يقول التساؤل: ما مشكلة التوارق؟ سنجاوب حسب زاويتنا من هذه المشكلة التي أصبحت نوعًا من التساؤل اليومي لأبسط شخص في مجتمعنا:

– مشكلة التوارق في ليبيا وغيرها من المشكلات الحقوقية التي تكمن إحدى تفسيراتها في معرفة تفسير ظاهرة «اللادولة»، وليست تركيبة فسيولوجية غير قابلة للتعديل أو عوجًا فيزيائيًّا في أجسامهم يصعب علاجه!

من هذا المنطق أقول: لينتظر المتحاكمون بقانون التهم قبل أن يحكموا عليهم بالجرم؛ فهم ليسوا أول طائفة مضطهدة ولن يكونوا آخر عرقية شبه مضطهدة أيضًا؛ ولكنهم يعانون من مشكلة اللادولة المستشرية في أشباه دولهم، ويعانون أيضًا من اللاعدل الذي أصبح بسبب الاعتياد عدلًا؛ بحكم التآلف وبقائه هاجسًا على المواطن «سواء منهم أو غيرهم» أن يعيه بمضض، ويبتلعه بشكل لا واعي، كنوع من الإيمان الروحاني، بقدوم خير تقول كل الشواهد أنه بعيد!

ينبغي للمتعاملين مع هذه القضية من منطلق حقوقي منهم، أو الذين يتضامنون معهم إنصافهم: فمن الإنصاف معرفة أسباب الاضطهاد، ومن الإجحاف والظلم إطلاق التهم على طائفة ما دون ارتكاب جريمة سوى أنهم في كينونتهم الأولى دون الانسلاخ منها أو الركب في سفينة التقدم التي أتت إلى صحرائهم على ظهر الدبابة الفرنسية!

واتهام طائفة أو قبيلة من القبائل الليبية وغير الليبية بالإرهاب والجريمة بشكل عام ظلم لا تقبله الأديان ولا فطرتنا الإنسانية؛ فالإطلاق العام جريمة عامة والجريمة يحاكم عليها فاعلها والذي ثبتت في حقه ارتكابها(الحكومة)، وليس المتهم البريء الذي لم يرتكب من الجرائم سوى عدم معرفته بالوقاية منها(الشعب)!

أيتها الحكومات وأيتها الدول الغالبة بأمره؛ فالشعوب ضعفاء ما ضعفت الحكومات في خدمتها، والحكومات قوية ما قويت الشعوب بخدمة حكوماتها لها. فنحن الشعوب لسنا مسؤولين عن إهدار ملايين الدولارات، ولا مدانين بكواليس الاختلاسات؛ فذلك حسب ظني أو اعتقادي أو حسب ما نشاهد ونسمع، من عمل إدارات الدولة؛ وليس من إدارة ومسؤولية الشعوب المضطهدة من الحكومات نفسها السارقة باسم الله أصلًا!

أعود وأكرر (لأهل الحكم لا للمواطن) نحن مجرمون ما لم ينصفنا قانون دولنا؛ ونحن أبرياء يُقتلون ما لم تحمنا حكوماتنا ووزاراتنا المحفوظة باسم الله؛ فإذن مشكلتنا (نحن الشعوب) تكمن في عدم امتلاكنا للمشكلة، وتهمتنا تكمن في عدم وقوع الجريمة من جانبنا ابتداءً.

أيها القراء المحترمون: نحن نستغرب معكم عدم اهتمام الدولة بكل مكوناتها، وعدم افتخارها بنسيجها الاجتماعي الغني بكل فسيفساء الجمال، وعدم محاولتها تصوير اللوحة كاملةً دون الحاجة إلى تجزئتها واقتطاعها وجعل جزء يكره جزءًا أو لونًا يطغى على لون آخر «سواء بالأغلبية لأنها لم تكن خيار الأقلية أو حتى بالطبقية التي تحكم دون الله في خلقه»!

نحن أيها القراء المبجلون: نستغرب مجددًا كما تستغربون أن السنة الثانية والعشرين بعد الألفية الثانية من ميلاد المسيح الذي يشفي الأعمى والأبرص بإذن الله ولكن دولنا ما زالت عمياء من حيث تحديد معالم العيش الكريم، ودون إنصاف المواطن المحلي الكادح والمتعب من أجل لقمة عيشه والتي ألهته حتى من معرفة حقه القانوني، والقدرة على اقتطاعه من أهل الإقطاع الجدد!

ولأنها لم تفعل فالمواطن المحلي يهرب ويطلب الإنصاف من حملة الدعاية العالمية الذين يخلقون فيه إيمانًا؛ أن لا شبع دون كنتاكي، ولا ارتواء لعطش دون قنينة البيبسي ويقدمون له بكل سرور مشروب طاقة الإنصاف الجنوني، والإنسانيات الساذجة، والانسلاخ في مذبح الدول المتطورة (تقنيّا لا عقلًا)، ويترك أهله ووطنه لاجئًا وهاربًا ذليلًا، لكنه يكون قد تخلص من عقدة العيش ومن الهرولة وراء الوهم!

أيتها الحكومات الحاكمة بإذن الله: إنصاف التوارق من إنصاف حصب ترابهم، وظلمهم من ظلم التراب (فعقوق الأرض كما نعلم منكر لا يرضي الإنسانية): فاعفو عن انطوائهم، واغفروا «طرطنتهم»؛ تَغفِر لكم التربة، وتدعو لكم صخور جبالهم لكي لا تضيعوا في مغاراتها، وتدخلوا معهم جنة العدل، وتخلطوا معهم ألوانًا جميلة لوطن اسمه ليبيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد