فمصر وشعبها قادرون على أن يقفوا ويصيحوا بأعلى صوت في وجوه الجميع: «أيها السادة، إن مصر ليست مدينةً لأحد». بل إن الجميع مدينون لمصر أن تحملوا شرف الكفاح باسمها، وناضلوا تحت راياتها، ولكن مصر ليست مدينة بأي شرف لأسمائهم! مهما كبُرت أو مهما علت وحلقت إلى عنان السماء.

ومصر كذلك تستطيع أن تفعل مع بطلها الجنرال الرئيس ما فعله الجنرال «شارل ديجول» مع معاونيه في حركة فرنسا الحرة «جورج بيدو» حين التفت إليه، وهُما معًا في موكب النصر إلى قوس النصر في باريس سنة 1945، وقال له:

«مسيو … مسافة من فضلك»!

كان «ديجول» يطلب إلى «بيدو» ألا يمشي موازيًا له في موكب النصر، وأن يتأخر عنه بمسافة، حتى لا يختلط الأمر على الفرنسيين في ذلك اليوم التاريخي، وتذهب الظنون بينهم إلى تصور تساوي الرؤوس!

وأعتقد أن الشعب المصري قادر على أن يفعل ما فعله «ديجول» مع «بيدو» ويقول لرئيسه وبطله:

«مسيو.. مسافة من فضلك»، قد جئنا بك إلى الحُكم لكي تجعل حياتنا أفضل في عدل ورحمة، لقد جئنا بك من أجل أن تواجه المؤسسات الدولية التي تُريد مص آخر نقطة من دمائنا تحت ستار الإصلاح الاقتصادي المزعوم، وليس لأن تُصبح أنت منفذ تلك السياسات التي ستجعلنا أشباه بشر.

وليعلم الجميع: أن «شخصية البطل» لا تكفي وحدها لصنع مجد دولة أو أمة.

إن شخصية البطل يمكن أن تكون قوة دافعة أو محفزة، إن شخصية البطل تستطيع أن تقود، ويمكن أن تُلهم. وربما تستطيع أن تكون قوة قادرة على التمهيد للأسباب الحقيقية للتقدم.

ولكن «شخصية البطل» لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون كل أساس التقدم وكل مضمونها. فالبطل بدون الجماهير الحية على الأرض الصلبة ما هو إلا فرد وحيد شريد تائه ضعيف. هكذا تقول لنا تجربة جمال عبد الناصر في مصر، وشارل ديجول في فرنسا، وونستون تشرشل في بريطانيا، وجواهر لال نهرو في الهند، وما تسي تونج في الصين، ومهاتير محمد في إندونيسيا.

والجماهير بحاجة إلى أن تعيش عيشة إنسانية كريمة، بحاجة إلى أن تعمل وتسكن وتأكل وتشرب وتُحب وتتزوج وتنجب.

الجماهير بحاجة إلى أن تمارس الحرية من خلال المعرفة المبنية على معلومات حقيقية وصادقة، وليست أكاذيب أو شائعات تطلقها اللجان الإلكترونية بتعليمات سلطوية. الجماهير بحاجة إلى أن تُمارس حرية الكلام والنقاش، حرية النقد والنقد المضاد، حرية الاتفاق والاختلاف، حرية القبول والرفض.

الجماهير بحاجة إلى حرية قادرة على الأخذ والعطاء، على الفعل والتفاعل، حرية تستطيع أن تختلط بغير خوف من اعتقال أو وساوس من مراقبة، حرية تستطيع أن تُناقش بغير عناد، حتى تصل إلى الحقيقة وتحلق في أفقها.

هذه هي الحقيقة المجردة بعيدًا عن الأساطير المغرقة في الخيال!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد