سيتعجب البعض من خلال قراءته للوهلة الأولى محتوى العنوان، لذلك يجب توضيح الأمور، ووضع النقاط على الحروف، لكي يتبين المعنى وتتضح الرؤية، فلا نريد من القراء التعامل مع السطحي، بل نريد الغوص في مدلول الفكر واستنباط الحقائق، لذلك توجب علينا أن نسلط الضوء على المفاهيم قاموسيًا. حيث أن السافرة في المعنى اللغوي هي المرأة التي تكشف عن وجهها، وبالتالي قد ابتعدنا عن المفهوم العُرفي للسافرة المحمل بالقساوة والجحد والإجحاف بحق المرأة التي لا تضع حجابًا.

لم أتجرأ يومًا الخوض في خصوصية الآخرين، وحتى لم أتجرأ أبدًا على أن أناقش معهم أمورا تخص عقائدهم الدينية، حتى وإن كان ذلك برضى الطرف الآخر الذي يحاول أن يسحب لساني لأخرج ما في جعبتي حول مظهره أو صحة اعتقاده، حيث أننا في هذه المرحلة دائما ما نعاني الكثير من الضبابية فيما يخص المتعلقات الدينية والأفكار الدنيوية، فيحاول البعض منا أن يعيد حساباته حول شكله ومظهره وحتى مسلماته التي اكتسبها في مراحل نموه الاجتماعي.

من الأمور التي يسعد بها الإنسان في الكثير من الأوقات هو أن تفكر فيما أنت عليه الآن، وأن تجد متسعًا لتعيد جدولة حياتك، بحيث يسهل عليك دائما أن تكون موجودا في الرقعة الحيوية التي يحاول البشر منا أن يصنعها لذاته، وهذه الفئة هي من أكثر الفئات التي تعرف معنى ومغزى للحياة، فهي تحاول أن تتأقلم دائما، بحيث أن أرضية المبادئ عندها راسخة ومتجذرة، إلاّ أن الحياة تحتاج للمسة تجديد وفق المتغيرات المحيطة بنا، وبالتالي تلبي للحياة ندائها لكي لا تصبح جمادًا مركونًا في زاوية الرجعية والتخلف.

ما يزال المجتمع المحلي يعاني الكثير من الأزمات الاجتماعية والنفسية، وللأسف أصبحت هذه الاضطرابات تشكل حالة غالبية، حيث أن هذه المشاكل عبارة عن تركمات تاريخية، مزقت الحالة الفطرية والإنسانية للبشر، واستبدلت به لوائح من الموانع والروافض والقوانين الضمنية، والتشريعات الدينية، التي لا تعرب أبدًا في قاموس المنطق.

سألتني إحدى صديقاتي، والتي أكن لها الاحترام الكامل والعميق، –والجدير بالذكر بأن هذه الصديقة مثقفة جدًا، وحاملة للواء تكسير الأصنام والمسلمات، وهذا الأمر ما شدني إلى الحديث والتسامر معها –، عن مسألة الهوية الجنسانية عند المرأة في المجتمع الذكوري، وما محل سلوكيات الفطرية للمرأة بعيدًا عن الإملاءات الدينية والعرفية، وهل تحتاج لمتسع كبير من الحرية للممارسة شعائرها الحياتية كأنثى؟، ولماذا المؤنث وليس المذكر؟، كل هذه الأسئلة الوجودية الصعبة تم طرحها بأسلوب، التمست منه الشجاعة في الطرح، والتخوف من شد العقل إلى هز الثوابث والمسلمات التي أحملها، وبالتالي امتنعت عن الإجابة عن الكثير من الأسئلة، تفاديا للوقوع في شباك الوهن الحجاجي الذي أمتلكه. فالفراغ الفكري في هذه المسائل الحساسة والمتعلقة بخصوصية المرأة داخل مجتمعاتنا المحلية، أمر خطير وصعب، فالخوض في هذه الجدالات مهما كان طرفك فيها، سيثني ويتبط من عزيمتك حول الآراء المتضاربة بهذا الخصوص، وهذه الموجات.

لا بد علينا من فتح مساقات أكبر، وحريات أوسع للتعامل مع الجنس الآخر – المرأة على وجه الخصوص –، إذ أن الحرية المزعومة التي تنص عليها المناشير الوزارية، وتقررها السلطة الحاكمة، ما هي إلا صفحات مليئة بالحبر، تساهم في إضعاف المرأة وتصغير دائرة إهتمامها بالأشياء المحيطة بمجتمعها، فالمرأة في هذه المجتمعات، تحتاج وقفة من الكل، لمساندتها، والرفع من شأنها، ودفعها للإبداع والتألق في مجالات الحياة المختلفة، فالمرأة لا تحتاج الحكم عليها، انطلاقًا من نسويتها، فعالمة الاجتماع سيمون دي بفوار تقول في هذا الصدد مقولتها المشهورة: «نحن لا نولد نساء، بل نصبح كذلك»، وفي هذه العبارة الكثير من الوقفات التأملية التي تشير إليها دي بفوار، فالضعف الاجتماعي والتحامل على المرأة هو صفة مكتسبة لا علاقة لها ببيولوجية المرأة على الإطلاق، بل هي آراء عرفية ودينية تضافرت لتلبس المرأة اليوم حلتها المعتادة، والتي أصبحنا اليوم بفضلها نقيم أداءات المرأة على أساسها.

نحن نسعى لتكريس الاختلاف، وننبذ ونبتعد عن مواطن الخلاف، فعلينا القفز لما يناسبنا أجمع لخدمة الإنسانية، فالأجندات المتناقضة، والجهات التي تؤجج لصراع الذكوري النسوي، ما هي إلاّ صراعات تخدم مصلحتها الخاصة، وتغلبها على المصلحة العليا، وبالتالي يقف الفرد حائلًا أمام تحقيق رغباته السامية في تطوير نفسه والإنسانية معه، أم لخدمة هذه الجهات والتحيز لطرف، وإشعال الضغينة لطرف الآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد