إن من استراتيجيات الاستعمار الحديثة المسلطة علينا من طرف أعدائنا من وراء المحيط: تغييب الشعوب المتخلفة فكريًا وعقائديًا، فيتم طمس تاريخهم الحقيقي وصناعة تاريخ جديد مزيف يعجن بكل مظاهر القوة والوفاء والاعتزاز بالهوية لكن مع دس جل مظاهر الخيانة والنفاق والعمالة. فما يلبث الفرد حتى يجد نفسه يهلل ويصفق ويعتز بما عرض عليه من افتراءات وخرافات.

وهو الحال عندنا في المغرب العربي والجزائر بالذات، وأخص هنا بالذكر الشعب الأمازيغي، فإذ بهم بعدما سُيطر عليهم فكريًا، يعتزون بالمغني اللائكي معطوب الوناس، الذي لجأ لمستعمر بلده فرنسا ليبدأ من هناك بنشر سمومه ضد العرب والإسلام والوطنية؛ فيجعلون منه رمزًا للثورة والهوية والتحرر.

أو يعتزون بالكاهنة ديهيا، والتي عرفت بيهوديتها أو وثنيتها أيام الفتح الإسلامي، فلا تجدهم يرددون سوى أنها حاربت الإسلام باعتباره استعمارًا، دون أن يذكروا عظمتها في محاربة الرومان ودحرها لهم. أو تجدهم يعتزون بالخرافات المزعومة على الأمازيغي أكسل أيام ردته عن الإسلام، وكيفية قتله المزعوم لعقبة بن نافع رحمه الله.

وهنا دائمًا وراء كل بطل يتم تلميعه وتجميله تجد المغزى الأهم من هذا الاستعمار، ألا وهو السيطرة العقائدية أو الدينية، فما أن يتم مس رمز من رموز نشر الإسلام هنا، مباشرة يتم تحويل ذلك الفتح الإسلامي إلى استعمار، وذلك الدين إلى استبداد فرض عليهم.

فالعقيدة وحدها القادرة على ضمان الوحدة والاستقرار الاجتماعي دون تدخل أي أفكار شاذة تدعو للعنصرية والتفرقة والتخلف؛ فيكون الانتماء إلى الدين أولى من الانتماء إلى الجد، وتكون العقيدة أولى من الهوية، دون المساس بالأصل والهوية طبعًا.

وإن سألت أكثر العارفين بتاريخ الأمازيغ، فلن تجده مدركًا لجل العظماء الذين أنجبتهم الأمة الأمازيغية أو (البربرية) كما يحلو للبعض تسميتها، فتجده يجهل من هو العالم الأندلسي الأمازيغي الأصل  يحيى بن يحيى الليثي، صاحب أشهر رواية للموطأ، وصاحب الفضل في نشر المذهب المالكي في الأندلس.

أو العالم الأمازيغي عباس بن فرناس صاحب فكرة الطيران، والذي تَفَرَّد بأكثر من علم، فكان الشاعر والرياضي والكيميائي وعالم الفلك، دون أن ننسى اختراعيه للزجاج، وعدسات تصحيح البصر، واللذين لا يقلان أهمية عن اختراع الطائرة.

أو ابن بطوطة الملقب بأمير الرحالة المسلمين. أو ابن البيطار أعظم عالم نباتي في القرون الوسطى. أو المفكران الغنيان عن التعريف مؤسسا علم الاجتماع: ابن خلدون، والمفكر مالك بن نبي. أو المجاهدان: عبد الكريم الخطابي، وعبد الحميد بن باديس. والكثير، الكثير من العظماء الذين خدموا الأمة الإسلامية عامة، وأصلهم الأمازيغي خاصة.

والمغزى من هذا كله خلق فرد شاذ بتاريخ مزور وبدون انتماء ديني يسهل التحكم فيه والسيطرة عليه. وهذا لن يؤثر عليهم فقط، وإنما على كل المحيط الذي حولهم، فالتاريخ الجديد يعني هوية جديدة، ويعني وطنًا مستقلًا؛ وبالتالي زعزعة كل شبر يمشون عليه. وهذا ما ندركه بمجرد دراسة تاريخية بسيطة لأغلب مناطق النزاع الداخلي. فهم يدركون أن الأمم لا تقوم إلا بالارتكاز على ماضيها.

فنحن لا نسرد قصص أجدادنا لينام الأطفال، وإنما نسردها ليستيقظ الرجال في صدورهم، فإن كان القدوة (الأجداد) بدون ضمير، واتصفوا بالنفاق والخيانة والعمالة، فإن شيمة الأحفاد تكون نفسها.

وهنا لا نُبَرِّئ أحدًا من هذا المخطط الاستعماري الغربي، فالحكومة تشارك في ذلك باستغباء شعبها وإغلاق منافذ الوعي عليهم. ويشارك الشعب في ذلك بتجهيل نفسه وتصديق كل البروباجندا المتتالية التي تعرض عليه يوميًا.

ويبقى الحل واحدًا للنهوض بهذه الأمة ورفع علم الوحدة والتوحيد عاليًا، شامخًا فوق رؤوس الخونة. حل جاء به الإسلام قبل أي فرض فرضه على المسلمين، وقبل أي تحريم أو تحليل أمر به المسلمين، الحل قيل لخير مبعوث للناس أجمعين محمد – صلى الله عليه وسلم – يوم نزل عليه جبريل وهو في غار حراء، نعم ذلك هو الحل أيها الشعب العظيم، من فضلك: اقرأ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد